هل تقبل السلطة الفلسطينية بحلول اقتصادية على حساب الحل السياسي؟

سوليفان (يسار) أكد لعباس التزام واشنطن بحل الدولتين دون أن يوضح خطوات عملية للدفع بهذا الاتجاه (رويترز)

رام الله- شهدت الأسابيع الأخيرة حراكا سياسيا واتصالات فلسطينية أميركية، دون أن تسفر عن تقدم في الملف السياسي بفتح مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الاحتلال، مقابل تقدم ملحوظ في الملف الاقتصادي واستئناف المساعدات الأميركية.

ويتمسك الفلسطينيون في لقاءاتهم مع المسؤولين الأميركيين بعدة مطالب، هي بمثابة وعود أطلقها الرئيس الأميركي جو بادين في حملته الانتخابية، وبينها: خطوات عملية وفتح مسار سياسي لتحقيق حل الدولتين، والضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، وإعادة فتح القنصلية الأميركية شرقي القدس التي أغلقها الرئيس السابق دونالد ترامب عام 2018.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

وفي وقت يستمر فيه تجميد تلك الملفات، جرى اجتماع اقتصادي مشترك منتصف ديسمبر/كانون الأول الجاري، تخلله الإعلان عن مشاريع أميركية، بعضها قيد التنفيذ وأخرى ستنفذ خلال السنوات الخمس القادمة، في وقت دعا فيه مسؤولون إسرائيليون لدعم السلطة الفلسطينية خشية انهيارها.

من هنا، يبرز السؤال: هل سيقبل الفلسطينيون بالحلول الاقتصادية والأمنية على حساب الحل السياسي؟ ورغم إجابة المستوى الرسمي الفلسطيني بالنفي، فإن محللين يرون أن ما يجري على الواقع لا يوحي بأفق سياسي، وإنما هي حلول اقتصادية وأمنية لا أكثر، في وقت يفتقد فيه الفلسطينيون على مستوى القيادة لأي خيار.

مطالب فلسطينية

كان آخر اللقاءات الأربعاء الماضي، إذ استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس -في مقر الرئاسة بمدينة رام الله- مستشارَ الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان والوفد المرافق له، وفق وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية.

وتحدث عباس لضيفه عن "ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين، ووقف النشاطات الاستيطانية، ووقف اعتداءات وإرهاب المستوطنين، وأهمية احترام الوضع التاريخي في الحرم الشريف، ووقف طرد السكان الفلسطينيين من أحياء القدس، ووقف اقتطاع الضرائب وخنق الاقتصاد الفلسطيني".

إعلان

في حين جدد سوليفان تأكيده على التزام بلاده "بحل الدولتين، وأهمية العمل المشترك من قبل جميع الأطراف للمضي قدما لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة".

والثلاثاء التقت القائمة بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى يائيل ليمبرت بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبحثت معه العلاقات الأميركية الفلسطينية ودعم حل الدولتين.

ومن جهته، قال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة -أمس الخميس، لإذاعة صوت فلسطين الرسمية- إن موقف الرئيس الفلسطيني كان "في منتهى الوضوح"، وإنه ينتظر وفاء الرئيس الأميركي بما وعد به.

ولفت إلى أن عباس أشار لضيفيه إلى أن الفلسطينيين أمام استحقاقات سياسية كبرى، من بينها انعقاد المجلس المركزي قريبا (أواخر يناير/كانون الثاني القادم)، وعليه لا بد أن تكون الأمور السياسية واضحة.

ورغم وصفه موقف الإدارة الأميركية بالإيجابي، فإن أيا من وعودها لم ينفذ، بحسب أبو ردينة.

وفي 20 يناير/كانون الثاني المقبل، يتم الرئيس الأميركي جو بايدن عاما في البيت الأبيض.

اجتماع مشترك

وفي ‏14 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلنت الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية -في بيان مشترك- تجديد الحوار الأميركي الفلسطيني الاقتصادي، عبر اجتماع مسؤولين من الجانبين عبر الإنترنت.

وذكر البيان أن الاجتماع -وهو الأول من نوعه منذ 5 سنوات- شارك فيه وزراء ومسؤولون رفيعو المستوى من الجانبين، وناقش "مجالات التعاون الاقتصادي الحالية والمستقبلية".

وفي حينه، قال وزير الاقتصاد الفلسطيني خالد العسيلي لإذاعة صوت فلسطين الرسمية إن الولايات المتحدة استأنفت مساعداتها للسلطة الفلسطينية، وتنفذ مشاريع في الأراضي المحتلة بقيمة 75 مليون دولار، وأعلنت عن خطة لمشاريع أخرى بقيمة 250 مليون دولار سنويا، ولمدة 5 سنوات اعتبارا من عام 2022.

دعم خشية الانهيار

وجاء الاجتماع الاقتصادي في وقت يدعو فيه مسؤولون إسرائيليون إلى دعم السلطة الفلسطينية؛ خشية انهيارها.

ففي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن "إسرائيل" طلبت من إدارة بايدن الضغط على الدول العربية والأوروبية لزيادة المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها خوفا من انهيارها وفي محاولة لمنع حدوث تدهور أمني في الضفة لاحقا.

وتكررت ذات الدعوة على لسان رئيس الشاباك رونين بار، إذ نقلت صحيفة معاريف عنه في 11 ديسمبر/كانون الأول الجاري عنه أن السلطة الفلسطينية في وضع اقتصادي وحكومي صعب، وأن هناك مخاوف من انهيارها.

إعلان

وأضاف: "على إسرائيل أن تعمل على تعزيز وتقوية السلطة"، لأن تعزيزها مهم للاستقرار في الضفة الغربية وإضعاف حركة "حماس".

والمخاوف ذاتها كررها وزير التنمية الإقليمية عيساوي فريج من حزب ميرتس الذي تحدث عدة مرات عن الخوف من انهيار السلطة.

ليس بديلا

وينفي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف أن يكون المسار الاقتصادي بديلا للمسار السياسي لدى القيادة الفلسطينية.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت: "لا يمكن أن يكون الحديث عن مسار اقتصادي بديلا عن المسار السياسي".

وتابع أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حاول الترويج لحل اقتصادي، وتحدث عن مليارات، وعقد مؤتمرا لهذا الغرض في البحرين لكنه فشل، وفق تعبيره.

عضو في اللجنة المركزية لمنظمة التحرير نفى أن يكون المسار الاقتصادي بديلا للمسار السياسي لدى القيادة الفلسطينية

وقال: "المطلوب فتح أفق سياسي لإنهاء الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، ووقف مختلف أشكال الجرائم ضد الشعب الفلسطيني".

واعتبر أبو يوسف الترويج لحلول مثل تخفيف حدة الصراع، كما يريد رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت، أو إدارة الصراع، كما تريد الإدارة الأميركية، "لا يمكن أن يرتقي لمستوى ما هو مطلوب من أجل إنهاء الاحتلال".

وقال إن "الزيارات المتتابعة والحديث عن حل اقتصادي مضيعة للوقت ولا يمكن أن يقود لاستقرار المنطقة".

لا أفق ولا خيارات

أمام هذا الواقع، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخليل بلال الشوبكي إن الولايات المتحدة اتجهت -منذ فشل مباحثات كامب ديفيد عام 2000- إلى رؤية تعتمد مسارين فقط: أمني، واقتصادي.

وفي حين يعتمد الخيار الأمني على "خلق جسم وظيفي للسلطة يتكامل مع الرؤية الإسرائيلية للنواحي الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة"، فإن المسار الاقتصادي "يعني خلق أنماط اقتصادية لا تنسجم مع أي مشروع تحرري بالمنطقة".

وأشار إلى مطالبة إسرائيل لبعض دول الإقليم بإسناد السلطة ماليا، في وقت تعلن فيه الحكومة الإسرائيلية أنها لا يمكن أن تتواصل مع السلطة الفلسطينية إلا في سياق أمني أو اقتصادي.

ولا يرى الشوبكي أي قيمة لحديث الولايات المتحدة عن التزامها بحل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، بسبب استمرار الاستيطان وجلب أكثر المستوطنين تطرفا إلى الضفة، بحيث يكون الصراع القادم بين المستوطنين والفلسطينيين.

ويقول الأكاديمي الفلسطيني إنه "لا يوجد ما يجبر الولايات المتحدة على تنفيذ التزاماتها تجاه الفلسطينيين".

ويأخذ الشوبكي على القيادة الفلسطينية افتقادها لأية خيارات، ويقول "القيادة الفلسطينية الحالية لمنظمة التحرير والسلطة لا تتبنى أي مسار بديلا عن المسار الحالي".

وقال إن التلويح بقطع العلاقة مع إسرائيل أو باجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير أواخر الشهر القادم "مكرر وغير مجد، ولن يكون فيه جديد، ولا يمكن أن يشكل أداة ضغط، ما لم يكن مسبوقا بطرح توافقي فلسطيني". ودعا الشوبكي إلى "تقديم رؤية فلسطينية موحدة للعالم ليدرك أن لدينا خيارات".

محاولة إشغال

من جهته، يرى المحلل السياسي نعمان عمرو أن التحركات الأميركية بالمنطقة لا تتجاوز البعد الاقتصادي، مع محاولة إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وعدم ممارسة ضغوط حقيقة على الاحتلال لوقف انتهاكاته بما فيها الاستيطان.

وأضاف أن البعد السياسي لن يتجاوز الوضع القائم حاليا، باعتبار أن "الحكومة الإسرائيلية الحالية هشة، ويمينية متطرفة غير قادرة على تمرير أي قانون له علاقة بأي اتفاق سياسي مهما كان".

وبالتالي يقول عمرو: "إنهم يشغلون الفلسطينيين بالدعم الاقتصادي عن المطالب السياسية التي لها علاقة بوقف الاستيطان والثوابت المعلن عنها".

المصدر: الجزيرة

إعلان