مع سعيها لتذويب الأونروا.. إسرائيل تضغط لإنقاذ السلطة من أزمتها المالية

يناقش الفلسطينيون مع الدول المانحة 3 خيارات للخروج من أزمة السلطة المالية، وهي إعادة الدعم الدولي، والضغط على إسرائيل لوقف الاقتطاع الضريبي، وإجراء إصلاحات داخلية

وزيرة الخارجية السويدية آن ليند (وسط) تشارك في رئاسة المؤتمر الدولي للأونروا في بروكسل في 16 نوفمبر 2021 مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (يمينا) ، و تخاطب ممثلي الدول الأعضاء الحضور ، مع المفوض العام للأونروا (يسار) ناظرا لها. الحقوق محفوظة للأونروا ، 2021
وزيرة الخارجية السويدية آن ليند (وسط) تشارك في رئاسة المؤتمر الدولي للأونروا ببروكسل، أمس، مع المفوض العام للمنظمة (يسار) (صورة من الأونروا)

رام الله- 116 ألف عائلة فلسطينية، هي الأشد فقرا في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم تتسلم سوى دفعة مساعدات واحدة هذا العام، من مخصصاتها التي كانت تصرفها الحكومة الفلسطينية 4 مرات سنويا، وذلك بسبب وقف الاتحاد الأوروبي دعمه لموازنة الحكومة الفلسطينية منذ بداية العام الجاري 2021.

وتراجع المساعدات الأوروبية لم يكن السبب الوحيد الذي جعل الحكومة الفلسطينية تعلن عن "أزمة مالية غير مسبوقة" قد تشل قدرتها على أداء عملها، فالدعم العربي هذا العام "كان صفرا" بحسب البيانات المنشورة، إلى جانب عدم وفاء الولايات المتحدة بإدارة جو بايدن بتعهداتها بعودة الدعم الأميركي.

ولم يتجاوز ما وصل لخزينة السلطة الفلسطينية منذ بداية العام الجاري من المساعدات الدولية 10% من قيمة التعهدات السنوية لدعم موازنتها.

ومن هذه، مليون و260 ألف دولار حوّلها الاتحاد الأوروبي، حسب بيانات وزارة المالية الفلسطينية المنشورة، من مجمل تعهدات الاتحاد التي تصل إلى 167 مليون دولار سنويا، فيما توقفت المساعدات العربية والأميركية التي كانت تصل مجتمعة إلى أكثر من نصف مليار دولار سنويا.

تضاف أزمة انقطاع التمويل الخارجي، إلى الاقتطاع المالي الصعب الذي تقوم به إسرائيل منذ 2019 من العائدات الضريبية التي تجنيها عن البضائع الفلسطينية في الموانئ بدلا عن السلطة، والتي تقدّر شهريا بمبلغ 32 مليون دولار. وتخصمها إسرائيل بحجة أنها تُصرف كمساعدات لعائلات الشهداء والأسرى الفلسطينيين.

على ضوء هذه الأزمة، بدأ رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جولة اجتماعات مع ممثلي الاتحاد الأوروبي تمكن خلالها من الحصول على تعهد بعودة دعمه، بداية العام المقبل، وأيضا صرف مخصصات العام الجاري بداية مارس/آذار المقبل.

طلب دعم استثنائي

وتحتل الظروف المالية الصعبة التي تعيشها الحكومة الفلسطينية، وسبل الخروج منها، ملفا رئيسيا خلال المؤتمر السنوي للمانحين، المنعقد في العاصمة النرويجية (أوسلو)، الأربعاء (17 نوفمبر/تشرين الثاني). كما يقول مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني للشؤون التخطيط وتنسيق المساعدات الدولية، استيفان سلامة، والذي يوجد في بروكسل لحضور الاجتماع.

وقال سلامة للجزيرة نت، إن الهدف من المؤتمر هو الوصول لانفراجة مالية تُجنّب الحكومة اللجوء إلى إجراءات صعبة ماليا في حال استمر عجز موازنتها الحالية. وأضاف "نحتاج إلى دعم استثنائي وطارئ، بالإضافة إلى عودة الدعم التقليدي إلى ما كان عليه سابقا".

وتحدّث المسؤول الفلسطيني عن خيارات ثلاثة تناقشها حكومته في المؤتمر للخروج من أزمتها وهي إعادة الدعم الدولي، والضغط على إسرائيل لوقف الاقتطاع الضريبي، وإصلاحات فلسطينية داخلية.

وعن طبيعة الإصلاحات المقصودة، قال سلامة "ندرس بعض الملفات التي تحتاج لمعالجة وتشكل عبئا ماليا علينا"، دون توضيح طبيعة هذه الملفات.

ويتزامن مؤتمر المانحين مع كشف صحيفة هآرتس العبرية الثلاثاء (16 نوفمبر/تشرين الثاني) عن طلب وزير الجيش الإسرائيلي من الإدارة الأميركية الضغط على الدول العربية والأوروبية لزيادة دعمها المالي للسلطة الفلسطينية، وذلك مخافة انهيارها وتدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية.

ويعلّق استيفان سلامة على ذلك بأنها محاولة إسرائيلية لتسويق نفسها إعلاميا، وتصدير العبء المالي على غيرها، دون دفع أي ثمن سياسي.

إسرائيل تسعى لإنهاء عمل "أونروا"

وقُبيل مؤتمر أوسلو، انطلق في العاصمة البلجيكية بروكسل، الثلاثاء، المؤتمر الدولي لمانحي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بمُشاركة 60 دولة ومنظمة دولية من بينها الولايات المتحدة.

وجددت الدول التي حضرت الاجتماع التأكيد على دور الوكالة وأهميته، وهو ما اعتبره وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، في حديث لإذاعة "صوت فلسطين" الرسمية، الأربعاء، انتصارا سياسيا، خاصة مع ارتفاع أصوات دولية تؤكد على المطلب الفلسطيني بتحويل الدعم من سنوي إلى متعدد السنوات لضمان الوضع المالي للوكالة.

في المقابل، تحدّث المالكي عن إخفاق في سد العجز المالي للوكالة، والمقدر بنحو 100 مليون دولار حتى نهاية هذا العام، حيث لا يتجاوز المبلغ الذي تعهدت به الدول 38 مليون دولار.

ويقرأ الفلسطينيون تباطؤ دعم وكالة اللاجئين في إطار التحريض الإسرائيلي لتقويض عملها وتصفيتها. وتثير هذه الحال التساؤلات حول تناقض تعاطي الإسرائيليين مع الأزمة المالية للسلطة مقابل أزمة وكالة الغوث، رغم أن كليهما مهددان بالانهيار.

فلسطين-نصر عبد الكريم-خبير مالي ومحاضر بجامعة بيرزيت (تصوير عوض الرجوب)
الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم يتوقع استئناف مساعدات المانحين للسلطة الفلسطينية قريبا (الجزيرة)

"اقتصاد مقابل أمن"

وبرأي الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، فإن تعاطي إسرائيل مع الملفين مختلف تماما. فبينما ترى في استمرار وجود السلطة مصلحة للحفاظ على استقرار الأوضاع الأمنية، وللتنسيق الأمني بينهم، تنظر إلى استمرار عمل " الأونروا" كتهديد لها.

فإسرائيل تتعامل مع السلطة وفقا لمبدأ السلام الاقتصادي "اقتصاد مقابل أمن"، ولذا فإنها لن تسمح بانهيار السلطة اقتصاديا، لأن دورها لم ينتهِ بعد بالنسبة لإسرائيل.

ومن هنا، يقول عبد الكريم إن حكومة الاحتلال تحث الأطراف الدولية لمساعدة السلطة، ولكن بشرط أن لا يؤثر هذا على التسوية السياسية للصراع ولا يخلق تغييرا بمعادلة القوى، أي "استمرار السلطة بالحد الأدنى للبقاء".

وتوقع الخبير الاقتصادي استئناف المساعدات المالية بعد مؤتمر المانحين في أوسلو، وقال إنه "قد ينجم عنه تعهدات مالية أفضل من السابق، ولكن ليس من أميركا التي ما زالت مقيدة بقانون يمنعها من مساعدة خزينة السلطة".

وبالمقابل، يشير عبد الكريم إلى سعي واضح ومعلن من إسرائيل لتذويب وحلّ وكالة "الأونروا"، لأن استمرارها، (أي استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يطالبون بحق العودة إلى فلسطين) يشكل تحديا كبيرا لوجودها.

خليل شاهين - مدير البحوث بالمركز الفلسطيني للدراسات في رام الله
المحلل خليل شاهين يعتقد أن إسرائيل خسرت معركة القضاء على وكالة الغوث (الأونروا) (الجزيرة)

خسرت معركتها أمام الأونروا

من جانبه، يقول الباحث والمحلل بمركز "مسارات" للبحوث السياسية، خليل شاهين، للجزيرة نت، إن كل الأطراف، سواء أميركا أو الدول العربية أو إسرائيل "تعلم أن أداء السلطة الفلسطينية لدورها الحالي سيحافظ على الوضع القائم، ولا أحد يريد تغيره".

وهذا ليس جديدا، برأي شاهين، فمنذ اتفاق أوسلو وفلسفة تقديم المانحين الدعم للسلطة تقوم على ذلك، ولأجل هذا يتوقع عودة التدفق المالي للسلطة قريبا.

ولكن فيما يتعلق بتمويل "الأونروا"، تختلف الحال، برأيه، فإسرائيل لا تمانع بتقديم الخدمات للاجئين، ولكن مشكلتها مع بقاء الوكالة كجسم يمثل قضية اللاجئين، لذا فهي تسعى لتغيير هذه الصفة من خلال تغيير وظائف الوكالة ووقف عملها.

لكن شاهين يعتقد أن إسرائيل خسرت هذه المعركة حتى الآن، "وهذا ما كان واضحا بحضور 60 دولة لمؤتمر بروكسل، والتأكيد على أهمية استمرار عملها، رغم عدم حل مشكلتها المالية".

المصدر : الجزيرة