بعد عام مثقل بالآلام والأزمات.. هذه توقعات أهالي غزة في 2022

تقدر وزارة الإسكان في غزة خسائر الحرب ب 420 مليون دولار -رائد موسى-الجزيرة نت
دمّرت إسرائيل خلال الحرب ألفي وحدة سكنية كليا و22 ألفا أصابها دمار جزئي (الجزيرة)

غزة- مثلما يطوي الغزيون صفحات 2021 على كثير من الخيبات والآلام التي كانت حلقة في سلسلة أزمات مستمرة منذ وقوع الانقسام الداخلي قبل 15 عاما، وما تبعه من تشديد للحصار الإسرائيلي على القطاع، فإنهم لا ينظرون بعين التفاؤل لما يخبئه لهم عام 2022.

وتعتقد غالبية من بين مليوني فلسطيني في غزة -وفق أحدث استطلاع للرأي أجراه "مركز أطلس لدراسات الرأي العام" (غير حكومي ومقره غزة)- أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية ستراوح مكانها، وربما تزداد سوءا.

ورأى نحو ثلث الجمهور (33.7%) أن الأوضاع ستبقى على حالها، في حين رأى (21.9%) أنها ستسوء، بينما يعتقد (25.9%) أنها ستتحسن، وهي نتائج يبدو أنها تأثرت بما عايشه الغزيون خلال العام المنقضي من حرب إسرائيلية عنيفة تبعتها قيود مشددة.

وتنسجم هذه النتائج مع آراء وتوقعات أكاديميين وخبراء وحقوقيين، وإجابتهم عن سؤال طرحته عليهم الجزيرة نت حول تداعيات أحداث 2021 وما ينتظر غزة في 2022، والتي عكست مقاربة لمصطلح "اللاحرب واللاسلام"، إذ رأوا أن إسرائيل وأطرافا أخرى تريد للغزيين "اللاحياة واللاموت"، من خلال تسهيلات شكلية تبقيهم على قيد الحياة وتمنع الانفجار.

أوضاع خريجي الجامعات بغزة في ظل البطالة
البطالة متفشية في أوساط الخريجين بسبب الحصار وتداعيات جائحة كورونا (الجزيرة نت)

دوامة المصالحة

ورغم أن الثلث الأول من العام حمل بشريات بإنهاء الانقسام عبر اتفاق برعاية مصرية، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ آخر انتخابات جرت في 2006، فإن الفلسطينيين -وسكان غزة الذين أنهكتهم الأزمات- أصيبوا بانتكاسة، جراء قرار الرئيس محمود عباس (الذي عارضته غالبية فصائلية ومكونات سياسية وأهلية) إرجاء الانتخابات لأجل غير مسمى، بدعوى رفض إسرائيل إجرائها في القدس المحتلة.

هذه الانتخابات كانت مقررة في مايو/أيار، وبدلا من التوجه إلى صناديق الانتخابات، تساقطت "حمم النيران" على أهل غزة برا وبحرا وجوا على مدى 11 يوما من حرب إسرائيلية، كانت الأعنف من بين 4 حروب تعرضوا لها منذ عام 2009.

ويعتقد الدكتور محمد المدهون رئيس "مركز غزة للاستشراف" (مقرب من حماس) أن فرص تحقيق المصالحة محدودة في العام الجديد، في ظل استمرار ما وصفها بـ"مكابرة السيد محمود عباس"، متوقعا تقدم عناوين جديدة للوحدة الوطنية، كنموذج "لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية" و"غرفة العمليات المشتركة للمقاومة" على حساب "لقاءات المصالحة البروتوكولية".

وقال الباحث الحقوقي في "الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان" مصطفى إبراهيم، إن قرار إلغاء الانتخابات كانت له "تداعيات كارثية" على الصعيد الشعبي والسياسي، وآخرها رفض حماس المشاركة أو السماح بإجراء المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية في غزة.

ورجّح المدهون وإبراهيم أن يستمر "مشهد الحصار والانقسام" في 2022، وإن كان المدهون يرى أن "مزيدا من الضغوط والحلول الترقيعية تمثل صاعق تفجير".

القيود الاسرائيلية تهدد بانهيار التهدئة الهشة في غزة -رائد موسى-الجزيرة نت
القيود الإسرائيلية تهدد بانهيار التهدئة الهشة في غزة (الجزيرة نت)

تهدئة هشة

وفي مقابل إنجازات غير مسبوقة حققتها المقاومة، بوصول صواريخها لأول مرة إلى 250 كيلومترا، وإعلان قدرتها على استهداف كل "شبر" في فلسطين التاريخية، فإن إسرائيل ارتكبت جرائم مروعة راح ضحيتها نحو 260 شهيدا وأكثر من ألفي جريح، فضلا عن دمار هائل بخسائر مادية بلغت 480 مليون دولار، بحسب تقديرات رسمية.

وبجهود مصرية معتادة، وضعت الحرب أوزارها بموجب اتفاق غير مكتوب يتضمن رفعا للحصار وتسريعا لعجلة إعادة الإعمار، غير أن هذا ما لم يحدث. وباستثناء بعض التسهيلات التي تصفها المقاومة بـ"الشكلية"، واصلت إسرائيل فرض قيودها، وعرقلة الإعمار، وتسببت في تدهور الواقع المعيشي.

وتشير تقديرات "اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار" (هيئة غير حكومية) إلى أن 80% من السكان يقبعون تحت خط الفقر، ويعاني نحو 65% من الشباب من البطالة، جراء القيود الإسرائيلية وتداعيات جائحة كورونا.

وأبرزت نتائج استطلاع أطلس أن الغالبية (45.4%) حمّلت السلطة مسؤولية أزمات غزة، وحمّل (25.7%) حركة حماس المسؤولية، في حين حمل (15.8%) المسؤولية لإسرائيل، و(7.7%) حملوا مصر المسؤولية.

ويتوقع فتحي صبّاح رئيس "المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية" (منظمة أهلية)، استمرار هذا "الواقع المؤلم" وعدم حدوث "انفراجة حقيقية" على صعيد الملفات الحيوية المتعلقة بالحصار وإعادة الإعمار وصفقة تبادل الأسرى، وحتى المصالحة الداخلية، ورغم وصفه التهدئة الحالية بـ"الهشة" فإنه يستبعد وقوع حرب واسعة.

أصيبت آمال الغزيين بانتكاسة جراء قرار إلغاء الانتخابات التشريعية-رائد موسى-الجزيرة نت
أصيبت آمال الغزيين بانتكاسة جراء قرار إلغاء الانتخابات التشريعية (الجزيرة نت)

حراك لمنع الانفجار

وإثر تهديد حماس بالتصعيد، تحرك الوسيط المصري، وأعلنت إسرائيل عن تسهيلات إضافية، أبرزها زيادة عدد التصاريح لعمال من غزة. وفي خطوة غير مسبوقة، أشرفت وزارة العمل التي تديرها حماس -لأول مرة- على عملية تسجيل العمال.

وبحسب صحيفة "هآرتس" العبرية، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، فإن إسرائيل تخطط لمنح تسهيلات اقتصادية لغزة وصفتها بالضئيلة، بموجب توصيات أمنية لمنع التصعيد، ولتشكيل ضغط مدني فلسطيني على حماس للبقاء على حالة الهدوء.

والتسهيلات المرتقبة تشمل زيادة عدد تصاريح العمل في إسرائيل البالغة حاليا 10 آلاف تصريح، وإدخال مواد تصفها إسرائيل بأنها "ثنائية الاستخدام"، بإشراف الأمم المتحدة، لضمان عدم استخدامها في صنع السلاح، والسماح المشروط لأعداد محدودة بالصلاة في المسجد الأقصى بعد مصادقة "الشاباك". ولا تزال إسرائيل ترفض -بحسب "هآرتس"- الرفع الكلي للقيود والسماح بإعادة الإعمار من دون إنجاز صفقة تبادل للأسرى.

وترفض حماس بشكل قاطع ربط الصفقة بملفات أخرى، وتتمسك بشروطها لإنجاز صفقة مماثلة لصفقة "وفاء الأحرار" المعروفة شعبيا بـ"صفقة شاليط".

ويستبعد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور وليد المدلل إنجاز صفقة في المدى القريب، في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية التي وصفها "بالمهتزة والضعيفة و(هي) كمن يمشي على الحبل"، فهي لا تريد المغامرة بحرب، وغير مؤهلة لاتفاق هدنة بالتزامات سياسية.

وكذلك المقاومة -برأي المدلل- تدرك أن تكلفة حرب جديدة ستكون قاسية، ولذلك تضغط لكسب المزيد من التسهيلات لغزة، بينما تصعد المقاومة الشعبية في الضفة لإشغال إسرائيل، وإحراج السلطة التي تتنصل من المصالحة واستأنفت التنسيق الأمني.

المصدر : الجزيرة