الإجابة "نعم ولا".. هل يوجد تلفزيون حكومي في أميركا؟

وجود تلفزيون تموله الحكومة الفدرالية في الولايات المتحدة لا يعني أنه قناة تعكس الموقف الرسمي للبيت الأبيض، فأميركا ليس فيها تلفزيون حكومي

حفظ

رغم ازدحام الفضاء الأميركي بالقنوات التلفزيونية فليس في الولايات المتحدة وسيلة واحدة تمثل موقف البيت الأبيض (مواقع التواصل)

تُعد خدمة "بي بي سي" (BBC) الإخبارية إحدى أهم العلامات التجارية البريطانية وأشهرها حول العالم وداخل المملكة المتحدة. أما في الولايات المتحدة، فرغم وجود مئات المحطات التلفزيونية الأميركية، فلا تمتلك الدولة تلفزيونا رسميا يجتمع عليه من أراد أن يستمع إلى رأي واحد يمثل الصوت الرسمي لأميركا. كما تتبنى التلفزيونات الأميركية الربح التجاري بوصفه محركا أساسيا ورئيسيا وراء وجودها، وتمتلك شركات أميركية كبرى كل المحطات التلفزيونية الشهيرة.

وأشار تقرير صدر حديثا عن معهد رويترز للصحافة التابع لجامعة أكسفورد إلى أن 60% من الأميركيين يتوقون إلى وسيلة إخبارية محايدة ومستقلة، ويجد 56% من الأميركيين أن بي بي سي كجهة إعلامية جديرة بالثقة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ورغم أن أغلب الأميركيين يتطلعون لمتابعة أخبارًا محايدة، فإنهم لا يحصلون على ما يكفي منها. ووصف السيناتور بن ساسي (جمهوري معتدل من ولاية نبراسكا) طريقة تلقي المشاهد الأميركي الأخبار بالوجبات السريعة في أميركا. وقال ساسي إن "الطريقة التي يستهلك بها الأميركيون الأخبار وينتجونها -أو ما يمر عليهم منها هذه الأيام- تدفعنا إلى الجنون".

ودفع ذلك لانخفاض ثقة الأميركيين في وسائل الإعلام مقارنة بغيرها من الدول المتقدمة، ويثق 51% من الأميركيين في شبكات الأخبار المحلية واسعة الانتشار مثل "إيه بي سي" (ABC) و"سي بي إس" (CBS) و"إن بي سي" (NBC)، وتنخفض النسبة لتصل الثقة إلى 40% في "سي إن إن" و"فوكس نيوز" (Fox News).

وعاد سؤال غياب وجود تلفزيون أميركي رسمي للحضور بقوة، في ظل حالة الاستقطاب الشديدة المتنامية في الولايات المتحدة، التي باتت تهدد فكرة الديمقراطية ذاتها، وهو أمر عززه انحياز شاشات التلفزة تجاه أحد الحزبين السياسيين بصورة غير مسبوقة.

هل يوجد تلفزيون حكومي؟

نعم ولا؛ فهناك تلفزيون حكومي "بي بي إس" (PBS)، ويتلقى تمويله بصورة أساسية من الحكومة الفدرالية، لكنه لا يتبع خطا تحريريا يعكس من خلاله أولويات أو تفضيلات الإدارة المسيطرة على البيت الأبيض أو حزب الأغلبية في الكونغرس، وهناك إذاعة أميركية حكومية إخبارية تضاهي راديو بي بي سي، وتعرف اختصارا بـ "إن بي آر" (NPR).

إعلان

وسببت طبيعة الدولة الأميركية المركزية، وتنافس الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات على السلطات والصلاحيات في نظام اتحادي يمقت المركزية السياسية؛ صعوبة في تأسيس الحكومة الفدرالية تلفزيونا أو إذاعة يمثلان صوت الدولة الأميركية الموحدة.

وترجم بعض الفقهاء الدستوريين نص التعديل الدستوري الأول، الذي يحظر على الحكومة الأميركية إصدار أي قوانين تحد من حرية الكلام أو الصحافة؛ بأنه يعني كذلك عدم إمكانية تدخل الحكومة الفدرالية في التأثير على ميول المواطنين وتفضيلاتهم السياسية.

ومنذ عشرينيات القرن الماضي، بدأت خدمات البث الإذاعي العام تنتشر في المدن والولايات الأميركية، في حين بدأ بث التلفزيون والإذاعة العامة قبل نصف قرن، عقب تمرير قانون البث العام لعام 1967.

وفي خضم الإصلاحات السياسية المرتبطة بحركة الحقوق المدنية في نهاية ستينيات القرن الماضي، وقّع الرئيس ليندون جونسون عام 1967 قانون البث العام، الذي أدى في نهاية المطاف إلى إنشاء كل من "بي بي إس" و"إن بي آر".

وتمول محطات البث الحكومية تكلفتها من الميزانية الحكومية بنسب تتراوح بين 20% مثل ولاية فلوريدا إلى 70% كما في ولاية آلاسكا. وتجمع الشبكات المحلية التبرعات من أشخاص أو مؤسسات وجمعيات وشركات، وتكشف قوائم المتبرعين بصورة دورية.

ولا يعد "بي بي إس"  تلفزيونا إخباريا مثل "بي بي سي"، لأنه تلفزيون منوعات في الأساس، ويتضمن برامج عالية الجودة خاصة بالأطفال والفنون والرياضة والوثائقيات، إضافة إلى عدد محدود جدا من البرامج الإخبارية لا تتخطى ساعتين يوميا، ويأتي برنامج "ساعة إخبارية" (News Hour) الذي تقدمه حاليا المذيعة المخضرمة جودي وودورف بوصفه أحد أهم البرامج الإخبارية الأميركية على الإطلاق، ويبث يوميا بين السابعة والثامنة مساء بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة.

لمن يخضع الإعلام الوطني؟

وسط ساحة الإعلام الأميركي المزدحمة، تعد الإذاعة والتلفزيون العام المؤسسة الأكثر ثقة وحيادية في عرض الأخبار، وذلك رغم ما يتعرضان له من اتهامات بالتحيز للديمقراطيين.

وتشرف مؤسسة البث العام (CPB) على تقديم الدعم المالي الفدرالي بطريقة لا تؤثر على قدرة المحطة على العمل بشكل مستقل، وتمول المؤسسة حاليا 1041 محطة إذاعية عامة محلية، وأكثر من 365 محطة تلفزيونية عامة محلية.

وتنتشر شبكة الإذاعات والتلفزيونات المحلية في مختلف ولايات ومقاطعات الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات يتم البث من جامعات أو مؤسسات محلية مختلفة. وفي العاصمة واشنطن -على سبيل المثال- تبث محطة الإذاعة الوطنية من الجامعة الأميركية، ويبث التلفزيون المحلي من جامعة هاورد العريقة.

ويختلف الإعلام الحكومي الأميركي عن غيره؛ إذ إن "بي بي إس" و"إن بي آر" تعملان ككيانين منفصلين وبصورة لا مركزية، وكل كيان منهما فردي مرخص لإحدى المنظمات غير الربحية المختلفة كالجامعات أو حكومات المقاطعات أو سلطة الولاية.

ويتيح تنوع مصادر التمويل قدرة المؤسسات الإعلامية الحكومية على الصمود أمام تحديات الانحياز للحكومة الأميركية، وتحتفظ كل محطة إعلامية عامة بالسلطة التحريرية ومسؤولية اختيار البرامج التي تبثها وتقديمها ومواعيد بثها.

إعلان

وتنتج كل محطة عادة ما يقرب من 40% من برامجها الخاصة، بما في ذلك النشرات الإخبارية، والبرامج الثقافية والترفيهية، في حين يتم الحصول على الكثير من البرامج والمواد الإذاعية والتلفزيونية مباشرة من المنتجين المستقلين ومحطات الإذاعة العامة الأخرى. وبموجب القانون، يتم تقديم 95% من الاعتمادات الاتحادية التي تتلقاها مؤسسة البث العام كمنح لمحطات التلفزيون والإذاعة المحلية.

ويُكرر المرشحون الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية اقتراح إلغاء تمويل الإعلام الحكومي، الذي يُتهم بأنه يدعم الآراء والأفكار الليبرالية القريبة من الحزب الديمقراطي؛ لذلك يتعرض الإعلام الحكومي -منذ خروج خدمة البث الإذاعي والتلفزيوني للنور في نهاية ستينيات القرن الماضي- إلى انتقادات واسعة من الدوائر المحافظة ومن الحزب الجمهوري. وبذل الرؤساء: ريتشارد نيكسون، ورونالد ريغان، وجورج بوش الابن، ودونالد ترامب، جهودا مختلفة لإلغاء أو خصخصة مؤسسة البث العام من خلال التشريعات الاتحادية، ولم تنجح جهودهم حتى الآن.

المصدر: الجزيرة

إعلان