أطاحت بمحافظ البنك المركزي.. لماذا تتعالى انتقادات المرجعية الدينية في قم للحكومة الإيرانية؟

طهران- انطلاقا من الاستقلال الاقتصادي الذي تتمتع به المرجعيات الدينية في إيران عملت الحوزة العلمية طوال عقود سبقت الثورة الإيرانية عام 1979 على انتقاد السلطة الحاكمة بالبلاد، إلا أن انتصار الثورة فرض واقعا جديدا تمثل في الولاء والدعم المتبادل بين الجانبين.

وفي ضوء الاحترام الذي تحظى به حوزة قم الدينية من قبل الحكومات الإيرانية -سواء كانت إصلاحية أم محافظة- فإن العلاقة بينهما لم تكن بمنأى عن الواقع السياسي والتنافس المتواصل بين التيارات السياسية، لكن الإعلام الرسمي قلما يتناول انتقادات المرجعيات التقليدية للحكومات المحافظة.

في المقابل، دأبت المرجعيات المقربة من التيار الإصلاحي طوال العقود الماضية على توجيه انتقادات لاذعة للسلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، كما قدمت وجهات نظرها لتحسين الوضع المعيشي ومكافحة الفساد الاقتصادي إلى جانب آرائها الفقهية بشأن بعض الملفات القضائية.

العلاقة بين الحكومة الإيرانية والمرجعيات الدينية ليست بمنأى عن التنافس بين التيارات السياسية الإصلاحية والمحافظة (رويترز)

انتقادات لاذعة

وفي مشهد غير مألوف، نشرت الصحف المحسوبة على التيار الإصلاحي تحت عنوان "انتقادات مرجعيات قم الدينية للحكومة" في صفحاتها الأولى أن مراجع الدين في قم وجهت انتقادات لاذعة للسلطة التنفيذية بشأن تزايد البطالة وتدهور معيشة المواطن والتضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية.

وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد التقى أول أمس الأربعاء كبار مراجع التقليد (هرم القيادة الدينية) بمدينة قم، وهم آيات الله جعفر سبحاني وناصر مكارم شيرازي وحسين نوري همداني وعبد الله جوادي آملي، وبحث مع كل منهم مستجدات التطورات الراهنة في البلاد.

وأبدى المرجع الديني آية الله ناصر مكارم شيرازي امتعاضه من الواقع الاقتصادي الراهن الذي تسبب في إثارة القلق لدى عامة الناس، مضيفا أن التضخم سجل ارتفاعا حادا مقارنة بالعام الماضي، وأنه في ظل ارتفاع سعر الدولار لا يرى خطوات تذكر لمعالجة التضخم وتعزيز قيمة العملة الوطنية.

مطالب بتحسين الوضع المعيشي

وفي ضوء الانتقادات الشعبية لمراجع الدين بسبب عدم تذكيرهم المسؤولين بحل المشكلات الاقتصادية يؤكد شيرازي أنه سبق أن قدم ملاحظاته مرارا بهذا الشأن، مستدركا أن هيئة الإذاعة والتلفزيون لم تتطرق إليها، وطالب السلطات التنفيذية بأخذ ملاحظات المرجعيات الدينية بعين الاعتبار.

من جانبه، يشير المرجع آية الله عبد الله جوادي آملي إلى أن المشكلات الاقتصادية تؤخر سن الزواج لدى الشباب والبطالة وتؤدي إلى هجرة النخب، مطالبا بمعالجة الوضع المعيشي، مؤكدا -في الوقت نفسه- على ضرورة عدم وضع المسؤولية التنفيذية على عاتق أفراد غير مؤهلين "ولو كانوا طيبين"، كما دعا إلى وضع حد لنشاط المخلّين بالاقتصاد والمختلسين.

أما المرجع الديني آية الله حسين نوري همداني فانتقد عدم معالجة غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب استفحال البطالة وتراجع قيمة الريال الإيراني، وطالب السلطات التنفيذية والبرلمان بمضاعفة العمل لحلحلة المعضلات الاقتصادية.

وفي السياق، انتقد المرجع الديني آية الله جعفر سبحاني عدم تحقق الوعود الحكومية بمعالجة المشكلات وتحسين الوضع المعيشي، داعيا إلى "الاعتبار من الآية 129 في سورة الأعراف" {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}، مؤكدا أن النعم التي ينعمها الخالق على الإنسان مرهونة بأعمال العباد.

Protest over the death of Mahsa Amini, in Tehran
الحكومة الإيرانية تواجه تحديات معقدة أبرزها التدهور الاقتصادي والاحتجاجات في الشارع (رويترز)

جدل على منصات التواصل

وعلى غرار الصحف والمواقع الإخبارية الناطقة بالفارسية تفاعل الإيرانيون على منصات التواصل مع انتقادات المرجعية الدينية للحكومة المحافظة بسبب تردي أدائها الاقتصادي، بين من يرى الانتقادات مؤشرا على فشل الطبقة الحاكمة في المحافظة على ولاء المرجعية الدينية لها، ناهيك عن تحقيق مطالب المحتجين، وبين آخرين يرونها دليلا على استقلالية الرأي في الحوزة العلمية.

وبينما يصف رجل الدين رشيد داودي الانتقادات بأنها فريدة من نوعها يرى الناشط السياسي الإصلاحي جواد إمام أنها جاءت متأخرة حيث إن "المجتمع لا يسمع أصواتهم، ولم تعد مكانتهم لدى الدولة كما كانت عليه سابقا".

وفي تغريدته على تويتر كتب "للأسف حدث ما لا ينبغي أن يحدث، وقد سُجل الفشل كله باسم الدين".

"أول الغيث"

في المقابل، يرى الأستاذ في حوزة قم العلمية الشيخ مهدي مسائلي أن المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي كان أول مرجع ديني ذكّر الحكومة بالمعضلات الاقتصادية وطالبها بالعمل على معالجة الوضع المعيشي، مؤكدا أن المؤسسة الدينية تقدم ملاحظاتها باستمرار للجهات الحكومية إلا أن الانتقادات عقب الاحتجاجات الأخيرة كانت لافتة هذه المرة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يؤكد مسائلي أنه لا يمكن غض الطرف عن تأثير الضغوط التي مورست على المرجعية الدينية خلال فترة الاحتجاجات في انتقادها السلطات التنفيذية علنا، مضيفا أن الانتقاد لا يعني وجود خلافات بين المرجعية الدينية والحكومة، مستدركا أن ذلك نابع من امتعاض المرجعية الدينية حيال أداء الفريق الاقتصادي في الحكومة الحالية.

واعتبر مسائلي استقالة محافظ البنك المركزي الإيراني علي صالح آبادي أمس الخميس وتعيين محمد رضا فرزين خلفا له أول الغيث ونتيجة مباشرة لانتقادات المرجعية الدينية وتأثيرها على قرارات الحكومة الإيرانية.

وعبّر عن أمله في أن تنعكس ملاحظات المؤسسة الدينية في مدينة قم إيجابا على تحسين الواقع الاقتصادي بالبلاد.

المصدر : الجزيرة