مذكرات الساسة العراقيين.. نشرات تجميلية أم اعتراف بأخطاء التجربة المريرة؟

بغداد– تثير المذكرات والسير الذاتية التي أصدرها عدد من السياسيين العراقيين، نقاشا حول أسباب كتابة تجربة ما بعد عام 2003، وما إذا كانت تلك المذكرات تتسم بالدقة والموضوعية، أم أنها لتبرير الأخطاء وإلقاء اللوم على الآخر فيما آلت إليه أوضاع بلاد الرافدين.

وشهدت الفترة الماضية إعلان عدد من السياسيين وزعماء الأحزاب، عن صدور مذكراتهم التي تمحور أغلبها حول تجربة ما بعد فترة غزو العراق، وتأسيس النظام الجديد وما رافقه من مشكلات ما زالت البلاد تعيشها.

ومن أبرز الشخصيات السياسية التي كتبت مذكراتها: رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، الذي أصدر 3 أجزاء من مذكراته "بين النيران"، تحدث فيها عن تجاربه وتنقله بين البعثيين والمعارضين، وعمله مع الشيوعيين والإسلاميين.

كما أصدر رئيس الجمهورية السابق فؤاد معصوم مذكراته بعنوان "السنوات الأربع في قصر السلام"، تحدث فيها عن فترة توليه منصب رئاسة الجمهورية، وما رافقها من كواليس تشكيل حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وكذلك تنصب رئيس الجمهورية بعده، والترشيحات التي قُدمت آنذاك، وآلية حسم الأمور.

ومن السياسيين الآخرين، كتب زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم كتابا بعنوان "رحلة وطن"، أكد فيه على أهمية الانتماء للعراق فقط دون الانحياز إلى أحد، أو الانضواء تحت سياسة المحاور.

سليم الجبوري يحمل مذكراته .. مواقع التواصل
الجبوري نشر مذكراته وتناول فيها محطات عاصرها وكذلك فترة توليه منصب رئاسة مجلس النواب (مواقع التواصل)

كما أصدر رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري كتابا بعنوان "حكاية السيرة والمسيرة"، تناول فيه محطات عاصرها وكذلك فترة توليه منصب رئاسة مجلس النواب.

كما أنتج وزير النفط الأسبق حسين الشهرستاني كتابا بعنوان "تجربة حياة"، وكذلك وزير الداخلية والمالية الأسبق باقر الزبيدي أصدر كتابا حمل عنوان "تجربتي".

خالد الناصر محلل سياسي الجزيرة نت
الناصر اعتبر أن النخبة السياسية في العراق لا تزال تعاني مأزق الانفصال عن الواقع (الجزيرة نت)

التحلل من الكوارث

ورأى كتّاب ومحللون عراقيون أن تلك المذكرات والمدونات لم تكن بالمستوى المطلوب، حيث أخفت الكثير من الحقائق ورمت الكرة في ملعب الآخرين دون نقد للذات والقرارات المتخذة بما يفسح المجال أمام الأجيال المقبلة للاستفادة منها وعدم تكرار الأخطاء، خاصة أن بعضها طغت عليه صبغة التحلل من الكوارث التي شهدتها البلاد.

المحلل السياسي العراقي خالد الناصر، قال إن النخبة السياسية في العراق لا تزال تعاني مأزق الانفصال عن الواقع، "وفي الحقيقة هناك نكبة كبيرة في الشارع جراء هذه النخبة السياسية التي جاءت بعد عام 2003، لذلك فإن تلك المذكرات لا تعكس كامل الحقيقة لهذه المرحلة من تاريخ العراق".

واعتبر الناصر -في حديثه للجزيرة نت- أن تلك الطبقة السياسية كانت شريكا أساسيا في الخراب الذي عاشه العراق، ولا تزال في هذا المضمار، وتقدم نفسها على أنها قدّمت وأنجزت، لافتا إلى أن التاريخ هو الذي سيحسم الحقيقة بشأن المرحلة التي مر بها العراق بعد عام 2003.

وتطرح مسألة كتابة التاريخ العديد من التساؤلات والإشكالات في العالم العربي، خاصة مع وجود مدونات انحرفت عن الدقة والموضوعية، تحت ضغط القومية أو المذهبية والطائفية أو غيرها، وهو يعزز الحاجة إلى كتابات خالية من الميول والعواطف، وتؤرخ للأحداث بتجرد تام.

وشدد الناصر على أن التاريخ يكتبه المؤرخون لا السياسيون، معتبرا أن "هناك وجها آخر لحقيقة هذه المذكرات، وهناك كتّاب كثيرون كتبوا عن هذه المرحلة وتلك الطبقة، ثم إن التاريخ يكتبه المؤرخون، وربما إذا جاءت طبقة سياسية أخرى فستكتب عن هذه المرحلة بشكل سيئ، وتصفها بأوصاف أخرى، ولهذا فإن كتّاب مرحلة حزب البعث كتبوا بخلاف ما كتب المعارضون بعد 2003".

وما فاقم النقمة على الكثير من السياسيين العراقيين، واقع البلاد والكوارث التي تعيشها على المستويات الاقتصادية والخدمية والتعليمية وغياب الاستقرار السياسي وتبعثر جوامع القرار الوطني، مما يجعل نظرة المواطنين إلى أية أحاديث سياسية، سواء مرئية أو مكتوبة، على أنها خارج الزمن، وتنطلق من رؤية مغايرة تماماً عن الواقع الذي يعيشونه.

النشمي
النشمي يرى أن ما يكتبه الساسة العراقيون ليس مذكرات، إذ ليس له أي عمق وأصل تاريخي (الجزيرة)

دعاية سياسية

المؤرخ العراقي الدكتور علي النشمي يرى أن ما يكتبه السياسيون العراقيون ليست مذكرات، إذ ليس لها أي عمق وأصل تاريخي، لأنها مجرد شعارات وإعلانات سياسية، "كون هؤلاء الذين بدؤوا بالكتابة كانوا جزءا من مرحلة سيئة، وساهموا بشكل فاعل ومؤثر في خلق هذه الفتن".

النشمي يقارن -خلال حديثه للجزيرة نت- بين المذكرات لدى الغرب، التي يرى أنها تقدم الحقائق بما تشمله من نقد للذات، وتظهر الأمور السلبية التي قام بها الساسة أكثر من الإيجابية، في حين لدى الشرق يتم تدون الجوانب الإيجابية وإغفال الأخطاء والإخفاقات.

ويرى النشمي أن مذكرات الساسة العراقيين تعد نشرات تجميلية، تحاول التكتم على الأخطاء، دون وجود عمق لها.

وفتحت تلك المذكرات نقاشات حادة لجهتين: الأولى المعلومات التي ذكرتها وما إذا كانت ثمينة أو مرتبطة بأحداث كبيرة تعد جزءا من تاريخ العراق، والثانية ما إذا كان لتلك الشخصيات دور كبير في هذه التطورات، باعتبارهم يقودون دفة مسيرة البلاد ويؤثرون على مجريات الأمور فيها.

وربط آخرون مذكرات السياسيين العراقيين، بمذكرات شخصيات نادرة أو مؤثرة لم تكتب مذكراتها لأسباب مختلفة.

الجرأة والصراحة

الشاعر والكاتب العراقي أحمد عبد الحسين، يقول: إن السياسيين عندما يكتبون مذكراتهم فهي تحدث ضجة في التاريخ، لكن أغلب السياسيين العراقيين منذ 2003 هم فاشلون باعترافهم، إذ لم يقدموا شيئا ولم يكونوا فاعلين في الأحداث، بدليل أنهم سلّموا بلادهم ومقدراته إلى دول أخرى، فكيف سيكونون شهداء على ذلك".

ويؤكد عبد الحسين للجزيرة نت، أن "السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية يجب أن تتسم بالجرأة والصراحة، وفي حال غياب ذلك، فإنها لا قيمة لها، والسؤال الأهم: هل يستطيع السياسي العراقي الاعتراف بفشله؟ وأي مدونة شخصية أو مذكرات خالية من هذين الشرطين (الجرأة والعمق)، فإنها فاشلة ولا تستحق القراءة".

ولفت إلى أن هناك جيلا سياسيا جديدا بدأ بالظهور، من خلال ثورة تشرين، وسيكون قادرا على عدم الاستفادة من الجيل السياسي الحالي، ولا من تجربته، ولا مذكراته، ولا أفعاله.

المصدر : الجزيرة