جدل حول القانون الانتخابي والمال الفاسد.. انطلاق الترشح للانتخابات التشريعية في تونس بمقاطعة أبرز الأحزاب

جانب من احتجاجات نُظمت مؤخرا في العاصمة تونس ضد سياسات الرئيس قيس سعيد (الجزيرة)

تونس- بدأت هيئة الانتخابات في تونس، الاثنين، قبول طلبات الترشّح للانتخابات البرلمانية المقررة في 17 ديسمبر/كانون الأول المقبل، وسط جدل حول التعقيدات والثغرات في قانون الانتخابات الذي عدّله الرئيس قيس سعيد، وفي ظل مقاطعة واسعة من أبرز الأحزاب السياسية.

وسيغلق باب الطلبات يوم 24 من الشهر الجاري أي بعد أسبوع واحد، وهي فترة قصيرة بالنسبة للأفراد الراغبين في الترشح للانتخابات التي دعا لها الرئيس سعيّد بعد إعلانه التدابير الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021، والتي حلّ بمقتضاها البرلمان السابق وأحكم قبضته على السلطة.

ولأول مرة، ستجرى الانتخابات التشريعية المقبلة بتنافس الأفراد وليس الأحزاب أو القوائم، وقد نصّ القانون الانتخابي الذي أصدره الرئيس يوم 15 سبتمبر/أيلول الماضي، على قبول الترشحات من قبل الأفراد وليس الأحزاب كما كان في قانون الانتخابات بعد ثورة 2011.

تونسية تشكك بشرعية هيئة الانتخابات وبأعمالها خلال احتجاج على سياسات الرئيس سعيّد في تونس العاصمة (الجزيرة)

"شروط تعجيزية"

وبغض النظر عن الأحزاب المقاطعة والرافضة لمسار الرئيس، فإن الأفراد المستقلين أو حتى الأحزاب الداعمة للرئيس لم يخفوا أيضا معارضتهم لما جاء في قانون الانتخابات الجديد بسبب تعقيداته التي تفتح الباب أمام توظيف المال الفاسد، ولا سيما في شرط جمع 400 تزكية من الناخبين.

ووردت في قانون الانتخابات الجديد جملة من "الشروط التعجيزية" -وفق البعض- للترشح للانتخابات البرلمانية، منها ما يتصل بتوفير حزمة كبيرة من الوثائق الإدارية المرهقة، وعلى رأسها تجميع كل مترشح لـ400 تزكية من الناخبين في دائرته مع التصديق على إمضاءاتهم داخل البلديات.

لكنّ هيئة الانتخابات أكدت، اليوم الاثنين، أنها قامت بتبسيط الإجراءات لتكوين ملفات المترشحين كتقريب خدمة ختم التزكيات من الناخبين لفائدة المترشحين، مؤكدة أن عدد المترشحين في ارتفاع وبلغ حتى الآن 1705 مترشحين سيتنافسون مع من يُضاف إليهم على 161 مقعدا برلمانيا.

بيروقراطية وتعقيدات

ولكن شروط الترشح للانتخابات البرلمانية تشكل عائقا كبيرا لدى الكثيرين. فرغم أنها رحبت قبل عام و3 أشهر بالإجراءات الاستثنائية التي فرضها الرئيس سعيّد، تقول المهندسة فاديا بالشيخ إبراهيم إنها محبطة من قانون الانتخابات المعدّل لأنه "يمثل عائقا كبيرا أمام المواطنين لممارسة حقهم في الترشح".

وتتساءل هذه المواطنة في حديث للجزيرة نت "كيف يمكن لي أن أجمع 400 تزكية من الناخبين؟ وكيف سأقنعهم بالحصول على عطلة من عملهم والذهاب لمقر البلديات للوقوف في طوابير طويلة من أجل التصديق على تزكياتهم لمصلحتي؟"، مؤكدة أن البيروقراطية الجاثمة في هذه المؤسسات لا تمكّن من جمع التزكيات خاصة في وقت ضيق.

وهذه التعقيدات لن تُمكّن فاديا من الترشح للبرلمان المقبل بقصد الدفاع عن أوضاع منطقتها المتردية من حيث البيئة والخدمات العامة. وتقول إن قانون قيس سعيد الانتخابي يمنع المواطنين البسطاء والنزهاء من الترشح بينما يتيح لأصحاب المال والنفوذ توظيف المال الفاسد للترشح.

والقانون الانتخابي الذي عدّله الرئيس سعيّد كان محل انتقادات كبيرة من قبل منظمات المجتمع المدني وجمعيات مراقبة الانتخابات والأحزاب بما فيها القوى الداعمة له. فحركة الشعب الموالية للرئيس نفسه لم توافق على هذا القانون بسبب ثغراته وتعقيداته رغم أنها تعتبر أن الانتخابات المقبلة مهمة.

 

صعوبات كبيرة

يقول الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي إن حزبه يسعى لترشيح ممثلين عنه في أكبر عدد ممكن من الدوائر الانتخابية، لكنه لا يُخفي وجود صعوبات على مستوى جمع تزكيات الناخبين والتصديق على إمضاءاتهم في البلديات التي تعج يوميا بالمئات من المواطنين لاستخراج الوثائق الإدارية.

وأكد أن حزبه اقترح على هيئة الانتخابات اعتماد جمع التزكيات والتصديق عليها من قبل الناخبين عن بُعد أو عبر الهاتف كما هو معمول به خارج تونس، لكن الهيئة قدّمت تبريرا "غير مقنع" بأن القانون لا يسمح بذلك. ويتساءل "كيف يسمح القانون بذلك في الخارج ولا يسمح به في الداخل؟".

وكانت الحكومة أطلقت مؤخرا مشروعا جديدا لتسهيل استخراج الوثائق الإدارية واعتماد المصادقة على الوثائق بواسطة الإمضاء الإلكتروني من خلال منظومة الهوية الرقمية، لكن المشروع ما يزال في بداياته، فيما يستمر التونسيون في تكبّد مشقة التنقل للبلديات والوقوف في طوابير لاستخراج وثائقهم.

مظاهرة ضد سياسات الرئيس قيس سعيد قبل انطلاق عملية الترشّح للانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول المقبل (الجزيرة)

"مال فاسد"

وبما أن التوقيع في وثيقة التزكيات عنصر أساسي في قبول الترشحات للانتخابات المقبلة، فإن طول الإجراءات الإدارية والاكتظاظ الحاصل في داخل البلديات، سمحَا لمترشحين من أصحاب المال والنفوذ باستغلال تعقيدات وثغرات قانون الانتخابات لتوظيف ما لديهم من إمكانات مادية لاستمالة الناخبين.

ويؤكد المغزاوي للجزيرة نت أن مرشحًا لحزبه من دائرة منطقة حي التضامن الفقيرة أعلمه بأن كثيرين عبروا عن نيتهم دعم مرشح آخر قدّم لهم أموالا للحصول على تزكياتهم. ويضيف "نعلم أن كل انتخابات يمكن أن يحصل فيها تجاوزات، وهذه مسؤولية ملقاة على هيئة الانتخابات لتعقّب المال الفاسد والحد من الجرائم الانتخابية".

وبحكم انطلاق عملية قبول طلبات الترشح، يستبعد المغزاوي أن يقوم قيس سعيد بإعادة تنقيح قانون الانتخابات، مؤكدا أن حزبه سيواصل التركيز على محطة الانتخابات المقبلة، لأن البرلمان مهما تراجعت صلاحياته في نظام رئاسي سيبقى مؤثرا في التوازنات السياسية وأيضا في تمرير القوانين.

مقاطعة واسعة

وتقاطع عشرات الأحزاب البارزة الانتخابات التشريعية المقبلة أبرزها حركة النهضة وخصمها الحزب الدستوري الحر وعدد من الأحزاب الوسطية مثل التيار الديمقراطي والحزب الجمهوري وأحزاب يسارية مثل حزب العمال وغيرها. وجميع هذه الأحزاب ترفض في الأصل ما تصفه بـ"المسار الانقلابي" لقيس سعيد.

ويقول الناطق باسم حركة النهضة عماد الخميري للجزيرة نت، إن قانون الانتخابات الحالي "فرع من أصل"، وإن حزبه يرفض الأصل "وهو الدستور الجديد الذي صاغه سعيّد بشكل منفرد دون إشراك القوى السياسية والمجتمعية، وحتى أنه ضرب بمقترحات الهيئة الاستشارية عرض الحائط".

ويضيف الخميري أن الاعتراض الأساسي لحركة النهضة هو على الدستور الذي يكرس غياب الفصل بين السلطات، ويسمح بانتخاب مجلس برلماني صوري ناسف لروح التعددية والتشاركية، مبينا أن قانون الانتخابات المعدّل خضع لنفس النهج الإقصائي الفوقي للرئيس قيس سعيد الذي أنجزه دون تشاركية.

وأكد أن قانون الانتخابات يواجه انتقادات كبرى لأنه يقصي الأحزاب ويفتح الباب أمام توظيف المال السياسي الفاسد بجمع التزكيات، وكل ذلك من أجل انتخاب برلمان صوري منزوع الصلاحيات أمام سلطة الرئيس، ولن يزيد سوى في تعميق الأزمة والهوة بين الرئيس والشعب، وفق قوله.

وعاشت البلاد السبت الماضي على وقع احتجاجات عارمة نظمتها جبهة الخلاص المعارضة التي تشكل حركة النهضة أبرز مكوناتها، فضلا عن احتجاجات الحزب الدستوري الحر ضد سياسات قيس سعيد الذي يواجه مصاعب كبرى في إدارة البلاد نتيجة ارتفاع التضخم وصعوبات الوضع الاقتصادي والمالي.

المصدر : الجزيرة