معظمها في مواقع حفظ الوثائق والعقود.. ما الأيادي الخفية التي تقف وراء الحرائق في العراق؟

عام 2021 سجل نحو 31 ألف حالة حريق في عموم مناطق العراق، وهي الأكبر وتعدّ قياسية مقارنةً بالأعوام الأخرى، وتصدّرت العاصمة بغداد محافظات البلاد

فرق الدفاع المدني أثناء محاولة إخماد حريق اندلع بموقع تابع لإحدى الوزارات العراقية (الجزيرة)

بغداد- تكرار سيناريو ارتفاع نسب الحرائق -التي وصلت إلى نحو 31 ألف حالة خلال عام 2021 في أقسام معينة دون غيرها، مثل تلك المتعلقة بالعقود والمشاريع الاستثمارية التي يصل حجم الميزانيات المخصصة لها إلى ملايين الدولارات، بالإضافة إلى بعض الأماكن التجارية المعروفة- يرجح وجود دوافع سياسية واقتصادية وشخصية تقف وراءها، للتغطية عليها ومنع كشف الفساد فيها، أو لضرب الخصوم أيضاً، بحسب مراقبين.

وبالإضافة إلى الخسائر المادية التي تُسببها الحرائق، فإنها أوقعت حتى الآن المئات من القتلى والجرحى، ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية تكشف ذلك، فإن الحريق الذي حدث في مستشفى الناصرية جنوبي البلاد في يوليو/تموز الماضي، يعدّ الأكبر حتى أنه أودى بحياة أكثر من 100 شخص وعشرات المصابين.

سلمان عزا ازدياد الحرائق إلى التجاوزات على الشبكة الكهربائية الحكومية وانتشار المولدات العشوائية (الجزيرة)

رقم قياسي

وسجّل عام 2021 نحو 31 ألف حالة حريق في عموم مناطق البلاد، وهي الأكبر وتعدّ قياسية مقارنةً بالأعوام الأخرى، وتصدّرت العاصمة بغداد المحافظات، وفقاً لمدير الدفاع المدني اللواء كاظم سلمان الذي عزا ذلك إلى زيادة التجاوزات على الشبكة الكهربائية الحكومية وانتشار المولدات العشوائية، بالإضافة إلى التسليك العنكبوتي للكهرباء داخل الأحياء السكنية.

وبالإضافة إلى عدم تطبيق شروط السلامة والأمان واستخدام متحسسات الحريق الصادرة من مديرية الدفاع المدني مع تجاهل المواطنين لمستلزمات الإطفاء، فإنّ استخدام ما تُسمى "ألواح الساندوج (الصاج المجلفن) العازلة للحرارة والبرودة" -في بناء المخازن والأسواق التجارية والمنازل، وهي مادة سريعة الاشتعال بطبيعتها، منع مجلس الوزراء تداولها- في مقدّمة الأسباب التي زادت من نسب الحرائق في البلاد، كما يقول سلمان للجزيرة نت.

إعلان

وبلغت نسب الحرائق في القطاع الخاص وتحديداً الأسواق والمحال التجارية ومحطات تعبئة الوقود والمنازل نحو 70% -حسب سلمان- وهي أكثر بكثير من التي وقعت في دوائر ووزارات الدولة، متوقعاً ازدياد النسبة خلال السنوات المقبلة لمخالفة شروط السلامة والأمان وعدم الالتزام بالتعليمات الصادرة.

باسم خشان سياسي مقرب من المحتجين
خشان: الدوافع السياسية والمنافع الشخصية سبب رئيسي في وقوع نسب كبيرة من الحرائق (الصحافة العراقية)

دوافع سياسية

وتُرجع التقارير الجنائية، الصادرة من الجهات الحكومية المعنية بهذا الأمر، أغلب الحرائق إلى تماسِ كهربائي، مع وجود نسبة قليلة منها تكون لأسباب أخرى، مثلاُ أن تكون وقعت بفعل فاعلٍ لأغراض ودوافع سياسية، ومنها لإتلاف الملفات الخاصّة بالمشاريع والخدمات الاستثمارية، خوفاً من كشف الفساد فيها.

غير أن المُرشّح الفائز في الانتخابات الأخيرة باسم خشّان يرى في الدوافع السياسية والمنافع الشخصية سبباً رئيساً في وقوع نسب كبيرة من الحرائق، لاسيما تلك التي تحدث في الأقسام والغرف الخاصة بالملفات والأوراق المعنية بالعقود الاستثمارية داخل وزارات ومؤسسات ودوائر الدولة.

ويُشير خشان -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الفساد المشتري في هذه الدوائر يدفع إلى حرق هذه الملفات لتكون وسيلة للتغطية على الأدلة التي تثبت تورط جهات معيّنة متهمة بالفساد في مشاريع وعقود استثمارية، ويؤكد أنها تحدث بفعل فاعلٍ لاسيما من المستفيدين من هذه المشاريع والمتورطين بالفساد في ذات الوقت.

وكانت جهات نقابية عمالية ونواب اعتبروا أن بعض الحرائق "مفتعلة" لاسيما تلك التي وقعت في مساحات زراعية واسعة، وجاءت لاختلاق أزمة اقتصادية وزعزعة الأمن الغذائي العراقي.

وكشف رئيس لجنة الزراعة والأهوار في مجلس النواب المنحل سلام الشمري -في وقتٍ سابق- عن وجود ما وصفه بـ "مخطط خارجي" تنفذه أدوات داخلية بهدف إبقاء العراق مستورداً للمحاصيل الزراعية، من خلال حرق مزارع الحنطة والشعير في عدّة مناطق بعد الاعلان عن وصول البلاد للاكتفاء الذاتي من الشعير، وأن العراق سيبدأ بالتصدير قريباً.

الموسوي يرى أن تركز الحرائق في أقسام أرشفة وحفظ الوثائق والعقود يعني وجود أيادٍ خفية تحاول إخفاءها (الجزيرة)

تقصير حكومي

وأكثرُ ما يُثير شكوك والتساؤل أيضاً لدى مدير مركز القرار السياسي حيدر الموسوي هو تكرار الحرائق في بعض الوزارات والدوائر الحكومية وأقسامٍ مُحدّدة، وتحديداً الخاصّة بأرشفة وحفظ الأوراق المالية والوثائق والعقود المتعلقة بالمشاريع والخدمات، وهذا ما يعني وجود أيادٍ خفية تقف وراءها، وقد تكون هي المسؤولة عن هذه الملفات وتُحاول إخفاءها، في محاولةٍ منها لحمايتها من المساءلة القانونية من الجهات المعنية، مثل هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين وغيرهما.

ولا يخفي الموسوي وجود عمليات رشاوى وفساد مالي وإداري من قبل بعض الجهات الحكومية الرسمية بمنحها موافقات لتشيد أماكن تجارية وخصوصاً في الأسواق التجارية الضخمة دون وجود شروط ومتطلّبات الأمان والسلامة فيها، مستشهداً بذلك ما حدث من حرائق في مستشفيات كان السبب الأكبر في وقوعها هو الإهمال والتقصير الحكومي.

إعلان

ويتفق مع ما ذهب إليه مدير مديرية الدفاع المدني بازدياد الحرائق خلال السنوات المقبلة، ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن الصراعات السياسية تدفع بعض الأطراف لافتعال حرائق في أماكن معينة لضرب الجهة المخاصمة لها، ومنها ما يحدث في بعض الوزارات عندما تتسنمها جهة سياسية جديدة بعد أن كانت بيد جهة أخرى، في محاولةٍ منها لإخفاء بعض الملفات المتعلقة بالعقود والمشاريع الاستثمارية والاقتصادية.

السياسة والنشاط التجاري

من جانبه، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد السلامي إن السياسة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة النشاط التجاري في البلاد، والكثير من الأحزاب والشخصيات السياسية تملك أنشطة تجارية واقتصادية واستثمارية، وهذا ما يزيد من نسبة وقوع بعض الحرائق عمداً بسبب التنافس التجاري السياسي بينهم.

لكنّ اللافت -في حديث الباحث الاقتصادي للجزيرة نت- ما يُشير إلى افتعال بعض الحرائق في المؤسسات والأماكن التجارية التي تستورد البضائع والسلع التجارية من قبل مالكيها، وذلك لغرض حصولهم على التعويضات من شركات التأمين الوطنية.

ويشير السلامي إلى بعض الخروقات الأمنية والتجاوزات العشوائية، وتحديداً في الأسواق والأماكن التجارية، ويعدها سبباً رئيساً في وقوع الحرائق، سيما وأن جزءاً واسعاً منها تحدث في مناطق التي يوجد فيها مواد التحميض والأصباغ التي تستخدم في المواد البتروكيميائية.

 

المصدر: الجزيرة

إعلان