أفغانستان وإيران.. إكراهات السياسة وضرورات الجيرة

كابل- جاء تعيين إيران سفيرا جديدا لها في أفغانستان ليسلط الضوء مجددا على علاقة طهران مع حركة طالبان الحاكمة في البلاد، وهي علاقة تعرضت لمد وجزر على مدى سنوات طويلة.

وبعد نشر تسريبات منسوبة إلى السفير الإيراني السابق في أفغانستان بهادر أمينيان تم إنهاء مهامه، وعينت طهران مكانه عضو فيلق القدس التابع للحرس الثوري حسن كاظمي قمي سفيرا جديدا لدى كابل.

ورحب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد بهذا التغيير، وقال "نأمل أن يلعب السفير دورا مهما لمصلحة البلدين".

من هو حسن كاظمي قمي؟

ولد حسن كاظمي قمي عام 1959، وحصل على البكالوريوس في الاقتصاد، والماجستير في الإدارة الإستراتيجية، وشغل سابقا منصب القنصل العام للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مدينة هرات الأفغانية.

وكان قمي أول سفير إيراني في بغداد بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 إبان حكم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد.

ومن بين أعماله المهمة قيادة الوفد الإيراني في أول جولتين من المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن العراق، والتي أجريت في مكتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي عام 2007.

كما عُيّن قمي ممثلا خاصا للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وذلك بعد شهرين من وصول حركة طالبان إلى السلطة.

ولم يكن تعيين قمي سفيرا في أفغانستان مفاجئا بالنظر إلى أن المبعوثين الإيرانيين إلى دول المنطقة التي مزقتها الحرب مثل أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا ينتمون عادة إلى فيلق القدس.

وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي (يمين) والسفير الإيراني السابق بهادر أمينيان (الجزيرة)

ماذا قال السفير الإيراني السابق؟

ورغم أن السفارة الإيرانية في كابل أعلنت تعيين حسن كاظمي قمي سفيرا جديدا دون أن توضح أسباب إقالة السفير السابق بهادر أمينيان واكتفت بالإشارة إلى أن مهمته انتهت بعد 3 سنوات من عمله في كابل فإن مصدرا في الخارجية الأفغانية قال للجزيرة نت إن "السفير الإيراني السابق أقيل على خلفية تسريبات له".

وأوضح المصدر أن أمينيان قال في هذه التسريبات إن "الوضع في أفغانستان معقد جدا، وعندما أعود إلى كابل أشعر أنني في مكان منعزل من العالم وأن عجلة التقدم توقفت، وبعد التحولات الأخيرة هناك أصبحت إيران أحد مؤيدي حركة طالبان، وموقفنا ضعيف للغاية بشأن الملف الأفغاني، كما أن تنظيم القاعدة والحركات الإسلامية كلها نشطة في أفغانستان، وطالبان كارثة لأفغانستان وللعالم".

علاقات متأرجحة

وخلال نحو عقدين ونصف تأرجحت علاقات طهران مع حركة طالبان، ففي فترة حكم الحركة الأولى لأفغانستان كانت إيران من بين الخصوم الرئيسيين لها وكادت أن تدخل حربا معها عام 1998 إثر مقتل 9 دبلوماسيين في مدينة مزار شريف شمالي أفغانستان، كما ساندت طهران الولايات المتحدة في الإطاحة بحكومة طالبان عام 2001.

بدأت العلاقات بين طهران وحركة طالبان في جذب الانتباه الدولي عام 2015، وأظهرت إيران علاقاتها مع الحركة علنا، مبررة ذلك بأنها محاولة لتوفيق المصالح بين الدول التي لها مصالح في أفغانستان.

وتوثقت علاقة طالبان وطهران عندما تولى الملا أختر زعامة الحركة، وينظر إليه على أنه عراب العلاقات مع أطراف كانت فاعلة أثناء الحضور الأميركي في أفغانستان.

ويقول مصدر مقرب من طالبان للجزيرة نت إن الملا أختر محمد منصور زار إيران 8 مرات، والتقى أكثر من مرة بقائد فيلق القدس الإيراني الراحل قاسم سليماني.

في المقابل، زار حسن كاظمي قمي -الذي كان ممثلا خاصا للرئيس الإيراني- أفغانستان 3 مرات، والتقى كبار المسؤولين الأفغان، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بالوكالة الملا محمد حسن آخوند.

ويقول مصدر في الخارجية الأفغانية للجزيرة نت "بصورة عامة العلاقة بين الإمارة الإسلامية وإيران جيدة، وهناك تنسيق في كثير من الأمور، الحركة في المعابر والحدود سلسة، ولا نعاني منها كما نعاني من باكستان وطاجيكستان".

ويرى خبراء أن إيران تبنت موقفا أكثر براغماتية تجاه الحكومة الأفغانية التي تتزعمها حركة طالبان، وقد رحبت -على غرار الصين وروسيا- برحيل القوات الأميركية من أفغانستان.

اجتماع سابق بين الجانبين الأفغاني والإيراني بمقر الخارجية الأفغانية في كابل (الجزيرة)

مخاوف إيرانية

في المقابل، فإن لدى إيران قلقا بشأن تأمين حدودها التي يصل طولها إلى 572 ميلا مع أفغانستان، ولا تريد تدفق موجة جديدة من اللاجئين إلى أراضيها، كما أن وجود تنظيم الدولة فرع خراسان يشكل تهديدا مشتركا لأفغانستان وإيران ونقطة تقارب بين الجانبين.

ويقول مصدر في الخارجية الأفغانية للجزيرة نت "في أول زيارة لحسن كاظمي إلى كابل بعد الانسحاب الأميركي اتفق الجانبان على تشكيل 5 لجان مشتركة للتنسيق والتواصل على أعلى مستوى حول مكافحة تنظيم الدولة، وتنظيم أمور التجارة والمياه واللاجئين والحدود، وتم تبادل الزيارات على مستوى الوزراء بين الطرفين".

وبعد وصول طالبان إلى السلطة عام 2021 كانت إيران من الدول التي أبقت على سفارتها في العاصمة الأفغانية كابل و4 قنصليات في المدن الأفغانية الرئيسية للتواصل مع السلطات الجديدة.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الحق حماد -في حديثه للجزيرة نت- أن "إيران لا تريد أن تشغل نفسها بأفغانستان، وقبلت بالحكومة الجديدة كأمر واقع، ولكنها تنظر إلى حكومة طالبان في الأمد البعيد كخطر إستراتيجي، حيث تراجع النفوذ السياسي والمذهبي الإيراني في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي".

المصدر : الجزيرة