ابحث عن روسيا والصين.. لماذا تعقد واشنطن قمة أميركية أفريقية للمرة الثانية؟

واشنطن- من بين 55 رئيس حكومة أفريقية، تمت دعوة 49 منهم لحضور القمة الثانية التي تجمع الولايات المتحدة وقادة أفريقيا، ويستضيفها الرئيس جو بايدن في واشنطن اليوم الثلاثاء.

والقمة التي تعقد خلال الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر/كانون الأول الجاري هي التجمع الثاني لرؤساء الدول الأفارقة ورئيس أميركي، بعد قمة 2014 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

وتعد القمة رمزا مهما للقيمة التي توليها واشنطن مؤخرا لعلاقاتها الأفريقية، واستجاب القادة الأفارقة بشكل جيد، فمن المتوقع أن يحضر كل زعيم وُجهت إليه الدعوة.

لا تجاهل لأفريقيا

وفي كلمته أمام المؤتمر الافتتاحي للقمة الأميركية الأفريقية الأولى عام 2014، تحدث أوباما عن "دمائه الأفريقية" التي تجري في عروقه وكيف أن الروابط الأميركية مع أفريقيا -بالنسبة له- تُعد شأنا شخصيا قبل أن تكون سياسية تخدم مصالح واشنطن. ومع ذلك، لم تتطور العلاقات الأميركية والأفريقية لدرجة مقبولة للطرفين خلال العقود الأخيرة.

وتتهم النخبة الأميركية الصين وروسيا باستهدافهما الاستثمار في أفريقيا للحصول على ميزة تنافسية على الولايات المتحدة، والانخراط في ممارسات تجارية متوحشة غير عادلة في المنطقة، في إشارة إلى عقد الصفقات غير الشفافة، والإقراض الاستغلالي، ونشاط الصناعة الاستخراجية ذات المصلحة الذاتية، والتعاون العسكري والأمني المشبوه.

ولأفريقيا أهمية متزايدة على المستوي العالمي، فمساحة القارة الأفريقية أكبر من مساحة الولايات المتحدة والصين والهند واليابان ومعظم أوروبا مجتمعة. ويقع أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة في العالم في القارة، إلى جانب كثير من الموارد المعدنية غير المستغلة على كوكب الأرض، بما في ذلك المعادن الإستراتيجية. وبحلول عام 2100، قد يتضاعف عدد سكان أفريقيا مرة أخرى، وتتمتع القارة بصغر عمر سكانها حيث إن 41% منهم تحت سن 15 عاما.

وأدركت كل من بكين وموسكو منذ فترة طويلة الأهمية السياسية والعسكرية والاقتصادية لأفريقيا، وتستمر كل منهما في اغتنام الفرص لتوسيع نفوذهما عبر القارة. وأصبح توغل النفوذ الصيني الاقتصادي، والنفوذ الروسي الأمني، في القارة الأفريقية مصدر قلق متزايد لصانعي السياسة الأميركيين.

الصين تحرص على عقد منتدى التعاون مع أفريقيا كل 3 أعوام (رويترز)

التوغل الصيني في أفريقيا

تعقد الصين منتدى التعاون الصيني الأفريقي في بكين كل 3 سنوات بانتظام منذ عام 2000، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه وسيلة مهمة لتعزيز المصالح الدبلوماسية والتجارية الصينية.

وفي الوقت نفسه، تجاوزت الصين الولايات المتحدة -بوصفها أكبر شريك تجاري لأفريقيا- وذلك منذ عام 2009، حيث بلغ إجمالي التجارة الثنائية أكثر من 254 مليار دولار عام 2021، بزيادة 35% عن عام 2020.

وفي دراسة صدرت قبل أيام من معهد السلام الأميركي، أكد الباحث المختص في الشؤون الأفريقية، توم شيهي، أنه بينما "تدور قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا حول علاقات الولايات المتحدة مع القارة، ستوجد الصين في خلفية كل النقاشات".

وتشير إستراتيجية إدارة جو بايدن تجاه أفريقيا، التي صدرت أغسطس/آب الماضي، إلى أن "حكومات أفريقيا ومؤسساتها وشعوبها ستلعب دورا حاسما في العديد من التحديات العالمية".

وذكرت الإستراتيجية أن الصين تنظر إلى أفريقيا على أنها "ساحة مهمة لتحدي النظام الدولي القائم على القواعد، وتعزيز مصالحها التجارية والجيوسياسية الضيقة، وتقويض الشفافية والانفتاح، وإضعاف علاقات الولايات المتحدة مع الشعوب والحكومات الأفريقية".

كما عبّر مسؤولون أميركيون عن قلقهم إزاء أنشطة الصين العسكرية في أفريقيا. وفي عام 2017، أكملت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي. كما تحدثت تقارير عن تطلع الصين إلى بناء قواعد بحرية على ساحل المحيط الأطلسي في أفريقيا، بما في ذلك في غينيا الاستوائية، حيث قامت الشركات الصينية ببناء وتحديث مرافق الموانئ. وهو ما أثار قلق وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ودفع ذلك إدارة بايدن إلى تكثيف التواصل مع غينيا الاستوائية.

Russian Wagner Group and Rwandan security forces take measures around the site during election meeting of Current Central African Republic President on December 25, 2020. [Photo credit: Nacer Talel/Anadolu Images]
قوات "فاغنر" الروسية توجد في عدد من الدول الأفريقية (الأناضول)

روسيا والسلاح والمرتزقة

من جانبها، وسّعت روسيا وجودها في أفريقيا، وركّزت بشكل عام على مبيعات الأسلحة والتدريب العسكري عن طريق شركات شبه عسكرية روسية على شاكلة شركة "فاغنر"، إضافة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والوصول إلى المعادن، ولا سيما اليورانيوم والبلاتين.

كما أصبحت روسيا أكبر مورد للأسلحة في أفريقيا، وتهدف إلى بناء نفوذ واسع لها من خلال المشاركات الأمنية.

ويشير نمط تصويت العديد من الدول الأفريقية على قرارات الأمم المتحدة بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا إلى تزايد النفوذ الروسي.

التعاون العسكري الأميركي الأوروبي مع أفريقيا في تزايد مستمر (الفرنسية)

أفريقيا كأهمية أمنية إستراتيجية لواشنطن

في وقت مبكر من إدارة بايدن، أخبر وزير الخارجية أنتوني بلينكن الحلفاء أن الولايات المتحدة لن تتوقع منهم الاختيار بين واشنطن وبكين. وتعهدت واشنطن بتعزيز المزيد من العلاقات التجارية مع الشركاء الأفارقة مع مواجهة النفوذ الصيني والروسي في القارة التي وصفته بأنه "تهديد كبير" لمصالح الأمن القومي الأميركي.

ومنذ تأسيس القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) عام 2007، زاد الوجود العسكري الأميركي في القارة ليصل إلى عدة آلاف من العسكريين.

وفي شهادة أمام الكونغرس يناير/كانون الثاني 2020، صرح قائد "أفريكوم" السابق الجنرال ستيفن تاونسند بأن "حوالي 5100 من العسكريين الأميركيين، وحوالي ألف مدني ومتعاقد في وزارة الدفاع" ينشطون في أفريقيا.

وتركز واشنطن على مكافحة ما تصفه بـ"الإرهاب"، خاصة في دول الساحل بغرب وشمال أفريقيا. ويتمركز معظم العسكريين الأميركيين في جيبوتي التي تستضيف القاعدة العسكرية الأميركية الوحيدة داخل أفريقيا.

وتم نشر حوالي 760 عسكريا أميركيا في غرب أفريقيا، معظمهم في النيجر، حيث يقومون بمجموعة من الأنشطة، بما في ذلك طلعات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع من منشأة جديدة للقوات الجوية الأميركية، طبقا لما ذكره تقرير حديث صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس.

مزايا أميركية للشراكة مع أفريقيا

وتعد الولايات المتحدة أكبر مانح للمساعدات الخارجية في العالم، ولا يذهب إلا ثلث هذه الأموال إلى أفريقيا. وتعمل واشنطن على بحث إعادة ترتيب أولويات تقديم المساعدات وتخصيص المزيد لأفريقيا.

من ناحية أخرى، لا تستطيع الشركات الأميركية المنافسة ضد الشركات الصينية وغيرها في صناعات معينة، مثل مشروعات البنية التحتية وبناء الطرق والجسور، فالشركات الصينية لديها هياكل أقل تكلفة وتستفيد من خبرتها العملية في أفريقيا لعقود. في الوقت ذاته، تتمتع بعض الشركات الأميركية بمزايا كبيرة في قطاعات الصحة والتكنولوجيا المالية والطاقة المتجددة.

وعلى العكس من الصين، تتمتع الولايات المتحدة برصيد كبير من الجاليات الأفريقية المقيمة بالولايات المتحدة، وكثير منهم يحافظون على روابط تجارية مع أفريقيا. وتعمل قمة واشنطن على إشراك الجاليات الأفريقية في مبادرات دعم العلاقات مع القارة.

المصدر : الجزيرة