التنازل عن براءات اختراع لقاحات كورونا.. هل ينجح بايدن في معركته مع لوبي الشركات المصنعة؟

يجادل الخبراء حول حقوق براءات اختراع لقاح كورونا وما يمكن للبيت الأبيض الإقدام عليه، في ظل رفض شركات الأدوية التنازل عن حقوق الملكية الفكرية وإشراك الآخرين.

أسهم شركات الأدوية الكبرى المنتجة للقاحات تنخفض كل مرة يطالب فيها بايدن بتخليها عن حقوق الملكية الفكرية (رويترز)

واشنطن- يحمّل بعض الخبراء شركات اللقاحات -مثل "موديرنا" (Moderna) و"فايزر" (Pfizer) و"جونسون آند جونسون" (Johnson & Johnson)- مسؤولية بطء عملية التلقيح في دول العالم الثالث بسبب رفضها التخلي عن حقوق ملكية براءات الاختراع لصالح الدول الفقيرة.

وهاجم هؤلاء الخبراء الإدارة الأميركية بسبب ما يصفونه بتخاذل إدارة الرئيس جو بايدن في دفع شركات الصيدلة للتخلي عن الملكية الفكرية للقاحات كوفيد-19.

حقيقة موقف بايدن

وكان بايدن دعا مرتين شركات إنتاج لقاحات فيروس كورونا للموافقة على التنازل عن حقوق حماية الملكية الفكرية للقاحات كي يتم تصنيعها حول العالم، وهو ما يتيح توفيرها بأسعار رخيصة أو بالمجان لأكثر من نصف سكان الأرض ممن لم يتلقوا أي تلقيح بعد ضد فيروس كورونا.

وجاءت المرة الأولى التي نادى فيها بايدن بالتخلي عن حقوق حماية الملكية الفكرية في مايو/أيار الماضي، وهو ما أدى لشن تلك الشركات هجوما حادا عليه، والتي نجحت في إبعاد القضية عن مناقشات الرأي العام الأميركي المتعلقة بمواجهة الفيروس.

دعوات بايدن للتخلي عن براءات اختراع اللقاح تأتي في وقت ترتفع فيه نسب الإصابة بكورونا أو متحوراته (رويترز)

ومع استمرار تفشي المتحور أوميكرون خلال الأسابيع الماضية، جدد بايدن دعوته، عقب إلغاء اجتماع كان مقررا للدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية بجنيف، ويرجع إلغاؤه إلى المخاوف من الإصابة بالمتحور الجديد.

وقال بايدن في بيان أصدره البيت الأبيض "الأنباء بشأن السلالة الجديدة يجب أن توضح أكثر من أي وقت مضى سبب عدم انتهاء هذه الجائحة إلا بعد أن يكون لدينا لقاحات متوافرة عالميا".

وجاءت دعوات بايدن، في الوقت الذي ترتفع فيه نسب الإصابة بفيروس كورونا أو متحوراته التي بدأت بدلتا ووصولا لأوميكرون داخل وخارج الولايات المتحدة.

واعتبر بايدن ما يتعرض له العالم "أزمة صحية عالمية، وظروف استثنائية تستدعي اتخاذ تدابير استثنائية". وعلى الرغم من إيمان الإدارة الأميركية بقوة بحماية الملكية الفكرية، فإنها تعلن عن تأييدها للإعفاء من تلك الحماية الخاصة بلقاحات كوفيد-19.

وتنخفض أسهم شركات الأدوية الكبرى المنتجة للقاحات، وعلى رأسها شركات فايزر وموديرنا وجونسون آند جونسون، بنسب كبيرة كل مرة يطالب فيها بايدن بتخليها عن حقوق الملكية الفكرية.

Moderna biotechnology company
شركات أدوية عبرت عن رفضها إيقاف حقوق الملكية الفكرية للقاحات كورونا (الأناضول)

لوبي قوي معارض

وأعربت هيئة البحوث الصيدلانية والمصنعين عن معارضتها الصريحة لدعم إدارة بايدن للتنازل عن حماية الملكية الفكرية. ويضم أعضاء المجموعة التجارية صانعي اللقاحات وكبار شركات تصنيع الدواء في الولايات المتحدة.

وقال المدير التنفيذي للهيئة ستيفن أوبي "في خضم وباء مميت، اتخذت إدارة بايدن خطوة غير مسبوقة من شأنها تقويض استجابتنا العالمية للوباء وتقويض السلامة. هذه الدعوات ستزرع البلبلة بين الشركاء من القطاعين العام والخاص، مما يزيد من إضعاف سلاسل الإمداد المتوترة بالفعل، ويعزز انتشار اللقاحات المزيفة".

من جهة أخرى، شنت مجموعة الضغط التي تمثل العديد من شركات الأدوية الكبرى، خلال الصيف الماضي، حملة ضد رغبة الرئيس بايدن بدعم التنازل عن حماية الملكية الفكرية للقاحات كوفيد-19.

وصممت جمعية "فارما" (PhRMA)، وهي جماعة ضغط تمثل مصالح أكثر من 30 شركة أدوية، حملة إعلانات رقمية على منصات فيسبوك وغوغل وتويتر تستهدف رغبة بايدن، وتطالبه بالتراجع عن دعوته بالتنازل عن حماية الملكية الفكرية للقاحات.

وأصدرت الجمعية بيانا جاء فيه "تلتزم شركات البحوث الصيدلانية الحيوية بتحقيق فرص متكافئة في جميع أنحاء العالم للحصول على لقاحات كوفيد-19، ولهذا السبب نقوم بتثقيف متخذي القرار والمواطنين حول جهودنا المستمرة لزيادة العرض من اللقاحات لمواجهة الطلب العالمي. نقوم بتثقيف الساسة كذلك حول مخاطر التنازل عن حماية الملكية الفكرية، والحاجة إلى معالجة القضايا الحقيقية التي تدفع إلى عدم المساواة في توزيع اللقاحات".

وتظهر تقارير أن الجمعية مارست ضغوطا على المكتب التنفيذي للرئيس وكذلك وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بشأن "قضايا الملكية الفكرية الدولية وسياسات الوصول إلى الأسواق".

وتشير بيانات صادرة عن مركز السياسات المتجاوبة (Center for Responsive Politics) إلى إنفاق فارما ما يزيد على 30 مليون دولار خلال النصف الأول من هذه العام، في حملتها الرافضة للتخلي عن الحقوق الفكرية لإنتاج اللقاحات، في وقت أنفقت فيه أكثر من 25 مليونا عام 2020.

دعم عالمي

وتطالب منظمتا الصحة العالمية والتجارة العالمية دول العالم بالتوصل سريعا إلى تفاصيل اتفاق لتخفيف القواعد المتعلقة بحماية الملكية الفكرية للقاحات. وتقود الهند (منبع متحور دلتا) وجنوب أفريقيا (منبع متحور أوميكرون) جهود تخفيف حقوق الملكية الفكرية، ولو مؤقتا، والتي تحول دون زيادة إنتاج اللقاحات في البلدان النامية.

وأشاد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بموقف بايدن واعتبره "لحظة هائلة في الحرب ضد كوفيد-19 تعكس القيادة الأخلاقية للبيت الأبيض في الكفاح من أجل إنهاء الوباء".

معوقات عملية وقانونية

جادل الخبراء حول حقوق براءات الاختراع، وما يمكن للبيت الأبيض الإقدام عليه. واعتبر الكثير من المعلقين أن الحقوق الفكرية للقاحات ليست العقبة الرئيسية أمام إنتاج المزيد من اللقاحات للدول التي بأمس الحاجة إليها. ويشير البعض أيضا إلى أن مثل هذه الاتفاقات يمكن أن تضر بحوافز الشركات على الابتكار خلال الأوبئة في المستقبل.

وهاجمت كليتي وليامز، المحامية السابقة في مكتب الممثل التجاري الأميركي، رغبة بايدن بخصوص حقوق اللقاحات، وقالت "هذه خطوة خاطئة كبيرة من جانب إدارة بايدن. ما سيحدث لن يزيد توزيع اللقاحات وستعم قدرة الصين على مواجهة الابتكار الأميركي لتعزيز أهدافها الدبلوماسية المتعلقة باللقاحات".

وأضافت "الحل الأكثر انسجاما لإدارة بايدن يتمثل في تحسين القدرة التنافسية للولايات المتحدة، والحفاظ على فرص العمل في أميركا من أجل إنتاج وتصدير المزيد من اللقاحات الأميركية".

من ناحية أخرى، أكدت خبيرة قانونية في حديث مع الجزيرة نت أن "الإدارة الأميركية ليس لها صلاحيات دستورية أو قانونية تستطيع من خلالها إرغام أي شركة خاصة على التخلي قصرا عن حقوقها الفكرية الموثقة قانونيا".

وأشارت الخبيرة، التي طلبت عدم ذكر اسمها أو جهة عملها، إلى أنه في بعض الحالات الاستثنائية كالحروب أو الكوارث الكبرى، يمكن للبيت الأبيض الضغط واستغلال وزنه السياسي لإرغام هذه الشركات على التخلي عن حقوقها الفكرية. وفي بعض الحالات يحدث ذلك بهدوء عن طريق تقديم حوافز مالية ضخمة، وهو ما لم تعرضه إدارة بايدن على هذه الشركات حتى الآن.

المصدر : الجزيرة