بنيامين نتنياهو.. هكذا عاد "ملك إسرائيل" إلى الحكم بلا منازع

نتنياهو أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات الكنيست مؤخرا حيث تمكن من الإطاحة بمنافسيه واستبعاد أي تمرد داخل حزبه (رويترز)

القدس المحتلة- تجذّرت صورة بنيامين نتنياهو في خطاب اليمين الإسرائيلي، وتغلغلت خلال سنوات حكمه وترؤسه المشهد السياسي الإسرائيلي منذ أكثر من ربع قرن، حتى تكونت أغلبية تُجمع عليه وتسميّه "ملك إسرائيل" بلا مُنازع.

وسعيا منه لتنشيط الذاكرة الجماعية اليهودية حول ما يرمز إليه بوصفه الزعيم الذي يضمن أمن إسرائيل وهويتها "كدولة يهودية"، اختار نتنياهو في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقُبيل انتخابات الكنيست الأخيرة، إصدار كتابه "بيبي.. قصة حياتي".

وعرض نتنياهو في طيات مذكراته -التي جنّدها للتأثير على المجتمع الإسرائيلي واستمالة الناخبين من معسكر اليمين إلى جانبه- سيرته الذاتية التي سردها في 600 صفحة، والمحطات المفصلية في مسيرته منذ عام 1976 بعد مقتل شقيقه في عملية خاصة للجيش الإسرائيلي بأوغندا.

وعاد نتنياهو في صفحات كتابه -وهو الرابع له- إلى طفولته ونشأته واختياره الانخراط في الخدمة العسكرية بالجيش الإسرائيلي، رغم أنه يحمل الجنسية الأميركية وعاش هناك سنوات طويلة.

المحللون يقولون إن نتنياهو أقنع الإسرائيليين بأنه الزعيم القادر على حماية أمنهم القومي (رويترز)

كيف عزز نتنياهو مكانته؟

يستعرض نتنياهو اهتمامه بالسياسة الأميركية ونموذجها الذي نقله معه إلى إسرائيل، إلى جانب تركيز اهتمامه على مكافحة ما سمّاه "الإرهاب العالمي"، ودخوله المعترك السياسي الإسرائيلي كرئيس لكتلة المعارضة عام 1993.

وتمكّن نتنياهو من تعزيز القناعات لدى الإسرائيليين بالتحديات والأزمات الداخلية والخارجية التي تواجهها دولتهم في الشرق الأوسط، ووضع الهواجس الأمنية وفزّاعة "النووي الإيراني" على رأس أولوياته، وحوّلها إلى جزء لا يتجزأ من تحديّات "الأمن القومي الإسرائيلي".

كما استطاع نتنياهو إفشال مسار المفاوضات مع الفلسطينيين وترحيلها إلى أجل غير مسمى، وتحدّي الإدارات الأميركية المتعاقبة، خاصة الرؤساء الديمقراطيين. وهو يعتقد -حسب رؤيته في كتابه- أنه عزز "مكانة إسرائيل بين الأمم"، ومن هذا توقيعه اتفاقيات التطبيع مع دول عربية وإسلامية من دون أن تدفع إسرائيل أي مقابل، حسب قوله.

أطاح بمنافسيه داخل الليكود وخارجه

يقول المحلل السياسي عكيفا إلدار إن نتنياهو بعد حسم الصندوق في انتخابات الكنيست وتوجهه لتشكيل الحكومة الإسرائيلية وتثبيت ولايته السادسة في سدة الحكم؛ حصل على دعم غير مسبوق من قبل معسكر اليمين المتطرف بعد 5 معارك انتخابية امتدت بين 2019 وحتى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

وعلى الرغم من محاكمته بتهم الفساد وخيانة الأمانة، فإن نتنياهو -كما يقول إلدار للجزيرة نت- "تمكّن من الفوز على كافة منافسيه من القوى الأخرى، وأطاح بكل من يحاول مزاحمته على رئاسة حزب الليكود، واستطاع تفكيك أية بوادر للتمرد الداخلي في الحزب، ليبقى زعيما لمعسكر اليمين بلا منازع".

وأوضح المحلل السياسي أن نتنياهو وخلال الجولات الانتخابية الخمس الأخيرة، ثبّت ذاته زعيما مهيمنا على حزب الليكود، والزعيم "صاحب القول الفصل" في معسكر اليمن المتطرف، ولدى تحالف "الصهيونية الدينية"، والتيار الاستيطاني الديني، والأحزاب الحريدية؛ إذ نجح في الإبقاء على هذه التيارات في فلكه حتى أطاح بحكومة الائتلاف برئاسة يائير لبيد.

وفي طريق العودة إلى الحكم -يقول إلدار- "دأب نتنياهو على تعزيز التحالف في معسكر اليمين المتطرف ليبقى متماسكا، في المقابل عمد إلى تفكيك معسكر الوسط، قبل أن يُنهي على معسكر اليسار الصهيوني الذي فقد تمثيله البرلماني في الانتخابات الأخيرة".

تحوّل إلى أعلى سلطة

يقول المحاضر في قضايا الديموغرافيا والجغرافيا بجامعة تل أبيب البروفيسور جدعون بيجر إن "نتنياهو وخلال سنوات حكمه السابقة، وحتى عندما كان في المعارضة، رسّخ صورته لدى الإسرائيليين كزعيم كاريزمي لا يتزعزع".

وأضاف بيجر للجزيرة نت إن نتنياهو "تحول إلى أعلى سلطة في البلاد بشكل عام وفي حزبه الليكود بشكل خاص؛ إذ يُعد رجلا ذكيا وبقدرات شخصية عالية يتم التعبير عنها في التفكير الإستراتيجي طويل المدى…".

وإلى جانب كونه رجل سياسة، فقد جاء من المؤسسة العسكرية أيضا، وأقنع اليهود بأنه صمام الأمن والأمان لمستقبلهم ولأمنهم القومي، على حد تعبير بيجر.

ومع ذلك، يقول المحاضر الجامعي إن "فترة حكم نتنياهو تعكس توترًا داخليًا بين القيم اليهودية والمبادئ الدينية المرتبطة بضرورة وجود (أرض إسرائيل) كاملة كوطن قومي للشعب اليهودي، وبين الحاجة للتعامل مع المطالب المتضاربة الناشئة في دولة إسرائيل وفي العالم العربي والإسلامي المحيط وفي دول العالم".

سلاحه الساحر وخطاب الضحية

وحول شخصيته وسياسته أيضا، يقول محاضر العلوم السياسية يوئيل يشرون إن "نتنياهو لديه القدرة على الاتصال المباشر مع الجمهور في الميدان؛ وهذا سلاح ساحر لا يملكه أحد في إسرائيل إلا هو".

ويضيف يشرون للجزيرة نت إن نتنياهو "تحول في نظر مؤيديه إلى "يهودا المكابي" الجديد (أحد زعماء اليهود في القرن الثاني قبل الميلاد حسب الرواية التوراتية)، "إذ يشعر الإسرائيليون كأن الله قد منح قدسية معينة لنتنياهو". وإنه القائد الذي يحتاجون إليه الآن كمنقذ في وجه إيران النووية، في مواجهة الرئيس جو بايدن، وأمام التهديدات الأمنية في كل مكان، وأبرزها القضية الفلسطينية.

وعزا بقاءه في سدة الحكم وفي زعامة معسكر اليمين إلى قدرته على الصمود في وجه ما وصفه "بحملة الصيد والشيطنة والملاحقة القضائية والمحاكمة في ملفات الفساد". مشيرا إلى أن نتنياهو تمكّن من إقناع نسبة عالية من الجمهور الإسرائيلي بأنه ضحية للنخب ووسائل الإعلام وسلطات إنفاذ القانون ومعسكر الوسط واليسار بأكمله.

كما أن "مرونته وموهبته" مهّدت الطريق لتولي الليكود زمام الأمور والسيطرة على مفاصل ومقاليد الحكم بإسرائيل، حيث ما يزال نتنياهو -وكذلك حزبه- "ملتزما بأيديولوجية أرض إسرائيل وانتمائها للشعب اليهودي، وعدم تقديم تنازلات للفلسطينيين"، حسب يشرون.

المصدر : الجزيرة