مقابل إغلاق ملفاتهم.. غرامات وتسويات باهظة يدفعها الأسرى الفلسطينيون للاحتلال والمستوطنين

باسم الصباح يحمل صورة ابنه الأسير أيهم بعد عام على اعتقاله (الجزيرة نت)

رام الله- في الذكرى الثالثة لاستشهاد شقيقه الأكبر بداية 2021، اعتقل أسامة التميمي من منزله في بلدة دير نظام، شمال مدينة رام الله، ووجهت له تهمة محاولة قتل مستوطنة إسرائيلية بعد رشق مركبتها بالحجارة على الطريق الاستيطاني الذي يلف قريته.

وخلال الـ22 شهرا الماضية عقدت محكمة عوفر العسكرية أكثر من 10 جلسات لمحاكمته، لم يبت فيها حتى الآن، فنيابة الاحتلال التي طالبت بسجنه 7 سنوات، طالبت أيضا بغرامة مالية تقدر بـ56 ألف دولار تدفع تعويضا للمستوطِنة التي أصيبت، وهو ما ترفضه العائلة بالمطلق، بحسب والد الأسير، فراس التميمي.

يقول التميمي للجزيرة نت: "لا يمكن القبول بهذه التسوية تحت أي ظرف كان، هذه خيانة لابني الأسير وتضحياته".

وفي مقارنة، يتحدث التميمي الأب عن استشهاد ابنه الأكبر "مصعب" عام 2018 ولم يكن قد أكمل عامه الـ17، وكيف تقدمت العائلة -بالتعاون مع مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية- بقضية للمحكمة الإسرائيلية لملاحقة الجنود الذين قاموا بإطلاق النار باتجاهه رغم أنه لم يشكل خطرا عليهم، ورفضتها المحكمة الإسرائيلية بحجة أن قتل "المراهق" جاء للضرورة التي يبررها القانون.

وحول مخاوف العائلة باحتجاز أسامة لسنوات إضافية لعدم دفع الغرامة المالية قال الأب: "نحن نتعامل مع أعداء يمكن أن يتراجعوا عن الإفراج عنه لأي سبب آخر، ولكن هذا لا يعني أن نقوم بتعويض المستوطنين الذين سرقوا أرضنا".

وتسكن المستوطِنة المصابة في مستوطنة حلميش والتي صادر الاحتلال ألفي دونم من أراضي قرية دير نظام لبنائها، ومنها أراضي عائلة الأسير التميمي.

موقف عائلة التميمي قد لا يتطابق مع مواقف كل عائلات الأسرى، والتي تسعى لتخفيف أحكام السجن عن أبنائها، وخاصة الذين يواجهون أحكاما ليست بالعالية، وهو ما جعل المؤسسات الفلسطينية المتابعة لقضايا الأسرى تعلن رفضها لدفع هذه الغرامات.

غرامات وتعويضات

وتأخذ هذه الغرامات شكلين الأول ما رفضته عائلة الأسير التميمي، وهو تعويض مباشر للمستوطن المتضرر من العملية التي يتهم بها الأسير، من خلال اتفاق ثنائي بينه وبين عائلة الأسير، التي تقوم بدورها بدفع مبالغ مالية مقابل تنازله جراء إصابته أو تضرر ممتلكاته من مركبات أو منازل.

والثاني، وهو فرض المحكمة مبالغ مالية على الأسير وخاصة الأسرى الذين يتم إثبات قيامهم بعمليات ينتج عنها قتلى أو جرحى من مستوطنين وغيرهم من جنود الاحتلال، وهذه الغرامات يتم استبدال فترات اعتقال إضافية بها إن كان بسيطة.

وإن كانت ظاهرة التسويات المالية ما بين الأهالي والمستوطنين جديدة، فإن فرض الغرامات مع الأحكام الصادرة ضد الأسرى ليست كذلك. فقد بدأت بشكل كبير خلال الانتفاضة الثانية، ولكنها تضاعفت لتصل إلى مبالغ عالية جدا، كما في حكم الأسير عاصم البرغوثي الصادر عام 2020 بالسجن المؤبد 4 مرات وغرامة مالية تقدر 4.5 ملايين دولار.

يقول رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس للجزيرة نت" حتى الآن هناك استخفاف من قبل الأهالي بالتعاطي مع هذه الغرامات، ولكننا نقرؤها في سياقات أكثر خطورة مما تبدو عليه الآن".

يفصل فارس بأن هناك توجها لدى الاحتلال لفرض هذه الغرامات على كل أسير فلسطيني، وخاصة الأسرى الذين يحكم عليهم بأحكام عالية بالمؤبد، متسائلا "ما الداعي منها إذا كانت إسرائيل تعلم أن أهالي الأسرى لن يقوموا بدفعها، وهو ما يدفعنا إلى الشك بمخطط آخر في السنوات المقبلة".

ويتمثل هذا المخطط أن تقوم سلطات الاحتلال بإجبار الأسرى وعائلاتهم على دفع هذه الغرامات من خلال الحجز على ممتلكاتهم في الضفة -بيوت وعقارات وأراض- وبيعها في المزاد العلني للمستوطنين.

وتابع "بلغة القوة فإن هذا السيناريو هو الأقرب للواقع. ومن خبرتنا بالتعامل مع الاحتلال ومحاكمه، ندرك جيدا أن هناك هدفا من هذه الغرامات ولو كان بعيد الأمد".

واعتبر فارس أن ما زاد من شراهة الاحتلال والمستوطنين في فرض هذه الغرامات والمبالغة فيها هو تعاطي الأهالي معها وقيامهم مؤخرا بالرضوخ لمطالبات المستوطنين المالية، وهذا ما جعل المؤسسات الرسمية الفلسطينية تعلن موقفها العلني الرافض.

رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس: هناك توجه للاحتلال لفرض هذه الغرامات على كل أسير فلسطيني (الجزيرة نت)

رفض ومقاطعة

وليس الرفض فحسب، فخلال لقاء جمع هذه المؤسسات -نادي الأسير الفلسطيني والهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى ومؤسسة الضمير لرعاية الأسرى وحقوق الإنسان- أعلنت المؤسسات مقاطعة متابعة ملفات الأسرى الذين تقوم عائلاتهم بتسوية مالية مع المستوطنين، وفسخ التعاقد مع المحامين الذين يتابعون هذه التسويات.

وبحسب فارس فإن هذه المحددات لن يتم تجاوزها، إذ إن "الاحتلال سيتمادى أكثر في هذه الظاهرة إذا شعر بتجاوب فلسطيني، وهو ما يجعلنا نتحرك للتصدي لها".

ولعل ما دق ناقوس الخطر لهذه المؤسسات هو التوصية التي أرفقتها محكمة الاحتلال بالحكم ضد الأسير الطفل -حين اعتقاله- أيهم الصباح من بلدة بيتونيا غربي رام الله، بضرورة عمل الدولة الفوري لاستيفاء الغرامة المالية التي فرضت عليه.

واعتقل الصباح في عام 2016 بتهمة المشاركة بعملية طعن بمستوطنة قريبة من رام الله قتل خلالها مستوطن وجرح آخر. وكان عمره في ذلك الوقت لم يتجاوز 14 عاما.

خلال العملية أصيب الصباح إصابة خطيرة، وبعد أشهر من العلاج بدأت محاكمته التي امتدت لـ3 سنوات، حيث صدر حكم بالسجن بـ35 عاما مع غرامة مالية تتجاوز 350 ألف دولار.

يقول والده باسم الصباح للجزيرة نت: "حاولنا خلال المحاكمة إثبات خطورة إصابة أيهم وأن إطلاق الرصاص باتجاهه كان بقصد إعدامه، وأنه طفل قاصر، إلا أن المحكمة الإسرائيلية لم تأخذ بكل ذلك".

المفاجأة الكبرى للعائلة كانت بإعادة محاكمته بعد أشهر من النطق بهذا الحكم، وتحديدا بعد إكماله سن الـ18 عاما، والحكم عليه بالسجن المؤبد الأمني -أي مدى الحياة- وتثبيت الغرامة المالية، التي طالبت المحكمة من "الدولة" العمل على استيفائها.

حاولت العائلة الاستئناف على الحكم والغرامة مرة أخرى من خلال تدخل منظمات حقوق إنسان وأخرى دولية تتابع قضايا الأطفال، إلا أن المحكمة رفضت الاستئناف وثبتت الحكم.

ورغم إصرار المحكمة على تثبيت الغرامة المالية الباهظة على أيهم، فإن عائلته ترفض التعاطي معها: "الاعتقال مفروض علينا ولا قوة لنا بمواجهته، ولكن لن نقبل بدفع الغرامة مهما كانت الظروف".

ازدواجية القوانين الإسرائيلية

قانونيا، فإن الاحتلال الإسرائيلي خلال النظر بقضايا الأسرى يحاول فرض أقصى عقوبة يحددها القانون، هذا بالإضافة إلى إسقاطه معايير يتم الأخذ بها بالقانون المدني الإسرائيلي، مثل محاكمة الأطفال والظروف المخففة في حالة الإصابات والتعرض لخطر الموت.

ولكن في القانون العسكري الذي يحاكم بموجبه الأسرى الفلسطينيون لا يتم الأخذ بكل هذه المعطيات، كما جرى مع الطفل الصباح، كما يقول المحامي المتابع لقضيته صالح محاميد.

محاميد خلال حديثه للجزيرة نت يوضح أن هذه الازدواجية بالقوانين الإسرائيلية تنطبق أيضا على الغرامات، والتي يقصد بها التعويض، ففي القانون المدني الإسرائيلي يحدد سقف أعلى لا يتجاوز 50 ألف دولار، بينما في القانون العسكري لم يتم التحديد وبقي السقف الأعلى مفتوحا لتقديرات القضاة، والذين باتوا في السنوات الأخيرة يبالغون في قيمتها.

وقال محاميد إن المبالغة في تحديد قيمة الغرامات القصد منها خلق حالة من الردع لدى الفلسطينيين، وممارسة مزيد من الضغوط على عائلات الأسرى.

المصدر : الجزيرة