ميديا بارت: ذوبان الأنهار الجليدية يهدد باكستان بأكملها

لم تجد الفيضانات في باكستان صدى يذكر في الغرب، مع أنها تدق ناقوس خطر محدق يتمثل في ذوبان الأنهار الجليدية المستمر، الذي ينذر بدوره بمزيد من الفيضانات والمشاكل المرتبطة بها، مما لا تستطيع باكستان وحدها تحمل عواقبه، لأن العالم كله يساهم في أسبابه ويتأثر به.

في هذا السياق، رافقت نجمة إبراهيم، مراسلة موقع ميديا بارت (Mediapart) الفرنسي، أحد الباحثين الباكستانيين إلى وادي هونزا شمال البلاد، وشاهدت كيف تعاني العديد من الأنهار الجليدية من تغير المناخ وفقد كتلتها، وكيف يواجه القرويون القريبون منها في منطقة جيلجيت بالتستان الفيضانات ونقص المياه.

في ضواحي مدينة علي آباد، تمر المراسلة بجرافة تعمل جاهدة لالتقاط الصخور والحصى التي انهارت عندما جرفت السيول المائية كل شيء في طريقها، وفي مكان آخر تشاهد الجسر المدمر والمنازل التي جرفتها المياه، حيث فقدت المحاصيل، كما يقول القاضي علام خان الذي حذر والده منذ عقود من تحركات النهر الجليدي وآثار تغير المناخ.

الفيضانات والأنهار الجليدية

ويضيف علام خان "منذ حوالي 3 سنوات، نشعر حقا أن الأنهار الجليدية في المنطقة تذوب وتؤثر علينا كثيرا. لا يمكننا فعل أي شيء حيال ذلك على مستوانا، لكن ربما إذا اتخذنا إجراء الآن وعملنا بشكل جماعي، يمكن أن يتحسن الأمر" قبل أن يؤكد بأن الإدارة المحلية الصغيرة لا يمكنها تسيير هذه القضايا بمفردها.

ومن الطريق، يشير إجاز شافي مدير الرصد والتقييم والأبحاث لبرنامج دعم المجتمع الريفي في هونزا الذي أطلقته وكالة الإسكان المحلية "أغا خان" إلى نهر راكابوشي الجليدي قائلا "هذا يعاني أيضا من ذوبان الجليد".

ويضيف إجاز شافي، المهتم بآثار تغير المناخ على الأنهار الجليدية منذ طفولته "عندما تتعرض بحيرة جليدية لتأثير نهر جليدي من ضحايا تغير المناخ، فإنها تفيض أحيانا، مسببة حدوث فيضانات مفاجئة في الوديان، مثل ما حدث هذا الصيف مع نهر شيسبر الجليدي، وتأثرت به قرية حسن آباد بشكل خاص".

ومن ناحيته، يقول أمان الله خان، وهو شخصية رئيسية في وادي هونزا -كما تقول المراسلة- إنه لاحظ منذ ما يقرب من 20 عاما آثار تغير المناخ على الأنهار الجليدية وعلى الحياة اليومية للسكان المجاورين، وذهب إلى حد مرافقة الباحثين إلى الأنهار الجليدية لقياس تغييراتها بمرور الوقت.

وتساءلت المراسلة: هل ستختفي الأنهار الجليدية في مواجهة هذه "الاستثناءات"؟ لترد بأن جميع من حاورتهم خلال رحلتها ردوا بالإيجاب "مهما كان سيناريو المناخ" على هذا السؤال الحاسم الذي يطرحه علماء الجليد في جميع أنحاء العالم بانتظام، والذي يؤرق منظمة اليونسكو بعد أن تأكد لديها أن ثلث الأنهار الجليدية المصنفة تراثا عالميا ستختفي بحلول عام 2050.

الحصول على المياه

وما هو مؤكد اليوم -كما يقول أمان الله خان- هو أن السكان الذين يعيشون بالقرب من الأنهار الجليدية في وادي هونزا "معرضون للخطر، لأن الجو حار للغاية في الصيف والشتاء قصير، والفيضانات المرتبطة بالتغيرات في الأنهار الجليدية وفيضانات البحيرات الجليدية ستشتد حتما، والمجتمعات المحلية ستعاني من نقص المياه اللازمة لري أراضيها".

وتسوق المراسلة مثالا على ذلك: قرية الحسيني التي يثير مواطنوها "أزمة المياه" ويربطونها بتغير المناخ وذوبان الأنهار الجليدية، حيث جفت تماما بحيرة مستنصر حسين تارار الضخمة التي كانت تتغذى مباشرة من نهر باسو الجليدي.

ويحذر زاهد أحمد (32 عاما) -وهو صاحب متجر للفواكه المجففة- من تغير المناخ وعواقبه على الأنهار الجليدية، قائلا "نحن نواجه ارتفاعا ينذر بالخطر في درجات الحرارة في الصيف، تليه نوبات من الأمطار الغزيرة، والوضع يزداد سوءًا منذ حوالي عامين ويؤثر على السكان مثلي. وإذا أردنا الحد من التلوث وآثار تغير المناخ، يجب على العالم كله أن يتعامل مع هذه القضية".

وحسب رأي هذا القروي فإن باكستان لا تستطيع وحدها أن تتحمل عواقب تغير المناخ على نطاق عالمي، خاصة أنها تلوث القليل جدا مقارنة بالدول الصناعية الأخرى، موضحا أن على العالم كله التعامل مع هذا الأمر الذي "أصبحنا ضحاياه". أما بالنسبة لأخصائي الأنهار الجليدية علي كرامات، فيرى أن على الإدارة المحلية التكيف لتقليل عوامل الخطر التي يواجهها السكان المحليون.

مشاكل الهجرة

ولا يرى هذا الأخصائي، رغم أن الخطر موجود بالفعل، أن الصواب هو نقل جميع المجتمعات التي استقرت بالقرب من الأنهار الجليدية، بل العمل على مستوى السلطات، من أجل "إدارة أفضل" و"تنظيم السياسات" على المستوى المحلي لمنع الآخرين من الاستقرار في مناطق خطرة في المستقبل.

واستغرب علي كرامات أن "نرى الكثير من الإنشاءات الجديدة مثل الفنادق، يتم بناؤها في مناطق معرضة للفيضانات" واقترح إدارة أفضل لاستخدام الأراضي في هذه الوديان، معتبرا أن هذا هو "التحدي الرئيسي لإدارة الكوارث في المستقبل".

وفي مواجهة الخطر المتزايد، قام علي كرامات بمراقبة النزوح الداخلي في منطقة جيلجيت بالتستان، وقال إنه لا يتم على نطاق واسع، واعتبر أن السبب الرئيسي المطروح هو الفيضانات المرتبطة بحركة الأنهار الجليدية، ثم الوصول إلى التعليم والصحة التي لا تزال غير كافية في المناطق الريفية.

وخلص هذا الأخصائي إلى أن تغير المناخ وعواقبه مثل الفيضانات، وعدم الحصول على مياه الشرب أو انعدام الأمن الغذائي، يمكن أن يجبر السكان على السير في طريق المنفى خارج باكستان، ويمكن أن يساعد على تصاعد النزاعات على المستويين المحلي والدولي.

المصدر : ميديابارت