بعد لقاء السيسي وأردوغان في الدوحة.. ما مصالح مصر وتركيا من تطبيع العلاقات؟

القاهرة-إسطنبول- يبدو أن اللقاء الأول بين الرئيسين المصري والتركي في العاصمة القطرية الدوحة فتح الباب أمام تطورات متسارعة في العلاقات بين البلدين، بعد قطيعة سياسية امتدت 9 سنوات وتوترٍ طغى على العلاقات على خلفية التباين في وجهات النظر تجاه العديد من الملفات الثنائية والإقليمية.

أهم تلك التطورات ما أعلنه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن عودة السفراء بين البلدين قريبا، كما نقلت رويترز عن مصادر لم تكشفها أن لقاءات بين أجهزة مخابرات البلدين تمت مطلع الأسبوع الجاري.

وتختلف تركيا ومصر في العديد من الملفات، لكن أبرزها من وجهة نظر تركيا يتمثل في ملف الغاز بشرقي المتوسط وما يرتبط به من ترسيم للحدود البحرية مع اليونان والملف الليبي، بالإضافة إلى المسائل ذات الطابع الثنائي.

وفي حين يبدي الطرفان رغبة مشتركة في تطبيع العلاقات بينهما، كما يؤكد محللون سياسيون، فإن تركيا تبدو أكثر حماسة للوصول إلى التطبيع الكامل، مما يدفع للتساؤل عن الأهداف التركية والمصالح المتوخاة من تعزيز العلاقات مع مصر.

تطورات متلاحقة

على هامش حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، تصافح الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والمصري عبد الفتاح السيسي، وتبادلا الحديث لنحو 45 دقيقة، حسبما أوضح أردوغان الذي أشار في تصريحات لوسائل الإعلام التركية أنه علم من الأخبار التي وردته أن نظيره المصري "سعيد للغاية" إثر لقائهما في قطر.

وأشار الرئيس التركي إلى أن مسار التطبيع بين تركيا ومصر سيتواصل في الفترة المقبلة على المستوى الوزاري.

من جهته، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس الاثنين إن مصر وتركيا ربما تتبادلان السفراء "خلال الأشهر القادمة"، تمهيدا لتطبيع العلاقات بينهما بعد سنوات ممتدة من الخلاف.

ونقلت قناة "تي آر تي" (TRT) التركية الرسمية عن أوغلو قوله "يمكن تنظيم مشاورات سياسية مجددًا على مستوى نواب الوزراء قريبًا"، وأنه "قد يُعيَّن سفراء في الأشهر القادمة". وكان أوغلو يتحدث في مؤتمر صحفي مع وزير خارجية تركمانستان رشيد ميريدوف في العاصمة التركية أنقرة.

في السياق ذاته، ذكرت رويترز أن مصافحة أردوغان والسيسي فتحت الباب أمام موجة من اللقاءات الدبلوماسية غير المعلنة بين مسؤولي المخابرات في البلدين بعد توتر شاب علاقات البلدين لسنوات.

وقال مصدر إقليمي مطلع -طلب عدم ذكر اسمه- إن وفدين استخباريين من البلدين التقيا في مصر مطلع الأسبوع.

وقال المصدر الثاني، وهو مسؤول تركي كبير، إن مناقشات "مهمة" بدأت بينهما، وإن من المقرر أن تبدأ تركيا ومصر محادثات حول القضايا العسكرية والسياسية والتجارية بما في ذلك مشاريع الطاقة.

ووفقا لرويترز، لم يعلق مسؤولون أتراك عندما سئلوا عن الاجتماع. ولم ترد وزارة الخارجية المصرية بعد على طلب للتعليق.

تحول في السياسة الخارجية

الصحفي ومدير التحرير في جريدة ديلي صباح التركية باتوهان تاكيش يعتقد أن التطبيع الأخير بين تركيا ومصر يرتبط ارتباطا مباشرا بتحول السياسة الخارجية في أنقرة، حيث بدأت الحكومة التركية عملية لإصلاح جميع علاقاتها المقطوعة مع الجيران وغير الجيران.

وفي حديثه للجزيرة نت، لفت تاكيش إلى أن تركيا تقوم بـ"عملية تطبيع شاملة من إسرائيل إلى الإمارات العربية المتحدة، ومن مصر إلى المملكة العربية السعودية"، مضيفا أن موجة التحوّل في السياسة الخارجية "تستند إلى تحول صانعي السياسة الخارجية الأتراك إلى نهج أكثر عقلانية وواقعية، وهذا التحول يوفر فرصا مربحة لجميع الأطراف المعنية".

ويرى تاكيش أن تطبيع العلاقات التركية المصرية بالكامل "ليس خبرا سارا لليونان، حيث تسعى أثينا لكبح القوة التركية في المنطقة وخداع دول المنطقة للوقوف ضد المصالح التركية المشروعة".

ويريد أردوغان إصلاح العلاقات بين تركيا واليونان أيضا، لكن "الأخيرة تتبع سياسة عدوانية تجاه تركيا، مما يدفع الزعيم التركي إلى الرد عليها"، بحسب الصحفي التركي.

شرق المتوسط

من جهته، يؤكد الكاتب الصحفي والباحث التركي محمد طاهر أوغلو أن أنقرة غير راضية عن الموقف المصري في شرق المتوسط واصطفافها لجانب اليونان وقبرص (الرومية)، مرجحا أن تكون تركيا أكثر رغبة في تسريع مسار التطبيع من مصر لهذا السبب.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال طاهر أوغلو إن تركيا باتت تدرك أن سوء علاقتها مع مصر يضيع عليها فرصة ترسيم الحدود البحرية معها بشكل مباشر ضمن اتفاقية تضمن للقاهرة كما أنقرة حقوقهما المائية، وستعوض مصر ما فقدته أو ضحت به في اتفاقيتها مع اليونان "نكاية بتركيا" بحسب تعبير الباحث.

وفيما يتعلق بالملف الليبي، أوضح طاهر أوغلو أن مصر ليست بحاجة لمواجهة تركيا في ليبيا، كما أن أنقرة كذلك في غنى عن هذه المواجهة أو التوتر، ولذلك فإن البلدين يدركان حاجتهما لبناء علاقة مستقرة والتوصل لتفاهمات في الملفات الخلافية بما يصب في مصلحة الطرفين.

هناك أيضا العلاقات التجارية التي شهدت بعض التراجع في الآونة الأخيرة، ومن المرجح أن تسهم عودة العلاقات في تحسين التبادل التجاري وفرص الاستثمار بين البلدين، وفقا للكاتب والباحث التركي، الذي نبه إلى أن أحد المؤشرات على ذلك إعلان شركة تركية الأسبوع الماضي عزمها الاستثمار في مصر بقيمة 100 مليون يورو.

وأشار إلى أن لدى تركيا أيضا مخاوف من وجود منظمة "فتح الله غولن" في مصر، حيث تمتلك نشاطات كبيرة وتجني موارد مالية عبر مؤسساتها هناك، وهذا يزعج تركيا، وربما يكون هذا أحد الأهداف متوسطة أو بعيدة المدى من وراء تحسين علاقاتها مع مصر.

مصالح القاهرة

على الجانب الآخر، يربط المحلل السياسي والأكاديمي خيري عمر أهداف ومصالح القاهرة من تطوير العلاقات مع أنقرة بثلاثة مستويات محلية وإقليمية ودولية، موضحا أن المستوى المحلي يتعلق بتهدئة التوتر، الذي كان خفيفا وتم تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح عمر أن هناك إدراكا للميراث التاريخي المشترك، وأهمية استثماره وإقامة علاقات نوعية وجيوإستراتيجية بين البلدين، مستشهدا بأن التناول المصري الرسمي لتركيا في السنوات الماضية كان منضبطا، وهو ما ساعد على أن تبدأ اتصالات عودة العلاقات دون عوائق.

ومتفقا مع الطرح السابق، شدد أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية (حكومي)، على وجود مصالح مشتركة لتطوير ودفع العلاقات الثنائية، خاصة بعد لقاء الرئيسين.

وفي حديثه للجزيرة نت، عزز أحمد رأيه بالإشارة إلى ارتفاع التبادل التجاري بين البلدين في العام 2021 بنسبة 44%، قائلا إن ذلك يعطي دفعة قوية للتطبيع، في ظل مساعي البلدين للتعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، التي ألقت بتداعياتها السلبية على الأمن الغذائي للدول النامية.

مصالح إقليمية ودولية

يعتقد خيري عمر أن مصر ستعمل على تأمين العلاقات مع تركيا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، مشيرا إلى أنه على المستوى الأمني هناك تفاهمات حول الملف السوري، حيث يمكن ملاحظة عودته للطرح بشكل متزامن مع تقارب القاهرة وأنقرة.

وما ينطبق على الملف السوري ينطبق أيضا -بحسب عمر- على الملف الليبي، موضحا أن فكرة الخطاب التعبوي في مصر بشأن الوجود التركي في ليبيا ستتراجع إن لم تتلاش في الفترة المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار أن الوجود التركي ليس هو التهديد الحقيقي، بل وجود أطراف دولية وغياب حكومة موحدة في ليبيا.

وشدد على أنه في إطار سير العلاقات الإقليمية نحو المصالحات، فإنه ليس من المصلحة المصرية أن تبقى هناك قضايا مؤجلة، بل لابد من تسويتها، كما أن للقاهرة مصلحة في تأمين وضعها على خارطة الأزمات والمشكلات الدولية.

ويعزز ذلك -وفق عمر- أن بلاده منذ عام 2020 اتبعت الحل السياسي في ليبيا والسودان وحماية الأراضي الفلسطينية من التهويد عبر الوساطة، وكل ذلك كان يتطلب شبكة من العلاقات الإقليمية تقوم على التعاون، وفي أفضل الظروف توفير أرضية لازمة للوصول للتكامل.

بدوره، يقول المحلل السياسي سيد أحمد إن بلاده لديها رغبة في تصفير مشكلات المنطقة، وبقاء أجواء المصالحات على المستويين العربي والإقليمي، مشددا على مصلحة بلاده في أن تتحول تركيا من دولة ذات سياسيات سلبية تجاه مصر في بعض القضايا إلى دولة إيجابية، خاصة في الملف الليبي، إضافة إلى ما تفرضه التحديات الجيوإستراتيجية على الدول بأن تتسم بالواقعية وتقلل من منسوب التوترات والصراعات مع الدول الأخرى.

انعكاسات التقارب

وحول انعكاسات التقارب على الملفات العالقة بين القاهرة وأنقرة، يشدد عمر على أن التطبيع سينعكس إيجابا على الملف الليبي، إذ إنه في أضعف الأحوال ستنتهي فكرة تحميل البلدين مسؤولية الأزمة، وستظهر مسؤولية الغرب وأميركا في عدم حلحلة الأزمة الليبية وإطالة أمدها.

وفيما يتعلق بملفات شرق البحر المتوسط والتنقيب عن الغاز ووضع جماعة الإخوان المسلمين داخل تركيا، يؤكد عمر أنها ملفات ثانوية لن تعيق التطبيع، مشيرا إلى أن اليونان في حالة ضعف، كما أن ملف غاز المتوسط ليس مشكلة لمصر، حسب التصريحات الرسمية، منذ نشوبه في 2019، بل هو أزمة بين اليونان وتركيا.

وممسكا بالخيط ذاته، يقول سيد أحمد إن القاهرة كانت دائما تدعو أنقرة إلى تحولات سياسية جذرية لحل أزمات ليبيا وشرق المتوسط والإخوان المسلمين، وإن كانت أنقرة قد اتخذت تجاه الأخيرة خطوات لتقليل الحملات الإعلامية المناهضة لمصر عبر أراضيها، لكنها تظل موجودة ولو بصوت خافت.

وعن ملف شرق المتوسط، أكد أحمد أنه يمثل مصلحة اقتصادية مشتركة للبلدين وسيشهد تطورا وتحسنا كبيرا، إذ إن هناك رغبة في الاستفادة القصوى من اكتشافات الغاز في ضوء تحول مصر لمركز إقليمي للطاقة واحتضانها مقر منتدى غاز شرق المتوسط، متوقعا أن يشهد الملف الليبي أيضا تطورات إيجابية عبر تقديم تركيا بعض التنازلات لحل الأزمة.

وعلى الجانب الآخر، فإن لتركيا مصلحة في تحسين علاقاتها مع مصر في ضوء مساعيها نحو ترسيم الحدود البحرية للدول الصديقة لمصر خاصة قبرص واليونان، وفق أحمد.

ويرى الخبير المصري أن هناك رغبة تركية في محاولة تبني مقاربة الفصل بين الملفات، بمعنى التقارب في بعضها، وترك الملفات التي قد تكون لغما أمام عودة التطبيع، لكنه يعتقد أن التطبيع لن يتم بين ليلة وضحاها، بل سيكون أقرب للتطبيع التدريجي.

وأشار إلى أن القاهرة تعطي رسالة بأنها منفتحة على الحوار والتصالح بشروط أن تكون هناك تغيرات وسياسات تركية حقيقية في ملفات ليبيا والإخوان وشرق المتوسط، مشيرًا إلى أن هذا التغير هو الذي سيعجل بمسار التطبيع أو يحدده أو أن تظل الأمور بين الشد والجذب.

المصدر : الجزيرة + رويترز + وكالة الأناضول