جهات عديدة لمكافحة الفساد بالعراق.. إجراءات شكلية أم ضرورة ملحة؟

New Iraqi Prime Minister Mohammed Shia al-Sudani arriving for the official handover ceremony in Baghdad
السوداني أعلن عن تشكيل هيئة جديدة لمكافحة الفساد، فهل تنجح بمهمتها؟ (رويترز)

بغداد- من السمات التي كانت ولا تزال تميز الحكومات العراقية بعد تشكيلها، اتخاذها خطوات وإجراءات مباشرة بعد تنصيبها لتشكيل هيئة أو لجنة عليا لمكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وفتح ملفات الفساد المالي والإداري والكشف عن بعض القضايا التي تهم الرأي العام.

آخر ما تم الإعلان عنه، تشكيل الحكومة الجديدة للهيئة العليا لمكافحة الفساد التي كشف عنها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الأسبوع الماضي، الأمر الذي يطرح العديد من الأسئلة عن أهدافها المنشودة في ظل ازدياد حالات الفساد وغسيل الأموال، وكيف ينظر خبراء مكافحة الفساد إلى هذه اللجنة ومدى أهميتها وجدواها؟

هيئة جديدة

وكان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قد أعلن، الأسبوع الماضي، عن تشكيل هيئة لمكافحة الفساد مع فريق مساند، مؤكدا أن تشكيلها جاء لمكافحة الفساد وفقا للمنهاج الوزاري، وبآليات غير تقليدية تتجاوز السلبيات السابقة، مشيرا إلى أن الهيئة ستحمل عنوانا استثنائيا (الهيئة العليا لمكافحة الفساد)، وأن من أهدافها مواجهة ملفات الفساد الكبرى واسترداد المطلوبين بقضايا الفساد والأموال العامة المعتدى عليها.

ووجه السوداني أيضا بتشكيل فريق مساند بصلاحيات واسعة، وذلك لتقديم الإسناد الكامل للهيئة العليا لمكافحة الفساد في فتح تلك الملفات، غير أن الأمر الديواني الخاص بتشكيل الفريق المساند للجهود الحكومية لم يصدر حتى الآن، مما حال دون إمكانية التعرف على مهامه وفق القانون،

وأكد السوداني ضرورة أن تكون إجراءات عمل الفريق من خلال الامتثال للقوانين التي أوجبها الدستور، ولا سيما ما يتعلق بحقوق الإنسان، حيث ترأس الهيئة عبد الكريم عبد فاضل، الذي سبق وأن شغل منصب مدير استخبارات وزارة الداخلية.

ووصف بعض خبراء مكافحة الفساد في العراق تشكيل الهيئة الجديدة بالخطوة الجيدة لتكون امتدادا للهيئات السابقة، غير أن آخرين رأوا أن معالجة الفساد لا تتم من خلال تشكيل الهيئات العليا وإنما من خلال الإرادة السياسية والعمل الشعبي الجاد والتفكير خارج الصندوق.

موسى اعتبر أن الخلل يكمن في ضعف الرقابة (الجزيرة نت)

آراء متباينة

وفي تعليقه على تشكيل الهيئة الجديدة، يرى سعيد ياسين موسى عضو لجنة مكافحة الفساد في حكومة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي أن الهيئات الرقابية تعد مستقلة وفق الدستور وأن الإجراءات الحكومية تدعم الهيئات الرقابية، لافتا إلى أن الخلل يكمن في ضعف الرقابة، عازيا ذلك لإلغاء مكاتب المفتشين العموميين وتخلف دوائر الرقابة الداخلية، بحسب تعبيره.

وكانت مكاتب المفتشين العموميين في وزارات ومؤسسات الدولة قد ألغيت في أكتوبر/تشرين الأول 2019، بقرار من مجلس النواب في دورته السابقة قبل أن تنطلق مظاهرات شعبية، وذلك بطلب عدد من أعضاء البرلمان.

وحث موسى -وهو ناشط في مجال مكافحة الفساد- الهيئة الجديدة تنفيذ القانون على الجميع بمن فيهم المحميون من إجراءات القبض من ذوي الدرجات العليا، مع ضرورة اتخاذ إجراءات بتقييد تحركاتهم ومنعهم من السفر.

وحول عملية استرداد الأموال المهربة خارج البلاد، وصف موسى في حديثه للجزيرة نت هذه المهمة بالطويلة، وبأن العراق يواجه صعوبة في تجميد وحجز واسترداد الأموال من الخارج، معلقا "هنا تقتضي الحاجة للتعاون الدولي وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وكذلك الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد والاتفاقيات الثنائية مع الدول، والمتضمنة أهمية التعاون في الاستجابة لاسترداد الأموال من خلال هذه الاتفاقيات".

وعلى خلاف ما ذكره موسى، فإن ثمة سبلا أخرى كفيلة بمكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وهو ما يؤكده السياسي المستقل القاضي وائل عبد اللطيف في أن السبيل الأفضل لمكافحة الفساد يتمثل بالعمل السياسي والشعبي الجاد وتقليص دور الأحزاب النافذة، ولا سيما تلك التي في السلطة، لافتا إلى أن ذلك سيمكن العراق من مكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، واسترداد الأموال المهربة، بشرط أن يتولى هذا الملف من يشهد له بالكفاءة والنزاهة والوطنية، بحسب تعبيره.

رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة محمد رحيم، الجزيرة نت
رحيم اعتبر أن تشكيل هيئة جديدة لمكافحة الفساد خطوة بالاتجاه الصحيح (الجزيرة نت)

خطوة بالاتجاه الصحيح

في غضون ذلك، يرى رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة محمد رحيم، أن تشكيل الهيئة الجديدة يعد خطوة بالاتجاه الصحيح كما في التجارب الدولية التي عالجت ملفات الفساد الكبيرة، مضيفا "لا يمكن أن يقوم موظفو هيئة النزاهة وحدهم بمعالجة ملفات فساد كبرى، وأموال مهدورة أو مسروقة تقدر بمليارات الدولارات، ينبغي أن تكون الهيئة الجديدة مختلفة عن سابقاتها".

وكانت الحكومة العراقية قد صادقت منتصف العام الماضي على بنود الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد المقترحة من هيئة النزاهة العامة للأعوام 2021- 2024، بهدف الإسهام في مكافحة الفساد والحد منه.

تجارب سابقة

وعلى الرغم من إعلان الحكومات العراقية المتعاقبة عن تشكيل العديد من اللجان لمكافحة الفساد، فإن مراقبين يؤكدون أن الفساد لا يزال حاضرا وبقوة، وهو ما قد يكون ناجما عن الروتين والبيروقراطية، وفقا لرؤية الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم، التي أكدت أن الحد من الفساد لا يكون عن طريق تشكيل اللجان والهيئات.

وفي حديثها للجزيرة نت، تتابع سلام سمسيم أن تكرار تشكيل الهيئات واللجان يزيد من البيروقراطية وضياع الأدلة، لتضيف "بالتالي، فإن البيروقراطية هي المناخ الملائم لنمو شبكات الفساد، وأي نية للإصلاح يجب أن يسبقها التفكير خارج الصندوق، واختيار أشخاص يتصدون للفساد من خارج المنظومة السياسية، وليس من داخلها كون أغلبهم مرتبطين بهذا النظام بطريقة أو بأخرى من خلال المحاصصة والمصالح الحزبية أو العائلية".

المشهداني: لا بد من توفر إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد (الجزيرة نت)

أما المحلل السياسي جبار المشهداني، فيرى من جانبه أنه لا بد من توفر إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد والإطاحة بمن وصفهم بـ"حيتان الفساد" قبل شروع الحكومة لتشكيل لجان أو هيئات تعنى بهذا الملف.

ويضيف أنه ليست العبرة بتشكيل لجان أو مجالس أو هيئات لمكافحة الفساد، بل العبرة في التنفيذ، إنقاذا للبلاد والعباد، بل وإنقاذا للنظام السياسي الحالي الذي قد يتداعى وينتهي بفعل الفساد.

ويصنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، إذ احتل المرتبة 157 عالميا بين 180 دولة ضمن مؤشرات مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية العام الماضي 2021، مما يؤكد أن البلاد تعاني من مشكلة متفاقمة دون أن تحدد المنظمة أرقاما دقيقة لحجم الفساد في البلاد.

جدير بالذكر، أن الرئيس العراقي السابق برهم صالح كان قد كشف في كلمة متلفزة في مايو/أيار العام الماضي، عن تهريب أكثر من 150 مليار دولار خارج العراق نتيجة صفقات الفساد منذ الغزو الأميركي عام 2003.

المصدر : الجزيرة