التقارب الصيني الروسي في مواجهة أميركا.. هل يتطور إلى تحالف؟

شهدت علاقات الولايات المتحدة مع كل من روسيا والصين توترا حادا خلال الأيام الأخيرة، تجاوزت حدود التصريحات إلى مستوى رد الفعل الدبلوماسي، وصولاً إلى تحركات عملية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي.

وفي ظل تلك الأجواء، جاءت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى بكين مؤخرا، التي استمرت ليومين عقد خلالها سلسلة من الاجتماعات مع المسؤولين الصينيين؛ لتبرز مجددا التساؤلات حول طبيعة العلاقات الصينية الروسية، وإلى أي مدى سيدفع الضغط الأميركي الجانبين لمزيد من التقارب؟ وهل من سياق إستراتيجي لها؟ أم أن ما يفرقهما أكبر مما يجمعهما؟

علاقات متنامية

توصف العلاقات الصينية الروسية بأنها معقدة، حيث شهدت تاريخاً من التقلبات بين التحالف والتنافس وحتى النزاعات المحدودة. ومع ذلك، تشهد العلاقات بين الجانبين تطوراً متنامياً في السنوات الأخيرة على المستوى الاقتصادي والتنموي بالدرجة الأولى، والسياسي والعسكري بدرجة أقل.

فمؤشرات العلاقة الاقتصادية بين الجانبين تسير في اتجاه إيجابي، حيث ازداد التعاون بينهما سواء على المستوى الثنائي أو في الأطر الإقليمية والدولية التي ينتميان إليها، ويبرز ذلك بتوقيع اتفاقيات الشراكة الإستراتيجية، والتعاون الرقمي، وإطلاق مشاريع البنية التحتية الداخلية والمشتركة، وتعزيز قطاع المشاريع المالية المشتركة، والغاز الطبيعي، بالإضافة لمشاريع الممرات البرية والبحرية كمشروع "ممر بحر الشمال".

فعلى سبيل المثال، يعد مشروع "خط قوة سيبيريا" الذي وقع الجانبان على إنشائه، عام 2014، وتبلغ قيمته 400 مليار دولار، لتصدير الغاز الروسي نحو الصين، واحداً من أكبر مشاريع الطاقة في شرق آسيا، حيث يهدف لتوريد 38 مليار طن سنوياً من الغاز الروسي إلى الصين لمدة 30 عاماً، وفق إطار زمني متفق عليه بين الجانبين.

أضف إلى كل ذلك وجود مئات الآلاف من العمال الصينين الذين يعملون في مشاريع البنية التحتية في روسيا.

أما على المستوى السياسي فقد استطاع الجانبان تجاوز خلافات أساسية ومهمة بينهما، وخاصة حول النزاع الحدودي، حيث وقع الجانبان اتفاقا لترسيم الحدود بينهما عام 2008.

كما تشهد كل من بكين وموسكو وتيرة متزايدة للزيارات المتبادلة واللقاءات على مستوى الرؤساء وتوقيع اتفاقيات التعاون المشترك.

وعلى المستوى العسكري، شهدت العلاقة بين الجانبين تطورات مهمة تمثلت بسلسلة من المناورات العسكرية المشتركة. حيث شهد العام 2016 مناورة كبرى تدربت فيها قوات روسية وصينية على عمليات استيلاء على جزر في بحر جنوب الصين.

كما شهد العام 2018 مناورة "الشرق" وهي الأكبر في تاريخ روسيا. وفي العام 2019 أجرى الجانبان مناورة مشتركة فوق بحر شرق الصين الشرقي وبحر اليابان.

بالإضافة إلى ذلك، استوردت الصين أسلحة ومعدات عسكرية روسية بقيمة 26 مليار دولار ما بين 1992 و2006. كما جرى مؤخرا، توقيع صفقات عسكرية ستشمل تزويد الصين بأحدث منظومات التكنولوجيا العسكرية الروسية، وتنوي الصين استخدامها لتعزيز سيطرتها على بحر جنوب الصين.

وعلى الساحة الدولية، تشهد العلاقة زيادة ملحوظة في التضامن، وهو ما يبرز في مجلس الأمن، خاصة في مواجهة سياسة العقوبات الغربية، والرغبة في الحد من تأثير التفرد الأميركي بقيادة العالم.

ويشترك الجانبان في رفضهما للتدخل الغربي في المجال الحيوي الخاص بهما في مناطق شرق آسيا وجنوب شرق آسيا والقوقاز وشرق أوروبا.

وبالإشارة إلى التعاون في مواجهة نهج العقوبات، فقد واجه الجانبان بشكل مشترك عقوبات تستهدفهما، فضلا عن العديد من الدول الأخرى، كميانمار وإيران وسوريا وفنزويلا وليبيا والسودان، بل وعملا على جعل العقوبات الأميركية فرصة للتمدد الاقتصادي والتجاري.

وبالنظر إلى تداخل المجال الحيوي الخاص بكل من روسيا والصين، فقد عمل الجانبان على ضمان أمن واستقرار مساحات التقاطع، وتجنب نمو بؤر للتوتر العرقي أو الديني.

epa05161915 The first Chinese cargo train, to be used following Iran-China joint efforts to revive the Silk Road, arrives in Tehran, Iran, 15 February 2016. Reports said the 32-containers train, each with a capacity of 40 square feet, arrived in Tehran after a 14-day journey from northwestern China. Chinese President Xi Jinping introduced the ‘Silk Road Economic Belt’ in 2013 to improve the infrastructure linking China to Europe through Central Asia. EPA/STRINGER
قطار الشحن الصيني الذي وصل إلى إيران مرورا بآسيا الوسطى يثير مخاوف روسيا من إحياء طريق الحرير التاريخي (الأوروبية)

تخوفات متبادلة

ورغم التنامي الكبير للعلاقات بين الجانبين، فإنه لا يلغي "التعقيد"، إذ إن هنالك محدودية لا يمكن تجاوزها، وتخوفات متبادلة، بالإضافة لفجوة كبيرة في المقومات، وهو ما يبقي على التباين في الرؤية الإستراتيجية للقوتين حاضرا في أذهان صناع القرار والمهتمين.

وبالنسبة لروسيا، فإن هناك جملة من التخوفات حول مستقبل العلاقة مع الصين، تستند إلى التنافس بينهما في آسيا الوسطى، ومنطقة الشرق الأقصى.

ففي آسيا الوسطى، يتسارع إيقاع التمدد الصيني في منطقة نفوذ روسية تقليدية، وفي الشرق الأقصى تراقب موسكو بارتياب طبيعة تسلح الصين، التي تملك أكبر قوة دبابات في العالم، وهو ما يعطي إشارة بأن العقل الإستراتيجي الصيني ما زال يعتبر أن الجوار البري هو مصدر التهديد الرئيسي، بينما تظهر معظم تحديات الصين الأمنية والإستراتيجية من البحر.

وتظهر مشكلة الروس بشكل واضح في التباين الديموغرافي على جانبي الحدود بمنطقة سيبيريا، حيث يعيش 120 مليونا على الجانب الصيني، بتشجيع من بكين، مقابل أقل من 15 مليون روسي على الطرف الآخر.

كما أن طموحات بكين في القطب الشمالي تشكل مصدراً آخر للقلق في موسكو. ورغم أن الأخيرة هي من استجلبت اهتمام الصين بالمنطقة، فإن لهجة القادم الجديد تتصاعد حول "حقوق" له هناك.

وفضلا عن المخاوف الإستراتيجية، فإن موسكو لا تريد أيضا أن تتحوّل إلى مجرد مصدر للموارد الطبيعية، في حين أن استثمارات بكين لا تتجاوز 3% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في روسيا.

وفي الاتجاه الآخر، تمتلك الصين تخوفات تتعلق بطبيعة النخبة الحاكمة الروسية وتوجهاتها المستقبلية، وخاصة الجناح الليبرالي الغربي في أروقة صنع القرار بموسكو.

وفي المشهد الحالي للعلاقة، يلعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ دوراً محورياً. لكن الصين ترى أن التحولات في النخبة الروسية تبتعد عن توجهات بوتين الحالية.

تباين في القوة

يعد التباين في المقومات بين الجانبين أحد أهم تحديات العلاقة، وخاصة من الجانب الصين التي ترى أن السوق الروسية محدودة مقارنة بالأسواق الغربية والآسيوية.

فروسيا، التي يبلغ عدد سكانها عُشر سكان الصين (147 مليون نسمة مقابل 1.4 مليار نسمة)، ويمثل حجم اقتصادها أقل من عُشر نظيره الصيني (1.6 تريليون دولار مقابل 17 تريليون دولار) لا يمكنها مجاراة الصين.

كما أن طبيعة الاقتصاد الصيني المعتمد على الصناعات المحلية والتجارة الخارجية يختلف في بنيته عن الاقتصاد الروسي الذي تشكل فيه قطاعات الطاقة والبتروكيماويات ركيزة أساسية.

وعسكريا لا يمكن لروسيا ولا الصين دعم الاحتياجات الإستراتيجية للطرف الآخر. فالتهديد الأساسي الذي يواجه الصين قادم من البحر، والقدرة البحرية الروسية محدودة وغير قادرة على تلبية الاحتياج الذاتي وسد ثغراته.

وعلى سبيل المثال؛ يتطلب الوصول من ميناء روسيا الآسيوي الرئيسي، فلاديفوستوك، إلى الصين؛ المرور بالطرق البحرية التي تسيطر عليها اليابان والولايات المتحدة.

وفي المقابل، فإن التهديدات الرئيسية التي تواجه روسيا هي بالأساس تهديدات برية. وقدرة الصين على إرسال قوات إلى المناطق ذات الاهتمام الروسي محدودة، وليس لدى موسكو حاجة ملحة لقوات برية إضافية.

وعليه، ورغم تعدد المجالات التي يمكن للجانبين أن يساعد فيها الآخر، مثل العتاد العسكري أو تقنيات الحروب الإلكترونية، فإنها ليست كافية لنصف العلاقة بأنها تحالف حقيقي.

التأثير الأميركي.. ضغط يولد تقارباً

تعد سياسات الضغوط والعقوبات الأميركية تجاه الصين وروسيا أحد أهم العوامل التي أدت لدفع الجانبين إلى تعزيز علاقاتهما وإنشاء أطر ثنائية وإقليمية وحتى دولية رديفة للأطر التقليدية.

غير أن هذا العامل ليس كافياً لتفسير العلاقة بين الجانبين. فالحاجة الصينية للطاقة والسلاح والطرق والأسواق، والحاجة الروسية للبضائع والأيدي العاملة والتكنولوجيا الصينية، نشأ عنها تطور في العلاقة بدأ منذ نحو عقد ونصف. كما أن عوامل أخرى تتعلق بأمن واستقرار المجال الحيوي المشترك والحدود المشتركة الهائلة بين الجانبين تجعل من تطور العلاقات بينهما متاحاً على الدوام.

تباين في العلاقة مع أميركا

لدى كل من الصين وروسيا معادلة خاصة للعلاقة مع الولايات المتحدة، فالاعتمادية المرتفعة بين الأخيرة والصين تحتم على بكين نهجا متوازنا تجاه "السوق الكبرى" لبضائعها.

إن إستراتيجية الصين التنموية والاقتصادية تعتمد بشكل كبير على قدرتها في الاندماج بالاقتصاد العالمي، وخصوصا قدرتها على الوصول إلى السوق الأميركية.

كما أن للولايات المتحدة تأثيراً كبيراً في المجال الحيوي الصيني، خاصة في شرق آسيا وجنوب شرق آسيا، وبرز ذلك مؤخرا بإحياء واشنطن مجموعة "QUAD"، التي تضم كذلك اليابان وأستراليا والهند، وجميعها قوى بحرية محيطة بالصين.

وعقدت واشنطن سلسلة من الاجتماعات مع حلفائها المناهضين للصين قبل لقائها مع مسؤولين من الأخيرة في ألاسكا، الأمر الذي بدا وكأنه رسالة لبكين حول طبيعة المرحلة القادمة، التي تعيد فيها إدارة جو بايدن التوازن لعلاقاتها مع حلفائها التقليديين في آسيا.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التوتر سيحكم المستقبل القريب للعلاقة بينهما. فالتوترات الدبلوماسية يتراجع تأثيرها مقابل حجم المصالح المشتركة، ورغبة أحد الأطراف الأقل، وهو الصين، بتجنب التصعيد والصدام المباشر مع الآخر.

أما على مستوى العلاقة مع روسيا، فإن سلوك إدارة بايدن الأولي يشير إلى أنها تتجه لاعتبار روسيا التهديد الخارجي الذي يجب التركيز عليه والضغط عليه في المدى القريب.

فالاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الأخيرة، والتحركات الروسية في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا والقوقاز ستكون مادة في متناول واشنطن لممارسة ضغوط وفرض عقوبات على موسكو.

وهنا، فإن الاعتمادية التجارية التي تحكم العلاقة الأميركية الصينية لا وجود لها في حالة روسيا، بل يقابلها إدراك أميركي بأن موسكو تمثل الحلقة الأضعف في المعادلة بين القوى الثلاث، وأن التأثير على طبيعة العلاقة بين الصين وروسيا مدخله ممارسة مزيد من الضغط على الأخيرة وإفقادها ميزاتها الاقتصادية والأمنية الجاذبة لبكين.

وفي الوقت ذاته، وبحسب وزير الخارجية الصيني، فإن العلاقات مع أميركا هي في أسوأ مراحلها، والضرر الذي ألحقته إدارة دونالد ترامب وما ترتب عليه من تعزيز عدم الثقة قد يحتاج لوقت وجهد كبيرين من قبل بايدن لإصلاحه.

ويعني ذلك أن قدرة بايدن على إحداث تأثيرات كبيرة وحاسمة في مسار العلاقات الصينية والروسية مشكوك به ويتطلب عوامل أخرى غير متوفرة حتى الآن. وهذا يعني أيضاً أن أحد عوامل التقارب الصيني الروسي، وهو الضغط الأميركي، ما زال قائماً.

التأثير على النظام الدولي

ورغم تأثير تنامي قدرات الصين وروسيا وتطور العلاقة بينهما، على شكل النظام الدولي الحالي، وعلى دور الولايات المتحدة بالتحديد في قضايا الأمن العالمي والأمن المالي والنظام الاقتصادي، فإنه من المبكر الحديث عن تحولات جذرية يقودها تحالف بين الصين وروسيا في بنية النظام الدولي. فلا الصين، ولا روسيا بطبيعة الحال، ولا العلاقة بينهما، تملك الأهلية لإحداث تحولات جذرية في بنية النظام الدولي.

وتنتمي ظاهرة تطور العلاقات الصينية الروسية إلى نظرية تنامي قوة إقليمية، لا أقطاب دولية. كما أن توصيف طبيعة النمو الصيني وتصاعد دور بكين في السياسة الدولية يختلف عن طبيعة الدور الروسي وحجم تأثيره الحالي والمستقبلي، نظرا لفارق المقومات بين الجانبين.

Chinese President Xi Jinping and Russian President Vladimir Putin attend a welcome ceremony outside the Great Hall of the People in Beijing, China June 8, 2018. REUTERS/Jason Lee TPX IMAGES OF THE DAY
التقارب الروسي الصيني تحكمه المصالح القريبة أما على المدى الإستراتيجي فالتنافس يحكم العلاقة بينهما (رويترز)

خلاصة

على المستوى القريب والمتوسط، يتوقع أن يستمر المسار التصاعدي للعلاقات الروسية الصينية. وكما دفعت عقوبات ترامب الجانبين نحو التقارب أكثر، يتوقع أن تفعل الإدارة الديمقراطية الحالية الشيء نفسه، حيث تظهر السياسات الأولية وما صدر من تصريحات عن إدارة بايدن أنها تضع على رأس أولوياتها مواصلة الضغط على الصين وروسيا ومحاولة التأثير على العلاقة بينهما.

أما على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى، والذي يتجاوز مواجهة الضغوط الأميركية، فمن المتوقع أن يواجه مسار العلاقات بين الجانبين تحديات تتعلق بالتنافس الإستراتيجي على النفوذ في المجال الحيوي المشترك، والتباين في طبيعة القوة ومستقبلها، والتحولات البنيوية التي قد تحدث في النخبة الحاكمة الروسية ما بعد بوتين.

لا يظهر حتى هذه اللحظة ما يؤشر على وجود دور دولي منافس للولايات المتحدة، فذلك يحتاج لتحولات إستراتيجية في بنية الصين العسكرية والاقتصادية والسياسة الخارجية، الأمر الذي يحتاج لعقود من التقدم المستمر، وهو أمر لا يرتبط كثيرا بالعلاقات مع روسيا، ولكن قد تكون تلك العلاقة من العوامل المؤثرة فيه.

كما أن التقارب الصيني الروسي الناشئ في ظل الضغط الأميركي على الجانبين لا يشير لتحولات جذرية وإستراتيجية في طبيعة العلاقة، يقود إلى تشكل تحالف متماسك في مواجهة الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة