بين الدبلوماسية والعسكرية.. خيارات مصر تجاه سد النهضة في 2022

أديس أبابا تستعد للانتهاء من تشييد سد النهضة وسط اعتراضات القاهرة والخرطوم (رويترز)

القاهرة- رغم الحراك المصري الكبير -على أكثر من اتجاه طوال العام المنقضي- في التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي، فإنه لم يكن عاما حاسما في مسار المفاوضات المتأزمة؛ إذ انحسرت بدائل مصر في التغلب على التداعيات السلبية المحتملة، في وقت قطعت فيه إثيوبيا أشواطا كبيرة في عمليات البناء والملء، وبدأت العد التنازلي لتوليد الكهرباء من السد.

وشهد عام 2021 محطات بارزة في ملف السد، كان بينها إعلان إثيوبيا نجاح الملء الثاني، وسط تشكيك مصري وأحاديث ورغبات محلية في ضرب السد، قابلتها تصريحات رسمية متضاربة حول أضرار المانع المائي على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل.

وفي حين تشهد إثيوبيا حربا أهلية منذ أواخر 2020 وصلت ذروتها في الأشهر الأخيرة، إلا أنها تسير قدما في مشروع السد، وهو ما دفع القاهرة إلى إعلانها -أكثر من مرة- رفض سياسة الأمر الواقع، وتكرار دعوتها للمفاوضات بزمن محدد، وهو موقف اعتبره مراقبون "لم يراوح مكانه بعد أن استنزفت القاهرة دبلوماسيا" لأكثر من 10 سنوات منذ شروع أديس أبابا في بناء السد عام 2011.

في هذا التقرير، ترصد الجزيرة نت أبرز محطات ملف سد النهضة في عام 2021، والتساؤلات التي تؤرق المصريين بشأن مستقبل السد، وكيف ستتفاعل القاهرة في هذا الشأن، وما بدائلها في العام القادم؟

أين وصل ملف سد النهضة وما أبرز محطاته في 2021؟

أولا: مسار البناء والملء والتشغيل

  • مع نهاية العام 2021، بدأ العد التنازلي لتوليد الكهرباء الأولية من السد، واكتمل تركيب التوربين التاسع بنجاح، ويجري العمل على تركيب التوربينات المتبقية، إذ كان من المخطط تركيب 16 توربينا، قبل أن يتم تقليصها إلى 13 لخفض التكاليف، وفق وسائل إعلام إثيوبية.
  • نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أعلنت الحكومة الإثيوبية أنه من المتوقع أن يبدأ السد في إنتاج 700 ميغاوات من الكهرباء العام المقبل.
  • وفق تسريبات سودانية لم تعلق عليها إثيوبيا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من المتوقع الشروع في عملية الملء الثالث بداية من العام الجديد المقبل، من خلال استكمال الإنشاءات وتعلية الممر الأوسط.
  • يوليو/تموز الماضي، أعلنت إثيوبيا اكتمال المرحلة الثانية من ملء السد بنجاح -التي كان مخططا لها بمقدار 13.5 مليار متر مكعب من المياه- كما أعلنت بدء تجاوز المياه لجسم السد بما يكفي لبدء إنتاج الطاقة، من دون أن تعلن حجم المياه المخزنة خلفه، في مقابل تشكيك مصري.
  • تطمح إثيوبيا في الوصول للسعة التخزينية الكاملة لبحيرة السد التي تقترب من 74 مليار متر مكعب (والتي تقترب من حصتي مصر والسودان المقدرة بـ84 مليار متر مكعب).
  • وفق دراسة مصرية شارك فيها وزير الري محمد عبد العاطي -الذي يرأس وفد بلاده الفني بمفاوضات السد- هناك عيوب فنية وهندسية في إنشاء السد، واحتمالات انهياره غير مستبعدة.

ثانيا: مسار المفاوضات

  • توقفت المفاوضات الثلاثية منذ أبريل/نيسان الماضي، ولا تزال القاهرة والخرطوم من جانب وأديس أبابا من جانب آخر تتبادلان الاتهامات بالمسؤولية عن تعثرها.
  • تأكيدات مصرية رسمية أن مفاوضات السد مجمدة، وأن عدم استجابة إثيوبيا للتفاوض تنذر بتوتر في الإقليم، وأن أساس أي مفاوضات هو عدم المساس بحصة مصر التاريخية.
  • سبتمبر/أيلول الماضي، اعتمد مجلس الأمن بيانا رئاسيا يحث على استئناف المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي خلال فترة زمنية معقولة، وفي حين اعتبرته إثيوبيا غير ملزم، طالبت مصر والسودان بالإرادة السياسية الجادة لإنجاح الوساطة الأفريقية، من دون أن يحدث ذلك اختراقًا حتى الآن.
  • أغسطس/آب الماضي، لم تفلح مبادرة جزائرية في حلحلة الأزمة.
  • آنذاك، أعادت إثيوبيا طرح دعوة ترفضها القاهرة والخرطوم، وهي سرعة التوقيع أو التصديق على الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل، المعروفة بـ"اتفاقية عنتيبي"، لإعادة تقسيم مياه النيل.

هل تلاشى الخيار العسكري؟

رغم بقائه احتمالا واردا، فمن المتوقع تلاشي الحل العسكري في 2022، وفق المعطيات الآتية:

  • التزام القاهرة باتفاقية "إعلان المبادئ" الموقعة عام 2015، التي أقرت وجود السد ومشروعيته.
  • مطالبة السيسي في أكثر من مناسبة مواطني بلاده بالهدوء، خاصة بعد تزايد الحديث عن عمل عسكري يستهدف السد.
  • غياب قضية السد كليا عن الخطابات الرئاسية والحكومية، وتراجع اهتمام الإعلام المحلي بمناقشة الأزمة.
  • الأحد الماضي -في سياق افتتاحه مشاريع في منطقة توشكى (جنوب)- تجاهل السيسي قضية السد رغم حديثه عن المشاريع المائية الضخمة، كما أصدر توجيهات إلى حكومته بمنع زراعة نباتات الزينة، لتوفير المياه المستخدمة في زراعتها للنباتات المثمرة.
  • سبتمبر/أيلول الماضي، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن بلاده حريصة على تجنب الصراع المسلح مع إثيوبيا في ما يتعلق بمياه النيل.
  • حين تحركت مصر عسكريا وأمنيا ودبلوماسيا مع دول الجوار الإثيوبي، خرجت تحذيرات غربية متزامنة من أي عمل عسكري يستهدف السد.
  • الإدارة الأميركية الحالية تختلف في تعاملها مع ملف السد عن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي سبق أن مهد الطريق أمام القاهرة أواخر 2020، بتصريحه علانية بأن مصر ربما تستخدم سيناريو تفجير السد.
  • عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي يشهده السودان في الفترة الانتقالية الراهنة.
  • تزايد فرص نجاح أديس أبابا في ترويض التمرد القبلي الذي استهدف الإطاحة بحكومة آبي أحمد.

ما البدائل المصرية في عام 2022؟

رغم انحسار البدائل والسيناريوهات المصرية في التعامل مع ملف السد إلى حد كبير، لا تزال العديد من الأفكار في هذا الصدد يطرحها مراقبون، إضافة إلى جملة من التوجهات الرسمية، ومنها:

أولا: التوجه الدبلوماسي

  • لا تزال الرؤية المصرية قائمة على رفض سياسة الأمر الواقع، والدعوة إلى عودة المفاوضات بزمن محدد لها.
  • أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أكد السيسي أن موقف مصر ثابت بشأن ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم حول ملء وتشغيل السد، وأن بلاده لا ترغب إلا في الحفاظ على حصتها بمياه نهر النيل.
  • ومتطرقا إلى دخول بلاده مرحلة الفقر المائي، شدد السيسي على أن مصر لا تريد أن تكون المياه سببا للصراع أو المشاكل أو الصدام، بل أن تكون مصدرا للتنمية والتعاون.
  • لا يزال خيار الخروج من اتفاقية إعلان المبادئ مطروحا داخل أروقة النقاشات المصرية، عبر طرحها على البرلمان لرفضها، وبالتالي التنصل من منح إثيوبيا شرعية في بناء السد.
  • وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام طرح أن تتدخل مصر لتمويل ما تبقى من السد وإنشاء خطوط لنقل وتصدير الكهرباء لتكون مشاريع مصرية حقيقية لرفاهية الشعب الإثيوبي، ولبدء تعاون بناء بين دول المنطقة.
  • استبعد علام أن تكون هناك أي مفاوضات جدية حول السد قبل الاستقرار والتسويات الداخلية في إثيوبيا التي قد تستغرق شهورا.
  • نصح علام إدارة بلاده بإقناع الدول الشقيقة وقف تمويل إثيوبيا، للتغلب على آثار تعلية السد، التي قد تحدث بعد فترة قادمة لازمة لتحقيق استقرار داخلي، وقد تطول حتى بداية الفيضان القادم منتصف 2022.

ثانيًا: محليا

  • تنفيذ مصر برامج لمعالجة المياه وتحلية مياه البحر بتكلفة تبلغ أكثر من 80 مليار دولار.
  • شروع مصر في تنفيذ مشروعات قومية كبرى قائمة على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالج.
  • مشاريع تبطين الترع والمصارف للحفاظ على الفاقد المائي.
المصدر : الجزيرة