بين الرفض الغربي وخطوط مصر الحمراء.. هل تلاشى خيار ضرب سد النهضة؟

بالتزامن مع تحركات مصرية عسكرية ودبلوماسية مع دول الجوار الإثيوبي، خرجت تحذيرات غربية متزامنة من أي عمل عسكري يستهدف سد النهضة؛ لتضع أحلام مصريين بضرب السد على مسار الشك من إمكانية التعامل معه عسكريا أو بطرق أخرى.
وأظهرت الولايات المتحدة وأوروبا اتفاقا على التسوية السياسية للأزمة، من خلال حل متوافق عليه بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، وعلى ضرورة استئناف المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.
ووسط اتهامات للغرب بالانحياز لإثيوبيا في أزمة السد، اتفق خبراء ومحللون سياسيون على أن تحذيرات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الأخيرة لن تدفع مصر نحو التراجع عن تأمين "حقوقها المشروعة" في مياه النيل.
وبينما رأى محلل سياسي أن التصريحات الغربية قد تكون محاولة لجس نبض القاهرة بشأن توجيه ضربة عسكرية للسد أم لا، أكد دبلوماسي سابق عدم وجود أية دلالة على الترويج لعمل عسكري، لكنه توقع في الوقت ذاته قيام الجيش المصري بضرب السد.
وتختتم القاهرة والخرطوم -غدا الاثنين- مناورات عسكرية تعد الثالثة من نوعها وتحمل هذه المرة اسم "حماة النيل"، فيما تترقب دول المنطقة جولة للمبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الأسبوع الجاري.
وتستهدف زيارة فيلتمان التشاور مع قادة الدول الثلاث والقيام بجهود دبلوماسية للمساعدة في حل النزاعات، وعلى رأسها سد النهضة، على أن يقدم تقريرا إلى الرئيس الأميركي جو بايدن حول خطوات حل هذه النزاعات، وفق بيان للبيت الأبيض.
وجدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تأكيده على حتمية التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول ملء وتشغيل السد في أقرب فرصة ممكنة، مؤكدا -خلال زيارته الخميس الماضي لجيبوتي- رفض بلاده أي مسعى (إثيوبي) لفرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية لا تراعي مصالح وحقوق دولتَي المصب.
وتعد جيبوتي خامس دولة مجاورة لإثيوبيا تعزز معها مصر درجة من التعاون العسكري خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حيث سبقتها السودان وأوغندا وبوروندي وكينيا.
واليوم الأحد، أعلن المتحدث العسكري المصري عن عودة رئيس الأركان محمد فريد بعد اختتام زيارة رسمية إلى دولتي كينيا ورواندا، ناقش خلالها أوجه التعاون العسكري المشترك، والتهديدات التي تؤثر على الأمن القومي.
وكان السيسي قد اعتبر أن مياه النيل تمثل خطا أحمر بالنسبة لمصر، كما تحدث إعلاميون مقربون من النظام عن أن مصر قد تضطر للقيام بضربة عسكرية للسد إذا لم ينجح مسار المفاوضات.
تحذيرات غربية
القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية روبرت غوديك حذَّر من أن أي عملية عسكرية بشأن السد ستكون كارثية، مشيرا إلى أن بلاده تبحث في حل الأزمة عبر مرحلتين، تشهد الأولى التواصل بشأن المخاوف الفورية لمصر والسودان بشأن ملء السد وتسعى الثانية إلى التوصل لحل على المدى الطويل لمسألة المياه.
وفي ذات الشأن، قالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي نبيلة مصرالي -للجزيرة- إنه لا حل عسكريا للأزمة، مؤكدة أن موقف الاتحاد الأوروبي ومبعوثه لمنطقة القرن الأفريقي يتماشى مع موقف الولايات المتحدة.
وكانت المتحدثة الإقليمية باسم الخارجية الأميركية جيرالدين غريفيث قد أكدت -خلال مداخلة هاتفية مع المذيع المصري أحمد موسى على قناة "صدى البلد"- أنه ليس هناك حل للأزمة عبر الضغط أو التدخل أو الحل العسكري، مشيرة إلى استمرار المشاورات الدبلوماسية للتوصل إلى حل سلمي.
قضية وجودية
بدوره، أكد الأكاديمي والمحلل السياسي المصري حسن نافعة أن أزمة السد تمثل قضية وجودية، وهناك مخاوف حقيقية من الإصرار الإثيوبي على ملء وتشغيل السد دون اتفاق.
وفي تصريحات للجزيرة نت حذَّر نافعة من أن الملء الثاني للسد يعني قدرة إثيوبيا على التحكم في مياه النيل بشكل كامل، ولا حقوق لدولتي المصب، مشددا أنه لن يقبل أحد في مصر بهذا المنطق.
ورأى أن الأمل يتلاشى تدريجيا في الوصول إلى حل أو تسوية حقيقية للأزمة، ومع إصرار إثيوبيا، فإن ضرب السد سيكون الحل الأخير، مع بقاء الرغبة في إعطاء الحل الدبلوماسي الفرصة كاملة حتى النهاية.
وفيما يتعلق بموقف النظام المصري، أكد أن "أي نظام سيفقد شرعيته تماما، إذا أعطى إثيوبي الحق في التحكم في مياه النيل"، مشيرا إلى أن هناك قيودا وضغوطا إقليمية ودولية وحسابات يتعين أن تتم.
لكنه استدرك بالقول "ولكن إذا أصرت إثيوبيا على موقفها وذهبت إلى الحد الذي تؤكد فيه أنها ستتحكم في مياه النيل أو تقرر بيع المياه إلى مصر، لن يكون هناك أي حل آخر سوى توجيه ضربة عسكرية لجسم السد أو احتلال المنطقة التي بني فيها".
وبخصوص التحذيرات الغربية الأخيرة، أوضح نافعة أنها لا تعني تغيرا، حيث لم يكن الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة يحبذان معالجة الأزمة من خلال العمل العسكري.
وأشار إلى أن التصريحات السابقة التي أدلى بها الرئيس السابق دونالد ترامب -بشأن استهداف مصر لسد النهضة- كانت تحذيرية لأديس أبابا أكثر منها ضوءا أخضر لضرب السد، وبالتالي لم تكن هناك فرصة لعمل عسكري، لافتا إلى أن ترامب نفسه لم يأخذ موقفا حاسما تجاه إثيوبيا حيث كان باستطاعته ذلك.
عمل عسكري محتمل
بدوره، التقط أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق عبد الله الأشعل الخيطَ نفسه، مؤكدا أن الجيش المصري قد يقوم بعمل عسكري بصرف النظر عن التحذيرات الأميركية وغيرها، مشددا أنها غريبة ومرفوضة.
وفي تصريحات للجزيرة نت، اعتبر الأشعل التصريحات الأميركية والأوروبية تحذيرات إسرائيلية بالأساس وتآمر على مصر كي تتسيد إثيوبيا من خلال التحكم في نهر النيل.
لكنه استدرك بالقول إن الترويج لعمل عسكري لا يوجد عليه أية دلالة حتى الآن، مشددا أن "الحكومة المصرية والسيسي لن يتحملا أمام التاريخ خروج مصر عن الطريق، ولن تنفعهم أميركا أو أوروبا".
وأشار الأشعل إلى أنه إثيوبيا تستقوي على مصر بتحريض أميركي، وفي نفس الوقت الغرب لا يريد الحل أو دفع أديس أبابا نحو توقيع اتفاق ملزم.
مستوى التصريحات
وفي السياق ذاته، استبعد الأكاديمي والمحلل السياسي "خيري عمر" تلاشي خيار ضرب بلاده السد عسكريا، مشيرا إلى أنه كلما تعمقت الأزمة من الصعب المفاضلة ما بين الخيارات المتاحة، وتكون الخيارات القابلة للتنفيذ من مسائل اهتمامات إدارة الدولة.
وفيما يخص الموقف الأميركي والأوروبي الأخير، أشار عمر -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن مستوى التصريحات لا يعبر عن تصور نهائي لأميركا ولا المجموعة الأوروبية كلها، وعزاها إلى أنها قد تكون محاولة غربية لجس نبض القاهرة من استهداف وضرب السد.
وأضاف أنها قد تمثل محاولة للتقليل من أهمية تحركات القاهرة الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة، وخاصة أنها ذات تمثيل دبلوماسي منخفض، ولم تخرج من مستويات كبيرة كوزارة الدفاع الأميركية أو القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) أو الدول المهمة في الاتحاد الأوروبي.
واستبعد خيري عمر أن تكون الخيارات المصرية قد ضاقت بعد هذه التصريحات، مشددا على أن السد الإثيوبي، يمثل مسألة إستراتيجية بالنسبة لمصر.
كما استبعد وجود فرصة سابقة كانت سانحة لبلاده بضرب السد، حين أدلى ترامب بتصريحه الشهير، موضحا أن الظرف لم يكن مناسبا لعمل عسكري وقتها، باعتبار أن ذلك التصرف آنذاك يقود إلى ورطة عسكرية أكثر منها فائدة، حيث إن مسألة التعامل مع السد ليست عسكرية وإنما كيفية احتوائه.
قيود عسكرية
أما هاني رسلان مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية فقد اعتبر أن الموقف المصري بشأن أزمة السد سبق إعلانه على لسان السيسي بأن "هناك خطا أحمر للمساس بمقدرات مصر المائية"، مشيرا إلى أن المناورات العسكرية بالسودان موجهة إلى إثيوبيا بسبب السد وأزمة الحدود (الإثيوبية السودانية).
وقال رسلان -وهو كبير الباحثين في الشأن الأفريقي بالمركز- إن هناك نقطتين تمثلان قيودا على القرار والتحرك العسكري المصري، الأولى تتمثل في أن واشنطن عبرت أنها لا ترغب في عمل عسكري، بما قد يؤدي إلى انهيار إثيوبيا بالكامل.
وعبر حسابه في الفيسبوك، رأى أن التقديرات الأميركية تشير إلى أن إثيوبيا في طريقها إلى التفكك، لذلك غيرت موقفها من التسوية وبدأت تستجيب أكثر للمواقف المصرية، وبأنها تريد أن تقول لمصر إن هناك ضوءا في نهاية النفق ولا يجب التسرع في العمل العسكري.
فيما تتمثل النقطة الثانية -بحسب رسلان- في الموقف السوداني الذي يشهد انقساما وعدم وضوح لرؤية مكتملة حول العمل العسكري، في الوقت الذي يعد فيه السد أكثر خطورة على السودان من مصر، حسب اعتقاده.
