لولا ضد بولسونارو.. هل انتخابات البرازيل صراع بين الخير والشر حقا؟ً

حفظ

A worshipper holds campaign materials depicting Brazil's former President and Presidential candidate Luiz Inacio Lula da Silva and incumbent President and candidate for re-election Jair Bolsonaro during a mass, in Brasilia, Brazil October 17, 2022. REUTERS/Ueslei Marcelino

"لولا دا سيلفا كاذب وسجين سابق وخائن للوطن"

جايير بولسونارو، المرشح اليميني لرئاسة البرازيل، والرئيس المنتهية ولايته

"الشعب سيعيدك إلى بيتك"

لولا دا سيلفا، المرشح اليساري لرئاسة البرازيل، والرئيس السابق للبلاد (2003-2010)

صدر التصريحان السابقان أثناء المناظرة التلفزيونية بين المُرشحَين للانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي جرت الجولة الأولى منها يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022. وعكس الحوار شديد اللهجة بين "لولا دا سيلفا"، الرئيس والزعيم العُمَّالي السابق، و"جايير بولسونارو"، الرئيس المنتهية ولايته والساعي لولاية ثانية؛ حدة الاستقطاب في البلاد، خاصة مع صعود الرجلين معا إلى جولة الإعادة المقرر عقدها يوم 30 من الشهر الحالي.

 

يرى العديد من المراقبين حول العالم أن جولة الإعادة يوم الأحد المقبل تُشكِّل مفترق طرق للديمقراطية الأكبر في أميركا اللاتينية. فقد وصلت حدة المشهد إلى حد إقرار المحكمة الانتخابية العليا في البرازيل مسح المحتوى السيبراني الكاذب الذي نشرته حملتا المُرشَّحَين، بما في ذلك مقاطع أشارت إلى علاقة "لولا" بالمخدرات ورغبته في إغلاق الكنائس، وأخرى ربطت "بولسونارو" بأكل لحوم البشر والانجذاب الجنسي للأطفال (البيدوفيليا).

 

تأتي الانتخابات البرازيلية في وقت يجتاح فيه "المد الوردي" الجديد أميركا اللاتينية، إذ فاز مرشحو اليسار في الاستحقاقات الانتخابية في كل من المكسيك والأرجنتين وبوليفيا وهندوراس وتشيلي وكولومبيا خلال الفترة الماضية، ويبدو أن القارة تحتضن اليسار من جديد -إذ شهدت القارة مدّا ورديّا سابقا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين- بعد العقد السابق الذي شهد طلاقها عنه.

SAO JOAO DE MERITI, BRAZIL - OCTOBER 27: Supporters of Incumbent and presidential candidate for a second term Jair Bolsonaro of Liberal Party (PL) wave flags during a rally ahead of Sunday run-off on October 27, 2022 in Sao Joao de Meriti, Brazil. Bolsonaro and Lula Da Silva will face on Sunday in a tight and crucial presidential run-off. (Photo by Wagner Meier/Getty Images)
(Getty)

تسير الأمور في البرازيل في طريق مماثل فيما يبدو، ففي الجولة الأولى من الانتخابات حصل "لولا" (أحد أشهر رموز اليسار في العالم) على 48% من أصوات الناخبين البرازيليين، في حين حصل جايير بولسونارو (الذي يوصف بأنه ترامب البرازيلي) على 43%. ورغم أن مراكز استطلاعات الرأي باتت محل خلاف كبير في البرازيل بعد أن اتهمها اليمين بالتلاعب في عملها، فإنها تُرجِّح فوز "لولا" بحوالي 53% من الأصوات، رغم أن فُرَص بولسونارو بدأت تزيد في الأسابيع الأخيرة مع تقليص الفارق بينه وبين "لولا" بشكل ملحوظ.

 

تقدم بعض وسائل الإعلام هذه الانتخابات بوصفها صراعا بين الخير مُمثَّلا في لولا دا سيلفا، والشر ممثلا في بولسونارو، خاصة بعدما تسببت سياسته في التعامل مع فيروس كورونا في فقدان مئات الآلاف من البرازيليين حياتهم. في المقابل، ينظر أنصار اليمين حول العالم إلى الانتخابات بوصفها صراعا بين الدفاع عن ثوابت البرازيل المحافِظة في مواجهة الأفكار المُدمِّرة التي يحملها لولا وتقوِّض دور الدين والجيش. بيد أن الصراع في حقيقته أعقد من شيطنة أحد الطرفين، وهو يحتاج بالتأكيد لاستكشافه بعيدا عن الفرضيات المسبقة.

 

لولا دا سيلفا.. هل يعود الرئيس الأحمر؟

epa10229318 The former president of Brazil and current presidential candidate, Luiz Inacio Lula da Silva (R), accompanied by the vice-presidential candidate, Geraldo Alckmin (C), greets his supporters during a tour through the streets of the municipality of Guarulhos, Brazil, 07 October 2022. Lula will face Brazilian president Jair Bolsonaro in the second round of the presidential elections on 30 October. EPA-EFE/Sebastiao Moreira
لولا دا سيلفا (وكالة الأنباء الأوروبية)

"لقد تغلب الأمل أخيرا على الخوف، وقرر المجتمع البرازيلي أن الوقت قد حان لاتباع مسارات جديدة.. أنا لست نتيجة انتخابات، أنا نتيجة التاريخ، أنا أحقق أحلام جيلي والأجيال التي حاولت قبلي وفشلت"

لولا دا سيلفا، في حفل تنصيبه عام 2003

لا يحتاج لولا إلى الكثير من الكلمات للتعريف به، فالأرقام التي حققها في عهده كفيلة بتقديمه لمن لا يعرفه، فالرجل الذي خرج من رحم الحركة العمالية البرازيلية، والذي كان عاملا في مصنع لإنتاج الحديد يوما ما، يبلغ من العمر الآن 76 عاما، وهو يعاود الترشح بعد أن حكم البلاد سابقا بين عامي 2003 و2011، وحاز نسبة أصوات تخطت 60%، وقد أنهى فترة حكمه بشعبية طاغية تجاوزت 80%، إلى درجة أن الرئيس الأميركي الأسبق "باراك أوباما" وصفه حينها بأنه السياسي الأكثر شعبية في العالم.

 

حوَّل دا سيلفا بلده المنهار بفعل الأزمة المالية إلى واحد من أكبر 10 اقتصادات في العالم، وقد زادت قيمة العملة البرازيلية في عهده أكثر من الضعف مقابل الدولار الأميركي، ونمت الطبقة الوسطى بمقدار 29 مليون شخص، وتقلّص الفقر بشكل ملحوظ عجز عن تحقيقه الكثير من زعماء العالم، إذ انتشلت سياسات لولا 30 مليون برازيلي من الفقر بعد نمو دخل أفقر 10% من السكان بمعدل أسرع 5 مرات من نمو دخل أغنى 10%؛ ما أسهم في تقليص اللامساواة، وخفض التضخم مع الحفاظ على معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، فضلا عن نجاحه في تسديد الديون قبل موعدها، وإنهاء ديون البلدان لدى صندوق النقد بشكل كامل بحلول عام 2005، بل وإقراض الصندوق 10 مليارات دولار في عام 2009.

epa10221931 Former president and candidate for the presidency of Brazil Luiz Inacio Lula da Silva of the Workers' Party (PT), speaks during a meeting with his campaign committee in Sao Paulo, Brazil, 03 October 2022. Luiz Inacio Lula da Silva will face President Jair Bolsonaro in a second round of presidential elections in Brazil on 30 October. EPA-EFE/SEBASTIAO MOREIRA
(وكالة الأنباء الأوروبية)

بيد أن هناك رقما آخر ظهر مثل الوحش في حياة لولا والْتَهم الكثير من هذه الإنجازات، إنه الرقم "9"، وهو عدد السنوات التي حُكِم عليه بالسجن بها عام 2017 في قضية فساد مالي، ورغم إلغاء جميع الإدانات ضده بعد 4 سنوات، هزَّ الحُكم القضائي صورة دا سيلفا في عيون ملايين البرازيليين الذين اقتنعوا بأنه رجل فاسد مثله مثل رجال النخبة البرازيلية، وهو أمر أحسن اليمين استغلاله بعد ذلك.

 

يدخل لولا جولة الإعادة بتاريخه المزدهر بالإنجازات في وقت يؤثر فيه الجوع على 33 مليون برازيلي، وهو ما أضاف زخما كبيرا لحملة المناضل السابق، إذ يأمل من يصوّتون له في أن يعيد أمجاد أوائل الألفية، ويكسر الأرقام القياسية كعادته، ويحل مشكلات الفقراء بعصاه السحرية، لكن الزمان والعالم تغيّرَا كثيرا، ولربما يواجه الرئيس الأحمر النشيط كما عرفه الناس تحديات أصعب من تلك التي واجهته في مطلع الألفية.

 

أول تلك التحديات هو أن اليسار نفسه تغيَّر، فالعامل المناضل الذي انتشل ملايين البرازيليين من الفقر ينظر الآن حوله في القارة ويجد يسارا جديدا اختلف نطاق أولوياته ليشمل قضايا أخرى غير الأولويات الاقتصادية التي تبناها هو قبل 20 عاما. فحين صعد لولا في المرة الأولى اهتم اليسار بالأساس بالعمال والفقراء والتصنيع والتنمية، ومن ثَمّ عُرِف صعوده بالموجة الوردية، أما الآن فالأمر مختلف بعد أن تأثر اليسار بالأجندة الليبرالية. وقد شرحت هذا الأمر "أنا ماواد"، الأستاذة المساعدة بقسم العلاقات الدولية في جامعة "خافيريانا" البابوية، حيث قالت إن اليسار الجديد الصاعد في أميركا اللاتينية يسار تتمحور أولوياته حول قضايا المناخ والهويات الجنسية، وأن لولا وحزبه ينظران إلى هذا اليسار الجديد مقتنعين بأنه عليهم أن يصبحوا أشبه به، مبتعدين عن النسخة اليسارية الكلاسيكية القديمة.

 

هل يمكن أن ينزلق لولا إذا ما صار رئيسا إلى الانشغال بتلك القضايا بدلا من التركيز على الجائعين والمحرومين كما اعتاد سابقا، أم سيتمكَّن الرجل من إحداث توازن بين الأمرين؟ الزمن وحده يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، لكن ثمة معلومة مهمة في هذا الصدد، لقد مثّل موقفُ العديد من اليساريين البرازيليين من الدين وقضايا الهويات الجنسية الحساسة حاجزا واضحا بينهم وبين قطاع من الفقراء البرازيليين (تحديدا الإنجيليين)، إلى الحد الذي جعل لولا نفسه قبل جولة الإعادة يتعهد بعدم المساس بالحرية الدينية.

إعلان

التحدي الآخر والأهم هو التحدي الخارجي، فحين صنع لولا نهضة البرازيل مطلع الألفية كان التاريخ في صفه، فقد تزامنت ولايته التي شجعت الإنتاج مع نمو كبير في أسواق السلع العالمية؛ ما سهَّل مهمة البلاد ورفع ناتجها المحلي سريعا، ومكَّنه من محاربة البطالة والفقر محققا أرقامه القياسية، أما الآن فيرى الباحث في شؤون العالم الثالث "ألِكسندر كوزول-رايت" في مقال له على موقع "أوبن ديموكراسي" أن لولا قد لا يتمكن من تحقيق ما حققه من قبل، فمع الركود العالمي والسياسات الاقتصادية الجديدة للولايات المتحدة، ستنخفض أسعار الصادرات البرازيلية الرئيسية. هذا وتشير البيانات الاقتصادية عموما إلى أن الناتج المحلي سينمو وفق الظروف الحالية من عام 2023 إلى 2026 بحوالي 1.4% فقط سنويا.

 

يمكن اختصار سياسات لولا المعلنة في الآتي: إنشاء نظام ضرائب أكثر تصاعدية، وإلغاء الحد الأقصى الحالي للإنفاق العام، والحفاظ على المنحة الاجتماعية للفقراء التي دشنها بنفسه وهو رئيس وأقرها أيضا بولسونارو (للمفارقة، رغم أنه زعيم يميني، في إشارة إلى أهمية الفقراء في تلك الانتخابات)، بالإضافة إلى دعم السكان الأصليين والمثليين، وكذلك الحفاظ على غابات الأمازون، حيث وصلت إزالة الغابات وتدمير الأمازون في البرازيل إلى أرقام لم يسبق لها مثيل في عهد الرئيس المنتهية ولايته وتحديدا في الأشهر الـ6 الأولى من عام 2022.

 

بولسونارو.. صديق العسكر والبزنس الذي يسعى لأصوات الفقراء

"المهاجرون حثالة"، و"الأمم المتحدة عصابة من الشيوعيين"، و"أُفضّل أن أموت على أن أرى ابني في حضن رجل (مِثلي) بشارب"
جايير بولسونارو

epa10255791 Brazilian President Jair Bolsonaro (C) delivers a speech during a campaign rally in Sao Paulo, Brazil, 20 October 2022. The presidential runoff between Bolsonaro and former President Luiz Inacio Lula da Silva will take place on 30 October. EPA-EFE/Fernando Bizerra
جايير بولسونارو (وكالة الأنباء الأوروبية)

هذه عيِّنة من تصريحات بولسونارو الذي يدعم تعذيب تجار المخدرات، ويرى أن الشرطي الذي لا يقتل ليس شرطيا حقيقيا، ويدافع عن الطغمة العسكرية التي حكمت البرازيل بالحديد والنار حتى عام 1985. ويمكننا إذن أن نفهم لماذا يراه اليساريون الشيطان بعينه. وتَظهر رئاسة بولسونارو ملطخة بكارثتين: الأولى تعامله مع جائحة كورونا، إذ أدت سياساته التي رفضت تقييد حركة الناس إلى انتشار الفيروس بكثافة وموت مئات الآلاف في وقت وجيز، فلم يُصدِّق الرجل بجدية الوباء والأبحاث الطبية، بل وعيَّن رجلا عسكريا وزيرا للصحة، إلى الحد الذي جعل الرئيس الكولومبي الأسبق "إرنستو سامبر" يُصرِّح بأن بولسونارو حوَّل البرازيل إلى جحيم عملاق. أما الكارثة الثانية فهي فشله في السيطرة على حرائق غابات الأمازون عام 2020؛ ما أدى إلى توبيخ دولي علني له. فقد بلغت وتيرة إزالة غابات الأمازون في عهده أعلى معدلاتها منذ 12 عاما، فضلا عن تدخله في التحقيقات القضائية المتعلقة بأسرته. ولكن، لماذا يحصد الرجل إذن تأييد حوالي نصف المجتمع البرازيلي؟

 

أولا، اعتمد بولسونارو على كاريزمته الشخصية إلى حد بعيد في جذب الأضواء، فهو بالنسبة إلى الكثير من البرازيليين عسكري سابق أظهر الشجاعة الفردية حين تعرض لمحاولة اغتيال قبل أن يصبح رئيسا، كما أنه يتمتع بمظهر وسيم وجدّي، ويخاطب مُكوِّنَين أساسيَّين في المجتمع، هُما الذكورة والمسيحية المحافظة. باختصار، جسّد الرجل الذي يخرج في سباقات الدراجات النارية رمزا للذكورة التي يرى الكثير من البرازيليين أنها تحت التهديد، فلا يخجل بولسونارو من التحدث بلغة متنمرة وبذيئة أحيانا، ويُعبّر صراحة عن آراء محافظة يخشى الآخرون التعبير عنها، علاوة على استخدامه الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي.

 

ثانيا، لم تكن السياسة الاقتصادية الاقتصادية لبولسونارو يمينية بالكامل، لكن الرجل للمفارقة اقتبس حزمة من السياسات الاقتصادية الاشتراكية أسهمت في ارتفاع شعبيته، مثل الإعانات الكبيرة للأسر ذات الدخل المنخفض، فضلا عن وضع سقف لضرائب البنزين. في الواقع، اقتبس بولسونارو هذا البرنامج لرعاية الفقراء من برنامج لولا دا سيلفا نفسه حين كان في الحكم، وعُرِف باسم "إعانة الأُسر (Bolsa Família)"، لكنه غيَّر اسمه فحسب إلى "الدعم البرازيلي (Auxílio Brasil) ".

 

تظهر استطلاعات الرأي أن هذا البرنامج الذي خدم نحو 18 مليون أسرة بالتحديد أسهم في رفع شعبية بولسونارو مع بداية العام الحالي بعد أن انهارت في عامه الأول، فقد أشارت الإحصاءات إلى ارتفاع ثقة البرازيليين فيه في مجالات محاربة الفساد وتعزيز الأمن والاقتصاد، بيد أن استطلاعا للرأي أُجري مؤخرا أظهر أن 64% ممن تساوي رواتبهم الحد الأدنى للأجور (وهم الفئة المستهدفة من برنامج "الدعم البرازيلي") قالوا إنهم سيمنحون أصواتهم إلى لولا، في حين رأى محللون أن بولسونارو سرَّع وتيرة تسديد الإعانات إلى العائلات المستفيدة من البرنامج لأغراض انتخابية.

إعلان

إذا تأملنا طبيعة القاعدة التصويتية لبولسونارو، فسنجد على رأسها الإنجيليين والمحافظين، فقد تماشت قيم الرجل المحافظة حول الأسرة التقليدية معهم، كما أنه أعفى الكنيسة من قوانين الحظر أثناء الوباء، وتعهَّد إذا ما انتُخب لولاية جديدة أن ينهي منع البعثات التبشيرية في المناطق الخاصة بالسكان الأصليين، ومنح صوتا أكبر للمسيحية داخل المناهج الدراسية، وقلَّص المساحة الممنوحة للأيديولوجيا اليسارية، وبخاصة مسائل الهويات الجنسية. هنا تكمن واحدة من نقاط قوة بولسونارو، الذي استفاد من توطُّد علاقة اليسار بالقضايا الجنسية، حيث سطع نجم الرجل حين قاد المعارضة ضد مقترحات الحكومة اليسارية عام 2009 بإلغاء تجريم الإجهاض ووضع قيود على التعليم الديني ومنع عرض الرموز الدينية في مكاتب الدولة. ويشعر قطاع عريض من الشعب البرازيلي بالقلق حيال هذه القضية، إذ يرى المحافظون أن هناك أيديولوجيا عالمية تُروِّج للتحول الجنسي وتُشجِّع المرأة على ممارسة الجنس المفتوح وتبيح الإجهاض وتدمر الأسرة، وهي أمور ليست بهيِّنة في نظرهم، ومن ثم استغل بولسونارو هذه الملفات الاستغلال الأمثل ليَظهر بوصفه مدافعا عن المجتمع والأسرة البرازيلية.

 

أما القاعدة الثانية التي يعتمد عليها بولسونارو فهي العسكريون، حيث غرس العسكري السابق البذرة الأولى لشعبيته حين كتب مقالا عام 1986 في إحدى المجلات عن الأجور المتدنية لجنود الجيش، وحُكِم عليه وقتها بالسجن بسبب القوانين التي حظرت على العسكريين التعبير عن آرائهم السياسية. إذن، نشط الرجل من أجل زيادة رواتب الجنود، وتحمَّل في سبيل ذلك الفصل من الجيش، وهي صفحة من حياته أسَّست لما بعدها، وتساعدنا في فهم سبب نظرة قطاع من البرازيليين إليه باعتباره ممثلا للذكورة والشجاعة، كما أن دفاعه عن صغار الجنود مكَّنه من جمع الشعبية بين صغار العسكريين بالإضافة للضباط الكِبار ممن انحازوا له بعد محاولات اليسار إنشاء لجنة تحاكم العسكريين الضالعين في جرائم تخص حقوق الإنسان في فترة ما قبل التحول الديمقراطي، وهي محاكمات مثَّلت كابوسا للعديد من القادة.

 

وجدير بالذكر أن تأييد بولسونارو لحمل السلاح الفردي بين المواطنين ورفع عدد تصاريح الأسلحة بشكل مكثف، ورغم أن بعض النقاد يرونه كارثيا في بلد يعاني بالفعل من معدلات جريمة مرتفعة، فإنه يُعَد في نظر بعض البرازيليين قرارا إيجابيا، ولسان حالهم يقول إن الشرطة في البلاد إن لم تكن جاهزة للتصدي للمجرمين، فإن منح المواطنين السلاح حتى لا يكونوا عزّلا في مواجهة الجريمة هو قرار يعزز الأمن.

 

أما القاعدة الثالثة والأخيرة لبولسونارو فهي رجال الأعمال وملاك الأراضي وبعض رواد الأعمال الصغار، وسبب تأييد هؤلاء للمرشح اليميني هي سياساته نفسها التي وُصِفَت بالكارثية أثناء وباء كوفيد، إذ لم يُعطِّل الرجل سير أعمالهم بسبب الوباء، وهو أمر صبَّ في مصلحتهم بطبيعة الحال، كما أن موقفه المناهض لسياسات الحفاظ على البيئة ومنع قطع أشجار الأمازون اجتذب أيضا ولاء العديد ممن تتعارض مصالحهم مع السياسات البيئية الساعية للحفاظ على الغابات.

 

البرازيل على مفترق طرق

epa10264051 Former president Luiz Inacio Lula da Silva (R) and the candidate for the government of Sao Paulo Fernando Haddad, attend an act in defense of democracy at the theater of the Pontifical Catholic University (PUC) in Sao Paulo, Brazil, 24 October 2022. Former Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva, favorite for the 30 October elections, said that the South American giant will once again have an 'active and haughty' foreign policy in its eventual government. EPA-EFE/Fernando Bizerra
(وكالة الأنباء الأوروبية)

في النهاية، تشهد هذه الانتخابات استقطابا لم يسبق له مثيل، والسبب هو العناصر التي شكَّلتها، إذ لم يتمكن دا سيلفا من دخول الانتخابات السابقة لأنه كان مسجونا، ويرى الكثير من البرازيليين أن سجن لولا نُفِّذ عن طريق مؤامرة تشاركت فيها الجهات القضائية والعسكرية وأصحاب الأموال والامتيازات، والحقيقة أن هناك أدلة لا يُستهان بها على ذلك. وقد كان المستفيد الأبرز من دخول الزعيم الأكثر شعبية إلى السجن هو بولسونارو بكل تأكيد، الذي أمَّن الوصول إلى كرسي الرئاسة بعد منافسة سهلة مع "فرناندو حداد" من حزب العمال، وبعد سنوات من الأداء الضعيف لـ"ديلما روسيف"، التي خلفت لولا في منصبه وشهد عهدها أزمات اقتصادية قلَّصت شعبية اليسار.

 

بات المشهد في البرازيل إذن كالآتي: يعتقد اليساريون أن لولا عائد بعد مؤامرة متشابكة ضد اليسار في البلاد، وعلى الجانب الآخر يشكك بولسونارو في نزاهة الانتخابات الرقمية الحالية، ويرى مناصروه أنه يتعرض لمؤامرة من الإعلام الدولي ومن داخل البلاد أيضا. الخطر الذي يلوح في الأفق الآن هو احتمالية أن يتخذ بولسونارو خطة أشبه بتلك التي اتخذها صديقه ترامب أثناء الانتخابات التي فاز بها بايدن، أي رفض الانتخابات وحشد المناصرين له والتشكيك في مشروعية فوز لولا (حال فوزه). وستكون المشكلة في البرازيل -على عكس الولايات المتحدة- شعبية الرجل في الجيش والشرطة، لا سيّما أن العسكريين يشغلون 6 آلاف منصب مدني فيدرالي في البلاد، فضلا عن المِنَح التي أعطاها بولسونارو في حكمه للجيش والشرطة وبرامج الإسكان منخفضة الفائدة لصالحهم.

 

ومن ثَم، ربما تلوح في الأفق احتمالية انقلاب عسكري في حال فوز لولا، بيد أن أحد أهم الأسباب التي قد تحول دون حدوث ذلك هو وجود الرئيس جو بايدن على رأس النظام الأميركي، والذي لن يتوانى في معارضة أي تدخُّل من الجيش في الحياة السياسية البرازيلية من جديد. تنتظر البرازيليين إذن ساعات حاسمة قبل جولة الإعادة وربما بعدها، لكن أيّا كانت النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات، من المؤكد أن هذا الاقتراع، بالنسبة إلى البرازيليين أنفسهم، ليس صراعا محضا بين الخير والشر، لكنه صراع على المسار الذي ستسلكه بلادهم خلال السنوات المقبلة.

إعلان

———————————————————————–

المصادر:

  1. The Global Left is Gunning for Brazil’s Bolsonaro
  2. Brazil’s True Believers: Bolsonaro and the Risks of an Election Year
  3. لولا دا سيلفا.. "رجل الدولة العالمي" المدان بالفساد
  4. Brazil’s polarized election campaign sees ex-leader Lula on the cusp of a remarkable comeback
  5. The Guardian view on Jair Bolsonaro: a danger to Brazil, and the world
  6. Bolsonaro’s popularity jumps as Brazil economy improves, crime drops
  7. If Lula wins in Brazil, he will face harsh economic headwinds
  8. Lula or Bolsonaro: Brazil’s Economy at a Crossroads
  9. Jair Bolsonaro’s Southern Strategy
  10. Review: ‘Edge of Democracy’ Looks at Brazil With Outrage and Heartbreak
  11. Bolsonaro’s Brazil: four ‘dystopian’ years
  12. What to Know About Bolsonaro-Lula Showdown in Brazil
  13. Lula’s Legacy: A Transformed Brazil
  14. بولسونارو يقلص الفارق مع دا سيلفا قبل الدورة الثانية من انتخابات البرازيل
  15. انتخابات البرازيل.. لولا يتقدم على بولسونارو قبل جولة الإعادة
  16. سلطة الانتخابات في البرازيل تعزز إجراءات مكافحة التضليل الإعلامي قبل الاقتراع
  17. اتهامات بالفساد بين بولسونارو ودا سيلفا في مناظرة ساخنة قبيل الانتخابات الرئاسية
  18. فيلم – البرازيل.. الجولة المصيرية
المصدر: الجزيرة

إعلان