ضغوط متراكمة وسرية ملزمة.. ما لا تعرفه عن المشاكل النفسية لضباط الاستخبارات الأميركية

CIA's secret museum adds new spy exhibits in Virginia
مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في ولاية فرجينيا (رويترز)

لم يكن موضوع تبعات الصدمات النفسية التي يعاني منها ضباط أجهزة الاستخبارات الأميركية يلفت الاهتمام الإعلامي لولا حدث تكريم ضابطة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) انتحرت في أفغانستان عام 2013. وفي هذا الصدد خلصت دراسة أنجزها 4 باحثون في مركز "راند" الأميركي إلى أن ثمة قلقا تجاه موضوع الصدمات النفسية التي يعاني منها العاملون في مجتمع الاستخبارات، وفي الوقت نفسه هناك غياب لثقافة الاهتمام بالصحة النفسية لهؤلاء العاملين.

واستندت الدراسة -التي نشرت في أكتوبر/تشرين الثاني 2022، بعنوان "الصدمات في مجتمع الاستخبارات بالولايات المتحدة.. المخاطر والاستجابات"- إلى نتائج مقابلات أجراها مركز "راند" مع 9 متخصصين في وكالات الاستخبارات، فضلا عن مجموعة مركزة كانت تضم 8 محللين سابقين في هذه الوكالات.

ويقول أصحاب الدراسة إن المشاركين في المقابلات والمجموعة المركزة لهم خبرة في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، ووكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفدرالي (FBI).

أنواع الصدمات

يتعرض موظفو الاستخبارات في وظائف معينة ترتبط بالعمل الميداني (على سبيل المثال ضباط الحالة والملحقون العسكريون) لخطر الصدمات المباشرة وغير المباشرة، لأنهم غالبًا يعملون في بيئات معادية، ويمكن أن يشرفوا على مقدرات قد تنطوي على مخاطر على صحتهم.

كما أن الموظفين الذين يتم نشرهم لتقديم الدعم الاستخباراتي في العمليات القتالية (بشكل عام محللو وجامعو المعلومات في وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة استخبارات الدفاع) معرضون لخطر الصدمة المباشرة جراء النشاط الحربي المحيط بهم، وأيضا لخطر الصدمات الثانوية جراء مشاركتهم في دعم ومراقبة العمل العسكري.

The National Security Agency (NSA) headquarters is seen in Fort Meade, Maryland
مقر وكالة الأمن القومي الأميركية في ولاية ميريلاند (رويترز)

ويمكن لموظفي وكالات الاستخبارات أيضا العمل في بيئات يتعرضون فيها باستمرار لتقارير وقصص حول العنف المنهجي. وينطبق هذا بشكل خاص على موظفي الاستخبارات الذين يركز عملهم على مكافحة الإرهاب والمخدرات والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والبلدان التي تشهد عنفا جنسيا مرتفعا، وأسلحة الدمار الشامل، وأسرى الحرب.

وعلى الرغم من أن لوكالات الاستخبارات تاريخا طويلا في التعامل مع المواد ذات الطبيعة النصية، فمن المرجح بشكل متزايد أن يتعامل محللو وكالات الاستخبارات مع مواد بصرية تنطوي على عنف. على سبيل المثال، عند تحليل مقاطع الفيديو التي نشرها تنظيم القاعدة لقطع رؤوس رهائن، أو استعراض الصور الدموية التي تم الحصول عليها من جهاز كمبيوتر محمول صودر خلال عملية عسكرية.

وخلصت دراسة أجريت عام 2018 إلى أن المرور بتجارب معينة -مثل مشاهدة خسائر في صفوف عسكريين أو مدنيين أميركيين أو فظائع يرتكبها خصوم الولايات المتحدة- زاد مخاطر تعرض أفراد أجهزة الاستخبارات لآثار ما بعد الصدمة، والضرر المعنوي.

أبرز العوائق

تقول الدراسة -التي أنجزها مركز "راند" بدعم من مكتب وزير الدفاع الأميركي- إن المقابلات مع أفراد حاليين وسابقين في وكالات الاستخبارات الأميركية كشفت عن افتقار لثقافة الصحة النفسية داخل هذه الوكالات. وتشدد الدراسة على الحاجة لبذل "جهد منظم لمعالجة هذه المشاكل وإجراء تغييرات ثقافية عميقة".

فعلى سبيل المثال، تسمح العديد من أجهزة الاستخبارات لموظفيها بقضاء بضع ساعات أسبوعيا في ممارسة التمارين الرياضية على مدار الساعة، أو توفير صالة ألعاب رياضية داخل مقرات العمل، ولكن المقاربة نفسها لا تنطبق على موضوع الصحة النفسية.

وتضيف الدراسة أن فكرة "وصمة العار" التي تلاحق كل من يطلب المساعدة في مجال الصحة النفسية تشكل عائقا أمام العاملين في وكالات الاستخبارات، كما أن الموظفين هناك يتملكهم القلق من أن طلب العون قد يضر بما قد منح لهم من تصاريح أمنية تبقى ضرورية لممارسة عملهم.

ومن العوائق أيضا أمام معالجة قضايا الصحة النفسية عجز موظفي الاستخبارات بشكل عام عن مناقشة عملهم مع عائلاتهم وأصدقائهم نتيجة شرط السرية الذي يلف عملهم. وتنقل الدراسة تصريح أحد المديرين الحاليين في وكالة استخبارات، إذ يقول "نحن مدربون على عدم التحدث عن أي شيء. أنت لا تتحدث عن عملك، وإذا تحدثت لا تتطرق للمشاكل. كل شيء يركز في الأول والأخير على الأمن".

عنصر السرية الذي يحكم حياة موظفي الاستخبارات، سواء في علاقاتهم بزملائهم أو بباقي أفراد المجتمع، هو المعطى نفسه الذي أسهم في الحد من النتائج التي توصلت إليها دراسة مركز "راند"؛ إذ يقول معدو الدراسة إن من القيود التي أثرت على عملهم رفض عدد من موظفي أجهزة الاستخبارات المشاركة في المقابلات التي أجراها المركز، وذلك لعدم رغبتهم في الحديث عن صحتهم النفسية.

حالات معبرة

وتستعرض الدراسة عدة أمثلة لما يحدث لبعض موظفي أجهزة الاستخبارات على اختلاف مواقعهم من ضغوط في عملهم تؤدي إلى إصابتهم بالصدمات، وما يليها من آثار.

فقد تحدث أحد الأشخاص المشاركين في المقابلات التي أجراها المركز عن قصة محلل استخبارات نام ذات ليلة تحت مكتبه نتيجة الإجهاد، وتقول محللة معلومات سابقة إنها تعرضت للولادة المبكرة نتيجة العمل المجهد والصدمات التي تعرضت لها، وذكرت أنها شاهدت زملاء لها يعانون من نوبات قلبية، ومن القلق الناتج عن الإجهاد.

ويقول أحد المحللين والمديرين العسكريين والمدنيين السابقين "لقد رأيت أناسا يشعرون بالانزعاج الشديد جراء النقاشات المتعلقة بتداعيات عمليات عسكرية أو استخباراتية على المدنيين، لدرجة أن أحدهم بكى خلال اجتماع متأثرا من إمكانية إلحاق الضرر بالمدنيين الأبرياء".

كما تطرق اثنان من خبراء أجهزة الاستخبارات لعملهما في مشاهدة فيديوهات وصور متعلقة بقضايا رهائن، وقال أحدهم إنه في إحدى المرات تأثر أحد محللي البيانات الجدد لدرجة البكاء في مكتبه خلال معالجة جانب إنساني متعلق بإحدى الرهائن.

أمر معقد

يرى أستاذ الدراسات الأمنية والإستراتيجية في معهد الدوحة للدراسات العليا مهند سلوم أن معالجة ملف الصدمات النفسية التي يتعرض لها موظفو مجتمع الاستخبارات (أجهزة الاستخبارات) يبقى أمرا معقدا وصعبا بالنظر إلى الطابع السري لعملهم، وهو الذي يمنعهم من التحدث علانية عن آثار الصدمات التي يصابون بها.

سلوم: معالجة الصدمات لدى موظفي الاستخبارات الأميركية أمر معقد بالنظر لطابع السرية المهيمن على عملهم ا(الجزيرة)

ويضيف سلوم -في تصريح للجزيرة نت- أن ضابط الاستخبارات ملزم بالحفاظ على سرية عمله، وعدم إبداء أي مشاعر للآخرين تتعلق بطبيعة عمله وما يتعرض له من الضغوط، وهو أمر يتدربون عليه قبل بدء العمل في صفوف أجهزة الاستخبارات.

هذا الكبت المتراكم -كما يضيف سلوم- يسبب صدمات لعدد من العاملين في أجهزة الاستخبارات، والمشكلة أنهم لا يستطيعون طلب المساعدة للتغلب على هذه الصدمات وآثارها النفسية عليهم، ذلك أن حديثهم عما وقع له يعد إفشاء للسر المهني ويعاقبون عليه.

ويضيف الأكاديمي المختص في الدراسات الأمنية أن ضباط الاستخبارات يعانون أيضا مما يمكن تسميته الشعور بالذنب طويل الأمد، ويحدث مثلا عندما يعلم هؤلاء الضباط بقرب وقوع مجزرة في منطقة ما في العالم، ولكنهم لا يستطيعون التصرف لمنعها بحكم تعليمات مسؤوليهم، ثم تقع تلك المجزرة؛ مما يتسبب في ضرر أخلاقي لهؤلاء الضباط، مثل ما وقع من مجازر في البوسنة في تسعينيات القرن الماضي.

ومن الأمثلة -حسب المتحدث نفسه- على ما يصيب ضباط الاستخبارات الأميركية من ضرر أخلاقي ناتج عن طبيعة عملهم، ما وقع عقب كشف المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) إدوارد سنودن عام 2013 من وجود برنامج تجسسي سري للحكومة الأميركية تديره الوكالة، ويقوم على مراقبة اتصالات الهواتف والإنترنت داخل الولايات المتحدة.

وعقب هذا التسريب، قدّم عدد من ضباط وكالة الأمن القومي استقالاتهم، أو طلبوا إحالتهم إلى التقاعد المبكر لإحساسهم بالذنب لقيام أجهزة استخبارات بالتجسس على الأميركيين.

ويخلص أستاذ الدراسات الأمنية والإستراتيجية إلى أنه في الوقت الذي نجح فيه الجيش الأميركي إلى حد كبير في معالجة آثار صدمات حرب العراق في صفوف الجنود الأميركيين المشاركين في تلك الحرب عن طريق تخصيص ميزانية وتقديم الدعم النفسي والطبي للجنود المتضررين، فإن أجهزة الاستخبارات لم تفلح في فعل الشيء نفسه؛ وذلك بالنظر إلى السرية التي تلف طبيعة عملها، وتجعل من المحرمات مناقشة ما يتعرض له ضباط الاستخبارات من صدمات أمام الرأي العام.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية