قانون الأحوال الشخصية الجديد يثير جدلا بمصر

القاهرة- وديعة في صندوق خاص، وقرار مسبق من القاضي، ومخاوف من عدم الاعتراف بالطلاق الشفهي، ربما تكون هذه الثلاثية أبرز ما ورد في قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي تعتزم السلطات المصرية تقديمه للبرلمان قريبا، التي أثارت جدلا واسعا بين المصريين.

تؤكد الحكومة المصرية حرصها على كيان الأسرة ودعمها، وأهمية الخروج بصيغة توافقية حول مشروع القانون الجديد، لكن هناك انتقادات بشأن زيادة الأعباء المالية على المقبلين على الزواج، رغم وجود صندوق في أحد البنوك الحكومية -تحت اسم صندوق تأمين الأسرة- يستهدف مساعدة الأسر بعد الانفصال.

إلى جانب ذلك، أبدى البعض قلقه من عدة مواد معلنة، مثل توثيق الطلاق الذي رفضه الأزهر من قبل، ووجوب أخذ المأذون موافقة القاضي قبل إتمام عقد الزواج بعد الاطلاع على فحوصات طبية للزوجين، وهو ما رآه البعض نوعا من التدخل في أدق تفاصيل شؤون المواطنين، خاصة تلك التي تتصل بالأبعاد الدينية والاجتماعية، في حين يترقب الجميع بدء الحوار المجتمعي حول القانون.

فمن جهة، يرى خبير اقتصادي أن هناك حرصا حكوميا على ابتكار صيغ تمويلية كل فترة -بشكل غير منهجي- من جيوب المصريين، بما يضر بالاقتصاد في نهاية المطاف. في حين يلفت خبيران في شؤون الأسرة إلى أهمية النظر لأولويات المجتمع واحترام مؤسسة الأزهر الشريف، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة في الفترة الأخيرة.

صندوق بنك ناصر الاجتماعي

أمس الاثنين، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي -بعد اجتماع مع لجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية- بإنشاء صندوق لرعاية الأسرة ووثيقة تأمين لدعمها ماديا، في مواجهة النفقات والتحديات ذات الصلة بمسائل الأحوال الشخصية، مع توفير المصادر التمويلية له، بالإضافة إلى دعمه من قبل الدولة، مشددا على أهمية أن تكون صياغة القانون الجديد مبسطة ومفصلة.

ودعا السيسي -في كلمة له خلال افتتاح مشروعات جديدة- الشباب إلى تمويل الصندوق بمبلغ من المال قبل الارتباط، على أن تدفع الحكومة مبلغا مماثلا للصندوق المقترح، الذي سوف يتم استخدامه بعد ذلك لدعم الأسر، خاصة في حالات الانفصال.

يأتي هذا في الوقت الذي يمتلك فيه بنك ناصر الاجتماعي (حكومي) صندوقا مشابها، تحت اسم "صندوق تأمين الأسرة" منذ عام 2004، بموجب القانون 11 لسنة 2004، يستهدف مساعدة الأسر التي هجرها عائلها بلا منفق، بجانب تنفيذ الأحكام الصادرة بتقرير النفقات والأجور وما في حكمها.

أعباء جديدة ونتائج عكسية

في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي والكاتب الصحفي المتخصص في شؤون الاقتصاد، إبراهيم الطاهر، أن الصندوق الجديد سيأتي بنتائج اقتصادية عكسية، خاصة في ظل وجود صندوق آخر بالاسم نفسه تقريبا يعالج مسائل ما بعد الانفصال، ويتبع بنك ناصر الاجتماعي.

وفي حديثه للجزيرة نت، يشير الطاهر إلى أن تلك الأعباء المالية الجديدة سوف تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الزواج في مصر، في ظل زيادة أسعار الذهب وبدء شراء البعض "شبْكة" (الحلي المقدم للعروس) من الفضة، كما أنها ستؤدي إلى زيادة نسب العنوسة أو فرص الزواج غير القانوني، وما يترتب عليها من أعباء اقتصادية جراء انتهاك النسيج الاجتماعي والخلافات المترتبة على ذلك، وهو ما تظهره القضايا المتداولة في محاكم الأسرة.

ويؤكد الباحث الاقتصادي أنه لا يجد أي مبرر في استمرار ما وصفه "ببحث الحكومة المصرية عن صيغ تمويلية بشكل غير منهجي من جيوب المواطنين"، موضحا أن الصندوق المقترح لا يوجد له مبرر اقتصادي سوى الحصول على تمويل جديد بصيغة جديدة أو أداة مختلفة، ولكن للأسف -والكلام للباحث- بالتأثير السلبي على البنية الاجتماعية وعمادها، الأسرة، بما يشكل ضربة للنسيج الاجتماعي والاقتصاد الذي يقوم بالأساس على استقرار الأسر.

لكن هناك إشكالية خاصة بصندوق تأمين الأسرة ببنك ناصر الاجتماعي تواجه المحامين والأسر عند تنفيذ حكم من محكمة الأسرة، وهي الحد الأقصى للنفقة.

في هذا السياق، يوضح المحامي محمد محمود -للجزيرة نت- أن الحد الأقصى للصندوق يتوقف عند 500 جنيه فقط (الدولار = 24.72 جنيها)، وهو ما يعرقل تنفيذ الأحكام، مشيرا إلى أنه لديه أحكام نفقة للتنفيذ تتراوح بين ألفي و4 آلاف جنيه، ولكن لا يستطيع أحد تنفيذها لدى بنك ناصر، بسبب الحد الأقصى المنخفض، وبالتالي لا بد من رفع سقف البنك، لتفعيل دور الصندوق.

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب، النائب أحمد عاشور، أن توجيهات الرئيس السيسي بإنشاء الصندوق الجديد تكشف أن الرئيس مشغول باستمرار بالأسرة المصرية، لا سيما البسطاء منهم، ويتابع باستمرار أحوال المواطنين، ولا تتوقف توجيهاته عن دعم المواطن المصري، لتخفيف الأعباء عن كاهله وإعادة رسم البسمة على الوجوه، وفقا لتصريحات صحفية.

الجدل يلاحق مواد القانون

لم يقتصر الجدل -في الساعات الأخيرة- على إنشاء صندوق جديد لرعاية الأسرة، بل امتد لبعض المواد التي تم الكشف عنها في مقابلات إعلامية أو بيانات رسمية.

ووفق بيان رسمي لرئاسة الجمهورية، فقد قامت لجنة إعداد مشروع القانون -برئاسة القاضي محمد عبد الرحمن- بعقد 20 اجتماعا في الفترة الماضية، لصياغة قانون متكامل ومفصل، مع إلغاء تعدد القوانين الحالية في هذا الإطار التي تبلغ 6 قوانين، وانتهت إلى الصياغة الأولية لعدد 188 مادة، وجاري استكمال المسودة الأولى لمشروع القانون.

ويتضمن مشروع القانون الحفاظ على الذمة المالية لكل زوج، ونصيب كل منهم في الثروة المشتركة التي تكونت في أثناء الزواج، بالإضافة إلى إعادة صياغة وثيقتي الزواج والطلاق بما يضمن اشتمالهما على ما اتفق عليه الطرفان عند حالتي الزواج والطلاق، فضلا عن توثيق الطلاق كما هي الحال في توثيق الزواج، وعدم ترتيب أي التزامات على الزوجة إلا من تاريخ علمها به.

وأكد وزير العدل المصري المستشار عمر مروان -في تصريحات متلفزة قبل يومين- أنه لا توجد مشكلة شرعية في إقرار توثيق الطلاق في قانون الأحوال الشخصية الجديد، ردا على سؤال عن استمرار اعتماد الطلاق الشفوي.

وذكر الوزير أنه من المتوقع الانتهاء من مشروع القانون كاملا خلال شهر، على أن يتم طرحه بعد ذلك للحوار المجتمعي.

وكانت هيئة كبار علماء الأزهر الشريف، فبراير/شباط 2017، رفضت مقترحا للرئيس السيسي بإقرار توثيق الطلاق كشرط لوقوعه، وأقرت وقوع الطلاق الشفوي المستوفي لأركانه وشروطه، مؤكدة أن هذا هو ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم يحدث أي تغيير في موقفها حتى الآن، وفق ما هو معلن.

في سياق متصل، يرى عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومدير أكاديمية بسمة للسعادة الزوجية، محمود القلعاوي، أن أي تمرير لمسألة شرعية في القانون المقترح من دون موافقة صريحة معلنة من الأزهر الشريف ستجهض القانون.

ويضيف القلعاوي -في حديثه للجزيرة نت- أن شيخ الأزهر أعلن من قبل عدم جواز إلغاء الطلاق الشفوي، ورفض مطلب الاعتداد فقط بتوثيق الطلاق، فضلا عن أن هيئة كبار العلماء أكدت ذلك، وأجازت فقط لولي الأمر تعزير من يتخلف عن توثيق الطلاق أو يتلاعب به، وهو التعزيز الذي نأمل فقط أن نراه في القانون، لأن المعلن غير واضح ويمكن تغييره، وفق تعبيره.

ورفض المستشار الأسري تحميل الشباب أي أموال لصالح الصندوق الجديد، مؤكدا أنه أمر تعسفي للغاية، ويجب حذفه من القانون، فضلا عن احترام رأي المؤسسة الدينية قبل أي تمرير.

لا بد من التصحيح

من جانبها، تعرب مديرة مركز "أسرتي" للاستشارات الاجتماعية، المستشارة الأسرية منال خضر، عن خشيتها من أن ما تم إعلانه من مواد في القانون الجديد يشكل "بالونة اختبار" قبل تمريره، خاصة أن بعضه يشكل مخالفة صريحة لاحتياجات المصريين وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن رأي مؤسستهم الدينية المتمثلة في الأزهر، الأمر الذي يهز استقرار المجتمع، وفق تعبيرها.

وأوضحت منال خضر -في حديثها للجزيرة نت- أنه منذ ظهور نقاشات القانون المقترح للعلن خلال اليومين الماضيين، تلقت أسئلة من جمهورها مليئة بالقلق والغضب، معربة عن استهجانها لما وصفته "بتعامل واضعي القانون معه على أنه عديم الأهلية وقاصر".

وتساءلت المستشارة الأسرية والاجتماعية: "كيف يطالب المشروع المقترح مكونات المجتمع المصري -سواء في الصعيد أو الوجه البحري- باستئذان القاضي قبل الزواج الثاني؟ وكيف يتجاوز البعض ما أعلنه الأزهر في الاعتداد بالطلاق الشفوي بالبحث المريب عن توثيق الطلاق فقط؟ وهل المطلوب من الأعباء المالية الجديدة تعجيز الشباب عن الزواج ؟".

وتؤكد منال خضر أن المجتمع المصري -وفق ما يأتيها من استشارات- في حاجة إلى التيسير وإنفاق كل ذي سعة من سعته والانشغال بتثقيف المجتمع بقيمة الأسرة وضوابطها، وترك الأمور الشرعية لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، من دون تلاعب بالألفاظ ووضع بعض المواد الجميلة لتمرير مواد أخرى سيئة.

وكانت 4 مؤسسات مصرية -على الأقل- أعدت مشروعا بقانون للأحوال الشخصية، وهي الأزهر الشريف، والمجلس القومي للمرأة، ومؤسسة قضايا المرأة الحقوقية، وأحزاب سياسية مثل حزب النور وحزب الأمل، فضلا عن مؤسسات حقوقية عدة، في حين شكلت رئاسة الجمهورية لجنة لإعداد القانون.

وأعلن الأزهر أكثر من مرة أن قانونه المعد يختلف عن غيره من حيث الصياغة والمضمون، كما أنه يعالج القضايا الأسرية وفق مصلحة المجتمع، ويتميز عن غيره بأنه أخذ في اعتباره ما قُدِّم من مقترحات قوانين.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة