في السلم والحرب.. 9 أمور تأخذها روسيا بالاعتبار في أوكرانيا

مهما ساءت العلاقات بين السلطات في موسكو وكييف، وانعكست توترا واتهامات وحتى حربا على الأرض، ومهما تعاظمت قدرات روسيا العسكرية ووسائل ضغطها السياسية والاقتصادية أمام أوكرانيا وعليها، يبقى الأكيد أن ثمة أمورا لا تستطيع روسيا تجاهلها، وتأخذها في الاعتبار قبل اتخاذ أي قرار في الشأن الأوكراني.

وبجمع آراء السياسيين والمثقفين، على مدار السنوات القليلة الماضية، وفي كلا البلدين، يمكن إبراز الأمور الآتية:

"كييف روس" و"المدينة الأم"

لعل التاريخ المشترك هو أول هذه الأمور، فالعاصمة كييف الحالية كانت مهدا لحضارة مملكة "كييف روس" بين القرنين التاسع والـ13 الميلادي، التي انتشرت لاحقا في ما يعرف حاليا بدول أوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا.

ولا تزال هذه الدول الثلاث تعدّ كييف "المدينة الأم" لعواصمها وبقية مدنها؛ حتى إن الرئيس الأوكراني الحالي، فولوديمير زيلينسكي، سخر من اعتداء الروس على أراضي بلاده في 2014 (عندما كان ممثلا كوميديا)، متساءلا -آنذاك- عن السبب الذي يدفع الروس إلى "اغتصاب أمهم".

العرق السلافي

وفي سياق متصل، يقرّ الجانبان بأن مملكة "كييف روس" كانت أساسا جامعا للعرق السلافي المنتشر في هذه الدول الثلاث، ولا تستطيع أي منها إنكاره.

ولطالما تحدث المسؤولون، خاصة قبل تفاقم الأزمة في 2014، عن أن العرق السلافي أساس "أخوة" تاريخية بين شعوب دولهم، وأساس كل علاقات وتطلعات مشتركة.

المذهب المسيحي الأرثوذكسي

وهنا يبرز عامل آخر، هو أن هذه الشعوب انتقلت معا من الوثنية إلى المسيحية في القرون الوسطى، وتحديدا إلى المذهب الأرثوذكسي الذي يجمع معظمها.

ورغم أن الكنسية الأرثوذكسية الأوكرانية أعلنت استقلالها وإنهاء التبعية لبطريركية موسكو في نهاية 2018، فإنها لم تنجح في ضمّ جميع كنائس البلاد تحت لوائها.

الحقبة السوفياتية

ومن العوامل التاريخية المشتركة أيضا نحو 70 عاما من وحدة البلدين والشعبين في إطار الاتحاد السوفياتي السابق.

هذه الحقبة تعدّ محل جدل كبير في أوكرانيا حاليا، في ظل التوتر مع وريثة الاتحاد الرئيسة روسيا، والمزاج العام يعدّها حاليا "حقبة استعمارية ألغت الهوية الأوكرانية على حساب هيمنة موسكو".

إلا أن هذه الحقبة تركت معظم ما لدى أوكرانيا من قدرات عسكرية وصناعية وبنى تحتية، وهي قدرات من المؤكد أنه لا مصلحة لروسيا بخسارتها أو تدميرها.

المساحة والسكان

وثمة حقيقة أخرى لا بد أن روسيا تعرفها جيدا، هي أن أوكرانيا ثاني أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة، بنحو 603 آلاف كيلومتر مربع، ومن ثم فكسبها إلى صفها مفيد، وخسارتها سيئة، والسيطرة على كامل أراضيها بالقوة صعبة.

وعلى أراضي أوكرانيا يعيش نحو 42 مليون نسمة، الأمر الذي يصعب على روسيا أكثر فكرة الغزو والسيطرة بالقوة.

نظرة العداء

ويقود تعداد السكان إلى حقيقة برزت بعد احتلال القرم وتغذية الحراك الانفصالي في شرق أوكرانيا منذ 2014، مفادها أن النظرة السائدة في أوكرانيا حاليا ترى روسيا "دولة معادية".

وقد أظهرت نتائج استطلاع حديث للرأي، أجرته مؤسسة "مجموعة التقييم"، أن نسبة 72% من الأوكرانيين ترى روسيا "عدوة"، ونسبة 12% فقط تعدّها "حليفة".

وعلى خلفية هذا الواقع الجديد، ظهرت في السنوات الثماني الماضية كثير من المواقف والتصريحات وحتى الأغاني، المشحونة بعبارات التخوين والسباب، والطعن بـ"الأخوة" التي جمعت الشعبين، ولم تمنع حرب البلدين.

الأقليات الموالية للغرب

ومن الأمور الاجتماعية الأخرى التي تدركها سلطات أوكرانيا (من دون حديث علني عنها)، وتعرفها روسيا، وجود أقليات عرقية في مناطق الغرب الأوكراني، مرشحة لتكون أساس توتر مع الغرب، أو حتى حراك انفصالي، على غرار حراك الشرق.

تبرز كمثال هنا الأقلية المجرية في منطقة زاكارباتيا، التي كانت لغتها ومناهج تعليم أبنائها أسباب توتر كبير بين كييف وبودابست في السنوات القليلة الماضية، فضلا عن وجود أقليات بولندية ورومانية وبيلاروسية.

غضب ومقاومة واستنزاف

وعلى أساس ما سبق، يرى محللون أن أي اعتداء روسي عسكري على أوكرانيا، وعلى كييف تحديدا قد يقابل بموجة غضب داخلي في الشارع الروسي، وبمقاومة كبيرة لدى نظيره الأوكراني، وأن سلطات الكرملين تضع هذا في حساباتها.

للجزيرة نت، تقول نتاليا خارتشينكو، الخبيرة في معهد كييف الدولي لعلوم الاجتماع، إن "سياسات الكرملين نسفت معظم ما هو جميل مشترك، بدءا من التاريخ حتى الاقتصاد، وأعتقد أن الأمور بلغت بين البلدين نقطة اللاعودة بعد 2014، وأن روسيا لن تستطيع استعادة أوكرانيا إلا بالقوة".

وتضيف في هذا الصدد "استخدام القوة ممكن جزئيا، كما رأينا في احتلال القرم والدونباس، لكن الاحتلال الشامل يعني بالضرورة مقاومة عسكرية وشعبية كبيرة، وموقفا دوليا أقوى تجاه روسيا، وبالمحصلة يعني استنزافا لجميع قدرات روسيا ومكانتها السياسية والعسكرية والاقتصادية".

وحسب استطلاع للرأي أجراه معهد كييف الدولي لعلوم الاجتماع، تبيّن أن 55% من الأوكرانيين مستعدون للانخراط في مقاومة مسلحة أو مدنية، ضد أي عدوان روسي جديد.

القوة العسكرية

وثمة عامل جديد قد لا يقل أهمية، فرغم تفوق روسيا العسكري كمًّا ونوعًا، تبرز حاليا القوة العسكرية الأوكرانية كأحد العوامل التي تأخذها روسيا على محمل الجد، لا سيما بعد تعزيزها بأسلحة تركية وغربية متطورة.

فجيش أوكرانيا اليوم يضم نحو 250 ألف جندي، في حين كان يقدر بنحو 120 ألفا في 2013، وميزانيته اليوم تبلغ نحو 6% من الناتج المحلي، في حين لم تتجاوز 1% قبل الأزمة.

وقد لمح وزير الدفاع الأوكراني، أوليكسي ريزنيكوف، صراحة إلى هذا الأمر قبل أيام، مؤكدا أن "أي عدوان روسي على بلاده سيؤدي إلى عودة آلاف التوابيت المحملة بجثث الجنود الروس إلى أمهاتهم".

وفي حديث سابق مع الجزيرة، قال فيكتور موجينكو، وهو خبير عسكري، إن "جيش أوكرانيا يحتل المرتبة الـ25 على مستوى العالم، والمرتبة العاشرة على مستوى أوروبا، بمعنى أن قوات روسيا لن تمر بسهولة أمامه إذا ما قررت الحرب، ولن تستطيع التعامل معه كتنظيم أو مليشيا".

وحسب خارتشينكو، فإن "السلطات الروسية تأخذ هذه العوامل مجتمعة على محمل الجد، لما لها من تأثير في الشارع الروسي قبل غيره، وفي نظرة الشعب إلى سلطات الكرملين في طبيعة تعاملها مع أوكرانيا، ولكننا في أوكرانيا لا نستبعد اليوم أي شيء عن تلك السلطات"، على حد قولها.

المصدر : الجزيرة