تلاسن مصري غربي بشأن حبس النشطاء.. هل للقاهرة حسابات أخرى؟

حبس الناشطين علاء عبد الفتاح (يمين) ومحمد الباقر أثار انتقادات دولية للقاهرة (مواقع التواصل الاجتماعي)

القاهرة- أظهرت السلطات المصرية موقفا صارما وصلبا تجاه التصريحات الأميركية والألمانية الأخيرة بشأن محاكمة عدد من نشطاء المجتمع المدني المعروفين، واعتبرتها تدخلا غير مقبول في شؤون القضاء المصري الذي وصفته بـ"المستقل والنزيه".

وعلى مدى الأيام القليلة الماضية، تأجج سجال نادر بين القاهرة من جهة وواشنطن وبرلين من جهة أخرى، عبر إصدار بيانات شديدة اللهجة من الأطراف الثلاثة، لكنها في نهاية المطاف لم تتعدَّ كونها مجرد بيانات ولم تسفر عن أي تغيير في الموقف الراهن لملف حقوق الإنسان بمصر.

فلماذا قررت مصر اللجوء إلى لغة وصفها البعض "بالصدامية" في ردها على ما أسمته بالتدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، فهل لها حسابات أخرى؟ وهل ما صدر عنها هو بمثابة السير في عكس الاتجاه الدولي بشأن ملف حقوق الإنسان المثير للجدل، في ظل اطمئنانها لأوضاع البلاد واستقرارها داخليا وخارجيا؟

لا سياسة في القضاء

وقبل أيام، رفضت وزارة الخارجية المصرية، انتقادا أميركيا لقضاء بلادها بعد إصداره أحكاما بالسجن وغرامات مالية بحق نشطاء سياسيين، وذلك بعد يومين من جدل مماثل مع الخارجية الألمانية بشأن القضية ذاتها.

جاء ذلك في تعليق للمتحدث باسم الخارجية أحمد حافظ، ردا على سؤال حول انتقاد الخارجية الأميركية لحكم قضائي بالسجن فترات متفاوتة بحق كل من الناشط السياسي البارز علاء عبد الفتاح، والمحامي والناشط الحقوقي محمد الباقر، والمدون محمد إبراهيم المشهور باسم "أكسجين".

وكان المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس أعرب، الاثنين الماضي، عن خيبة أمل بلاده جراء أحكام بالسجن أصدرها القضاء المصري بحق عدد من الناشطين السياسيين، وقال: إن واشنطن ناقشت مع القاهرة قضايا حقوق الإنسان بشكل مستمر، وأبلغتها أنه يمكن تحسين العلاقات بين البلدين إذا حققت تقدما في ملف حقوق الإنسان.

في المقابل، رفض المتحدث باسم الخارجية المصرية الشرط الأميركي، وقال: "لا يجوز تناول مثل تلك المسائل القضائية في أي أطر سياسية، أو ربطها بمسار العلاقات بين البلدين، لما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات غير مبررة".

وتبرر السلطات المصرية رفضها لمثل تلك التصريحات بأنه "ليس من المناسب إطلاقا التعليق بأي شكل على أو التطرق إلى أحكام تصدر من القضاء تنفيذا لقوانين واستنادا لأدلة وأسانيد دامغة وقاطعة في إطار مسار قضائي عادل ونزيه ومستقل"، بحسب بيان الخارجية المصرية.

وفي السياق ذاته، كانت ألمانيا قد دعت قبل جلسة النطق بالحكم -عبر بيان سفارتها بالقاهرة- السلطات المصرية إلى إطلاق سراح النشطاء الثلاثة، وقالت إنه "لا يجوز معاقبة المحامين على ممارسة نشاطهم المهني، وإن حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي"، وهو ما ردت عليه الخارجية المصرية بالرفض، حيث عدته تدخلا سافرا في الشأن الداخلي للبلاد.

مطالب دولية مشروعة

في هذا الإطار، اعتبر رئيس مركز الحوار المصري الأميركي الدكتور عبد الموجود الدرديري، أن "التصريحات الغربية الأخيرة ليست تدخلا، لأن الدول الكبرى لها مشروعية دولية عندما يتعلق الأمر بوجود انتهاك واسع لحقوق الإنسان في بلد ما، خاصة أنها موقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن النظام الحالي يتمتع بتأييد اللوبيات القوية والضاغطة في الولايات المتحدة، ومن الخطأ تفسير هذه التصريحات بأنها تمس سيادة مصر".

وفي تصريحات للجزيرة نت، أضاف الدرديري أن هناك حقا آخر لتلك الدول، فهي التي دعمت هذا النظام واستمرت في دعمه اقتصاديا وعسكريا وغضت الطرف عن "الكثير من الانتهاكات المروعة التي وثقتها منظمات دولية ومحلية، وأدانها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، مشيرا إلى أن هذه المطالب الغربية متأخرة ولكنها أفضل من الالتزام بالصمت.

وقال الدرديري إنه كان يتمنى "أن تتصف الإدارات الغربية بالحيادية والعدل في المطالبة بالإفراج عن جميع المعارضين في السجون، وبلا شروط ودون تمييز على أساس حزبي أو عقائدي أو غيره"، معتبرا أن "هذه الضغوط سوف تؤتي أُكلها إن آجلا أم عاجلا، فهذا النظام أتى بدعم خارجي في المقام الأول، ولذلك سيأخذ في الاعتبار تلك المطالب" بحسب تعبيره.

مواقف أميركية متذبذبة

من جهته، يعتقد مدير الأبحاث في مبادرة الحرية (مقرها واشنطن) عمرو أحمد، أن "السياسات الأميركية المتذبذبة على مدار السنوات الماضية تجاه مصر، تصور لصانع القرار المصري أن ملف حقوق الإنسان ليست مهما بالنسبة لها".

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد أحمد أن المطالبة بالعدالة والحرية للمعتقلين ظلما هي مطالبة مشروعة دائما بغض النظر عن الطالب، معتبرا أن "قرارات القضاء المصري مسيسة وتفتقر لمعايير المحاكمة العادلة، والحديث عن نزاهة القضاء يجب أن يأخذ حيزا أكبر بين المطالب الموجهة للنظام وفي النقاش العام"، بحسب تعبيره.

من جانبه، رفض مدير مركز شهاب لحقوق الإنسان خلف بيومي، القول إن الضغوط الغربية لم تنجح، لافتا إلى أن كل السوابق أكدت عدم قدرة السلطات المصرية على رفض طلبات الغرب، ضاربا المثال بقضايا عدة مثل الإفراج عن الناشطة آية حجازي تنفيذا لطلب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

واعتبر بيومي أن الموقف المصري الأخير هو إجراء مؤقت لحفظ ماء الوجه، وقد يكون سببه هو بيان الخارجية الألمانية الذي سبق جلسة الحكم.

إشارات متناقضة

يأتي هذا التوتر في الملف الحقوقي، في الوقت الذي أرسلت السلطات المصرية العديد من الإشارات الإيجابية خلال الفترة الماضية، لكنها ظلت محدودة الأثر من خلال إطلاق إستراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان، وإلغاء حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ أكثر من 30 عاما، والإفراج عن عدد محدود من نشطاء المجتمع المدني، كان آخرهم الباحث الحقوقي باتريك جورج بعد عامين من اعتقاله.

وتواجه القاهرة انتقادات محلية ودولية بشأن حبس المعارضين والتضييق عليهم داخل السجون، وتراجع الحقوق والحريات العامة، غير أنها تنفي مثل تلك الاتهامات، وتؤكد على أنها تحترم القانون والدستور في ما يتعلق بملف الحقوق والحريات.

ونظرا لتلك الإشارات المتناقضة، وصف عضو حزب المحافظين المصري مجدي حمدان، رد بلاده بالتصادمي، قائلا "كان لا بد أن يكون هناك رد سياسي محنك على تلك التصريحات، وأرى أن التعنت الموجود حاليا يرجع إلى موقف إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن من الرئيس السيسي".

وفي تصريحات للجزيرة نت، رفض حمدان ما اعتبره تعنتا من جانب السلطات المصرية مع الموقف الدولي، مضيفا أنه لا يجب أن يكون ملف المحبوسين ورقة مساومة ولا خطوة تكتيكية، كما ينبغي ألا ننسى أن هناك موقفا غربيا ضد مصر من مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني قبل عدة سنوات، وكان ينبغي أن تكون هناك حنكة سياسية في التعامل مع مثل هذه القضايا.

وعزا السياسي المصري غياب هذه الحنكة إلى أن منهجية السلطات حاليا، ليست منهجية سياسية ودبلوماسية في التعامل مع الاتهامات القادمة من الغرب في ملف حقوق الإنسان، ولكن ما حدث هو سجال والضد بالضد، لافتا إلى أن العالم الغربي يعتبر أن ما يجري محاكمة للرأي في مصر وليس لأشخاص بعينها وتمس الحقوق والحريات، ويتناقض مع الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقها الرئيس السيسي.

الخوف من الانفجار

وبدوره، قال المحامي بالنقض وعضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان المصري سابقا، ممدوح إسماعيل، "بلا شك إن حالة الاستبداد السياسي تقلق الغرب، لكن ليس من الاستبداد ذاته وإنما خشية أن يؤدى الاحتقان إلى انفجار ثوري يطيح بالنظام المصري ومصالح الغرب".

واعتبر إسماعيل في حديثه للجزيرة نت، أن النقد الغربي ليس موجها إلى نظام السيسي، ولكنهم حريصون على استقرار مصالحهم في المنطقة، فهم يطالبون بالتنفيس فقط للنشطاء العلمانيين واليساريين والليبراليين، وليس للغالبية المعارضة من الإسلاميين، بحسب وصفه.

وأشار المحامي الذي يقيم خارج مصر حاليا، إلى أن رد القاهرة هو رسالة بأن الاستبداد هو الأصلح لحكم مصر، والجدال السياسي يتم حله في الغرف المغلقة وتحكمه المصالح الخاصة في نهاية المطاف.

المصدر : الجزيرة