مشروع طموح تعترضه مشاكل جمة.. ما قدرة العراق على إعادة بناء مفاعلاته النووية؟
المشروع سيساعد العراق على فتح أبواب علاقات واسعة مع بعض الدول وإثبات نفسه أنه بلد متقدم، ويرى فيه أنه يمثل ثقلاً سياسياً

يسعى العراق لإنشاء مفاعلات نووية للأغراض السلمية، أبرزها توليد الكهرباء، وهو يعاني عجزاً كبيراً في هذا الجانب بعد أن أنفق مليارات الدولارات خلال الأعوام المنصرمة دون أن يحرز أي تقدّم فيه، وقد أثيرت ردود فعل كبيرة في ظلّ وجود حزمة تعقيدات أمنية واقتصادية وصحية يعاني منها هذا البلد.
ويبقى السؤال الأكثر جدلاً: هل من رسائل مبطنة من هذه الخطوة وسط الصراع الإيراني الأميركي المحتدم على أرض بلاد الرافدين، وهل ممكن أن يُحارب المشروع من الدول المجاورة أم لا؟

شروط وطرق
والهيئة العراقية للسيطرة على المواد المشعّة بصدد تحديد 20 موقعاً أوليًا لاختيار أفضل اثنين من بينها للبدء في تنفيذ البرنامج النووي السلمي، بوضع المواصفات العامة، ومن ثم ستُستَخدَم طرق الإسقاطات العلمية المعتمدة عالمياً لاختزالها إلى 5 مواقع، على أن يُحَدَّد اثنان منها فقط، واحد أصيل والآخر بديل.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوجرت عملية الاختيار بطريقتين علميتين دقيقتين من خلال معادلات تفاضلية وترجيحية، الأولى طريقة "كيني" والثانية تدعى "سايت" أو القيمة المفردة، وباستخدام نموذج المعلومات الجغرافية "أرك جي آي إس إنفو" (INFO) / ArcGis) وهي على وشك الانتهاء من التقرير الخاص باختيار الموقع وإرساله إلى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.
ويعتمد الاختيار على مرحلتين بالأهداف نفسها، في كل مرحلة تكون الدقة أعلى لتقليص أعداد الأراضي المرشحة، وصولاً لتحديد الموقع بشكل أدق، وهناك مرحلة أخيرة وهي التقييم الأمني، وتشمل الأولى الأهداف الفنية ومتطلبات الاختيار والتقييم والنظر في موضوعات التوزيع السكاني الذي يفضل أن يكون أقرب تجمّع سكاني يبعد 2.5 كيلومتر من الموقع، وألا يزيد عدد سكان المنطقة على 500 شخص في الكيلومتر المربع الواحد، ولا يزيد التجمّع السكاني على 65 ألف نسمة على بعد 30 كيلومترًا.
وأما بخصوص الطبيعة الزلزالية للمنطقة والهزات الأرضية، فيجب أن تكون الأرض خالية من الصفائح التكتونية، ولم تسجّل أي هزة أرضية أكثر من 2 ريختر خلال 50 سنة الماضية. كما يجب أن تكون أرضًا منبسطة وتربة ثابتة غير منجرفة مع السيول، ولا يوجد ارتفاع أو جبل أو هضبة كبيرة أو وادٍ لمسافة 20 كيلومترًا بعيدا عن الموقع، لأن الارتفاعات مع الأمطار قد تسبّب انجراف سيول عارمة من المياه على الموقع، ويُفضّل ألّا يزيد ارتفاع الموقع على 340 متراً فوق مستوى سطح البحر لحسابات غليان وتبخر مياه المفاعل.
السعي للتخصيب
وينفق العراق شهرياً كل مقدراته الغازية ونحو 20% من مقدراته النفطية لإنتاج الكهرباء، وستتضاعف هذه النسبة، كما يقول رئيس هيئة السيطرة على المواد المشعة الدكتور كمال حسين، إلى الضعف عام 2030، ولن يكون للعراق بعد سنواتٍ من الآن أي مواد للتصدير غير النفط، مع تضاعف الخسائر، بالإضافة إلى أن الزيادة السنوية في البلد تقدر بنسبة 15% دون أن تكون هناك أية معالجة لهذه الفجوة، وهي في زيادة مستمرة سنوياً وستصبح 23% عام 2030.
ولا يسعى البلد للتخصيب بهذه الخطوة كما تفعل إيران حالياً مما يوجد مشكلة كبيرة في حال حدوثها -حسب رئيس هيئة السيطرة على المواد المشعة- وإنما سيبقي مفاعلاته النووية سلمية، وتؤخذ الوقود بنسبة تخصيب تتراوح بين 4 و4.5%، ولا يمكن أن يؤدي ذلك أبداً إلى الاستخدامات غير السلمية، بالإضافة لعدم التدخل في القضايا التعدينية لليورانيوم.
ولا يؤيد الدكتور حسين -في حديثه للجزيرة نت- اللجوء إلى استخدام الطاقة الشمسية التي تعتبر طاقة مساعدة وليست بديلة، عازياً السبب إلى عملها في الليل دون النهار، مشدداً في ذات الوقت ضرورة إيجاد بدائل مصادر أخرى من خلال وضع إستراتيجية متكاملة.
وعن الكلفة المالية للمشروع، يقول المسؤول العراقي إن سعر المحطة -بسعة كيكاواط واحد وتعمل بالنفط- هو مليار دولار، وسعر الوقود سنوياً حوالي 500 مليون، وسعر المفاعل بنفس السعة 3 مليارات، وسعر الوقود السنوي 20 مليون تقريبا. ولا يزيد عمر محطة الكهرباء التي تعمل بالنفط على 20 سنة بينما عمر المفاعل أكثر من 60 سنة.

القرار الوطني
بدوره يقر المحلل السياسي الدكتور إحسان الشمري بعدم إمكانية أن تكون هذه الخطوة خارج الإطار السلمي وارتباطها بالقيود العالمية تجاه البلد، لأن بعض الجهات التي تسيطر على مصادر القرار بالعراق قد تكون موالية لبعض الدول الأخرى، واصفاً الأمر بـ "الخطر جداً" مما يعني أن المجتمع الدولي وحتى دول الجوار لن يسمحوا بامتلاك العراق المفاعلات النووية غير السلمية بل سيكون مقيّداً وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وعلى عكس رئيس هيئة السيطرة على المواد المشعة، يبدو الشمري غير متفائل أبداً بهذا المشروع لعدم توفر الإمكانيات الضرورية المطلوبة، ويصفه بأنه "طويل الأمد" وسيبقى مجرّد أفكار يصعب تطبيقها بهذه الأجواء.
ورغم عدم تفاؤله فإن الشمري يقر بالانعكاسات الإيجابية للمشروع في زاوية منه بالنسبة للعراق، وتحديداً الاقتصادية، وستعززه في القطاعات الصناعية وتحديداً الكهرباء ومجالات الطاقة الأخرى أكثر من أي جانبٍ آخر وما يرتبط بالبنى التحتية.
ويعدّ الشمري هذا المشروع رسالة واضحة بأن البلد له القدرة على إنشاء مشاريع مهمة، ومحاولته أن يكون أكثر اعتماداً على قدراته في قضايا الطاقة وابتعاده عن إيران فيما يتعلق باستيراد الطاقة.
ويقول أيضا إن المشروع سيساعد العراق على فتح أبواب علاقات واسعة مع بعض الدول التي قد تكون مسؤولة عن عملية إرساء هذه المفاعلات النووية وإثبات نفسه أنه بلد متقدم، ويرى فيه أنه يمثل ثقلاً سياسياً.

محاربة المشروع
من جانبه يؤكد الشيخ حسين الفايز عضو لجنة النفط والطاقة والثروات الطبيعية بمجلس النواب صعوبة نجاح المشروع بوجود الظروف الحالية أبرزها العجز المالي وعدم استقرار الأمن مع انتشار السلاح المنفلت، ويقول إن المشروع سيُحارب من قبل عدة دول منها جوار العراق.
ويتأسف -في حديثه للجزيرة نت- على خسارة العراق العقول والخبرات العلمية والكفؤة بهذا المجال بعد أن قتل العديد منهم بالإضافة لهجرة آخرين، مع وجود الطموح لإنشاء مثل هذه المشاريع الرائدة بتصنيع محلي، نافياً في ذات الوقت أن يكون لإيران أية صلة أو علاقة بمشروع المفاعلات النووية العراقية.