أدى إلى وفاة عشرات المرضى.. ما سبب نفاد بعض الأدوية في إيران؟

إيرانيون يبحثون في الصيدليات عن أدوية حيوية لم تعد متوفرة بسبب العقوبات وعرقلة استيراد الدواء وإنتاجه (الجزيرة)

طهران- في إحدى الصيدليات بالعاصمة الإيرانية، كان الحاج محمد رضا (62 عاما) يقف مجهدا بعد أن أنهكه التعب بحثا عن علاج لحفيده حسين (8 أعوام).

ويروي الحاج رضا للجزيرة نت معاناة الأسرة مع مرض طفلها الذي وصفه بأنه غامض ولا تعرف عنه الأوساط الطبية معلومات كثيرة، مؤكدا أن عدم توفر العلاج داخل إيران يضاعف معاناة المرضى وذويهم.

ويقول الجد مستدركا إن البلاد تتعامل مع تحديات جمّة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولا يلوم الحكومة بقدر ما يندب حظه لأن مرض حفيده جيني وراثي، وهو ما لم تأخذ الأسرة خطورته بالحسبان.

وفقا للجد، فإن الدواء كان متوفرا بكثرة في السوق السوداء، إلا أن العقوبات الأميركية عقّدت استيراده وضاعفت أسعاره. وطالب الحكومة باستيراده وتوزيعه مدعوما على المرضى للحيلولة دون وفاة المزيد من الأطفال الأبرياء.

مرضى ضمور العضلات في اعتصام للمطالبة بتوفير أدويتهم وهم من بين الأشد تأثرا بأزمة نفاد الأدوية في إيران (الجزيرة)

دواء ضمور العضلات

ورغم هيمنة موجة الاحتجاجات التي تصاعدت بعد وفاة الفتاة مهسا أميني، وما قابلها من مظاهرات مؤيدة للجمهورية الإسلامية في إيران، يُنظم البعض تجمعات بين الفينة والأخرى قبالة البرلمان ووزارة الصحة للمطالبة بتوفير علاج لمرضى ضمور العضلات الشوكي خاصة.

وتداول الإيرانيون على نحو واسع مقطع فيديو لاحتجاج أحد الأطفال المرضى على عدم استيراد العلاج لأقرانه بذريعة عدم توفر الميزانية اللازمة.

وخلال أكثر من عام، نظّم مرضى ضمور العضلات الشوكي عدة تجمعات في طهران، حضر الرئيس إبراهيم رئيسي أحدها قبل 11 شهرا، ووعد بتوفير علاج "ريسديبلام" سريعا وحل أزمة الدواء خلال فترة وجيزة. لكن استمرار الأزمة خلال الفترة الماضية أودى بحياة 26 مريضا منهم، وفق صحيفة "شرق" الناطقة بالفارسية.

ونظّم مرضى ضمور العضلات الشوكي قبل 10 أيام مظاهرة أخرى قبالة البرلمان (وسط طهران) لتذكير رئيسه محمد باقر قاليباف، الذي سبق وتعهّد بمناقشة الملف تحت قبة البرلمان وتخصيص ميزانية لتوفير الأدوية التي لا تنتَج سوى في عدد معدود من الدول الغربية.

مسؤولية العقوبات

وبعد أن كانت شتى أنواع الأدوية الغربية والشرقية إلى جانب المنتجة محليا تتوفر في الصيدليات الإيرانية، بدأ بعض أصنافها النفاد شيئا فشيئا عقب عودة العقوبات الأميركية على إيران عام 2018، إذ أعلنت طهران مرارا أن العقوبات على مبادلاتها المالية أعاقت استيراد العلاج للأمراض المستعصية، لا سيما مرض "جلد الفراشة" (مرض يسبب هشاشة الجلد وتقرّحه).

وتوالت أزمات نفاد بعض الأدوية لأكثر من 3 أعوام مضت، إلا أنها احتدمت خلال الأسابيع الأخيرة، وعانت الصيدليات من شُح في العديد من الأصناف التي كانت متوفرة بكثرة في البلاد، ومنها علاج الثلاسيميا (اضطراب دم وراثي) وأنواع من السرطان والتصلب اللوحي المتعدد وضمور العضلات الشوكي وأمراض القلب، وفق الصيدلاني محمد أكبري.

ويعلّق أكبري للجزيرة نت "رغم أن الدول الغربية تقول إنها لا تفرض عقوبات على الأدوية، فإن عقوباتها على مبادلات طهران المالية تُعرقل بالفعل استيراد بعض الأدوية".

ويضيف الصيدلاني أن سياسة الحكومة حيال القطاع الصحي وعدم تسديدها مستحقات شركات التأمين ومصانع الأدوية، وعدم دعمها استيراد الأدوية التي ليست لها نسخة محلية مشابهة؛ فاقمت كلها الأزمة أخيرا. وأصبحت الصيدليات تعاني من شُح حتى في المسكّنات مثل "الأسيتامينوفين" و"البروفين" وعلاجات الإنفلونزا الموسمية والمضادات الحيوية، لا سيما "كليندامايسين" و"زاديتين" وبخاخ "فلوكسيتايد 125".

وأكد أكبري أن بلاده تنتج نحو 96% من الأدوية في الداخل، لكن المشكلة تكمن في توفّر المواد الخام المستخدمة في تصنيعها التي تستورد أكثر من 50% منها من الخارج.

وزير الصحة الإيراني يرى أن الإفراط في وصف بعض الأدوية كالمضادات الحيوية يعد سببا رئيسيا وراء نفاد بعضها (الجزيرة)

أسباب الأزمة

وحول أسباب أزمة نقص الدواء في إيران، يرى المختص في الأمراض المعدية والخبير الصحي شهاب يوسفي فر أن المشكلة تتكون من جزأين: أولا علاجات الأمراض المستعصية، إذ إن حجب الحكومة الدعم الحكومي عن الشركات المستوردة لها ضاعف أسعارها وتسبّب في نفاد بعض أصنافها من الصيدليات الحكومية.

أما القسم الثاني من المشكلة، فيرجعه يوسفي فر إلى نقص العملة الصعبة لدى بعض الشركات المختصة في استيراد الأدوية والمواد الخام المستخدمة في إنتاجها بالداخل، مما عرقل تدفق العلاجات من الخارج.

ويضيف الخبير إلى أسباب الأزمة أيضا توقيف كميات كبيرة من المواد الخام فترة في الجمارك، ولأسباب تتعلق بالضرائب المفروضة عليها؛ مما أدى إلى توقف عدد من خطوط إنتاج الأدوية.

إلى جانب ذلك، يقول الخبير الصحي إن تفشي الإنفلونزا الموسمية هذا العام باغت الأوساط الطبية في البلاد؛ مما أدى إلى نفاد الأمصال والمضادات الحيوية والمحاليل الطبية. ورغم أن وزارة الصحة تحركت لاستيراد كميات من هذه الأدوية من الخارج فإن العملية تتطلب وقتا؛ وهذا فاقم المشكلة.

وقال يوسفي فر إنه مع ارتفاع أسعار المواد الخام وفقدان العملة الوطنية قيمتها لم يعد إنتاج بعض الأدوية مجديا من الناحية الاقتصادية، كما أن بعض الشركات تعزف عن توزيع الأدوية على الصيدليات انتظارا لرفع أسعارها.

ورغم أن بعض الشركات الإيرانية تمتلك تجارب كبيرة في إنتاج الأدوية، وأسهمت في تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج العديد منها، إلا أن فاعلية الدواء المحلي لا تضاهي النسخة الأجنبية في بعض أصنافها، وفق الخبير يوسفي فر.

ورسميا، يرى وزير الصحة الإيراني بهرام عين اللهي أن الإفراط في وصف الدواء -لا سيما المضادات الحيوية- سبب رئيسي وراء نفاد بعض أصناف الأدوية من الصيدليات.

جراحة الاقتصاد

وكانت الحكومة الإيرانية قطعت الدعم الحكومي عن السلع الأساسية في مايو/أيار الماضي، وتعهّدت حينها بعدم تأثّر القطاع الصحي وأسعار الخبز والوقود بسياستها الاقتصادية الجديدة، إلا أن مرور 5 أشهر فقط على ما أسمته "جراحة الاقتصاد" كانت كافية لترتفع أسعار الدواء وتتحوّل بعض أصنافه إلى سلعة نادرة، لكنها نجحت في لجم جماح أسعار الوقود والخبز حتى الآن.

وأدخلت مظاهرات ذوي المصابين بأمراض مستعصية أمام البرلمان الإيراني الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي على خط الأزمة؛ إذ أصدر أوامر بسد النقص في بعض الأصناف ومعالجة الأسباب، ووجّه توبيخا لجهات متهمة بالإهمال، مما أطاح برئيس منظمة الدواء والغذاء التابعة لوزارة الصحة الإيرانية بهرام دارايي، الذي قدّم استقالته الأسبوع الماضي.

وتمكّنت وزارة الصحة الإيرانية خلال الأيام الأخيرة من استيراد كميات من الأدوية الفورية، لا سيما للأمراض الموسمية كالزكام والإنفلونزا من الخارج، إلا أنها ليست كافية، وفق رئيس مرصد الشفافية والعدالة أحمد توكلي، الذي بعث رسالة إلى محمد مخبر النائب الأول للرئيس الإيراني، وحذّر من نفاد 200 صنف من الأدوية خلال الفترة القصيرة المقبلة.

المصدر : الجزيرة