بين حشود روسيا وتوتراتها مع الغرب.. كيف تستعد أوكرانيا لحرب محتملة؟

يعوّل الأوكرانيون على دعم الولايات المتحدة وحلف الناتو، خاصة في إطار مساعي البلاد الحثيثة لعضوية الحلف. ووصل هذا الدعم فعلا، إلى حد إعلان سيناتور جمهوري في مجلس الشيوخ أن الولايات المتحدة أرسلت عسكريين إلى أوكرانيا على خلفية التوتر الراهن. إلى جانب إعلان بريطانيا استعدادها إرسال 600 جندي إلى أوكرانيا خلال 36 ساعة.

كييف- في خضم التوترات والتصعيد الراهن بين روسيا والغرب، تبرز أوكرانيا مجددا كساحة رئيسية لمواجهة محتملة، لا سيما أن كثيرا من العوامل والأسباب والاتهامات الصادرة عن كلا الجانبين تحوم حولها أو توجّه إليها.

ومن ذلك التصعيد في شرق أوكرانيا الانفصالي، والمناورات والمناورات المضادة في البحر الأسود، والانتشار الروسي الكبير على الحدود الشرقية والجنوبية والشمالية، وقضية خط "نورد ستريم 2" لنقل الغاز المثير للجدل، وحتى أزمة اللاجئين على الحدود البيلاروسية البولندية القريبة، وغيرها الكثير الكثير من القضايا الفرعية.

الحشود العسكرية الروسية

تبرز الحشود العسكرية الروسية الكبيرة قرب الحدود مع أوكرانيا، كأكثر القضايا سخونة، وتذكر بالضجة التي أثارتها حشود مماثلة في أبريل/نيسان الماضي.

وحذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخرا من أن روسيا حشدت نحو 100 ألف مقاتل على حدود أوكرانيا، لكن الأولى جددت التأكيد على أنها لا تخطط لأي تدخل عسكري في الأراضي الأوكرانية، وعلى حقها في حشد أي قوات عسكرية داخل أراضيها.

استعدادات أوكرانية

يبدو أن أوكرانيا تأخذ على محمل الجد هذه "التهديدات" واحتمالات "الغزو" الروسي لأراضيها، كما يقول مسؤولون في الولايات المتحدة وحلف الناتو.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أجرى وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف زيارات مكوكية إلى عدة قواعد ونقاط تمركز عسكرية، وأعلن أن بلاده تعتزم نشر منظومات صواريخ "نبتون" (NEPTON) المضادة للسفن على حدودها الجنوبية، وشراء المزيد من الطائرات المسيّرة من تركيا.

وقالت هانّا ماليار -نائبة وزير الدفاع- إن "الجيش الأوكراني وضع في "حالة تأهب دائم" للدفاع عن البلاد، ضد اجتياح واسع النطاق، ولمواجهة أي سعي روسي للاستيلاء على مواقع في البنية التحتية الحيوية".

وأعلنت أوكرانيا -في وقت سابق- نشر نحو 8500 جندي على حدودها الشمالية مع بيلاروسيا، تحسبا لتدفق المهاجرين على المدى القصير، ولدخول الجنود الروس (أو مجموعات استطلاع تخريبية بقناع المهاجرين)، كما وصفها أحد ألوية الجيش.

دعم غربي لافت

وإلى جانب الاستعدادات المحلية، يعوّل الأوكرانيون على دعم الحلفاء في الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة وحلف الناتو، خاصة في إطار مساعي البلاد الحثيثة نحو عضوية الحلف.

وهنا تبرز حقيقة لافتة، مفادها أن تصعيد اليوم يقابل بدعم غربي غير مسبوق لأوكرانيا، ولا يقتصر -كما كان- على عبارات الدعم السياسي، ودعوات التهدئة، والتهديد بالعقوبات.

ووصل هذا الدعم حد إعلان مايك تيرنر -السيناتور الجمهوري في مجلس الشيوخ الأميركي- أن الولايات المتحدة أرسلت فعلا عسكريين إلى أوكرانيا على خلفية التوتر الراهن. إلى جانب إعلان بريطانيا استعدادها إرسال 600 جندي إلى أوكرانيا خلال 36 ساعة.

وفي هذا السياق، وصلت إلى أوكرانيا -أول أمس الاثنين- دفعة جديدة من المساعدات الدفاعية الأميركية، تضمنت قرابة 80 طنا من الذخائر، وفق السفارة الأميركية في كييف.

وذكرت وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) أن الولايات المتحدة تبحث حاليا مع حلفائها الأوروبيين الردود المحتملة، إذا اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أية إجراءات عسكرية ضد أوكرانيا، ومن بينها فرض عقوبات جديدة على موسكو، وتقديم المزيد من المساعدات الأمنية لكييف.

هذا بالإضافة إلى استمرار التدريبات بين أوكرانيا والولايات المتحدة وتركيا ورومانيا في مياه البحر الأسود، بمشاركة 7 سفن حربية، ومن بينها سفينة القيادة الأميركية "ماونت ويتني"، التي أغضب وجودها في المنطقة روسيا.

سفن تابعة لحلف الناتو تجري مناورات عسكرية مع القوات الأوكرانية في البحر الأسود خلال مارس/آذار 2021 (وكالات)

"مساعدات" للانفصاليين

في خضم هذا، يبدو أن روسيا تتعامل مع هذا الدعم بجدية أيضا، وتسارع الخطى لتحصين خطوط "الدفاع أو الهجوم" لديها. ووقّع الرئيس بوتين أول أمس الاثنين مرسوم "الدعم الإنساني" لسكان شرق أوكرانيا الانفصاليين، الأمر الذي أثار موجة تشكيك وغضب في أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو -في تغريدة على تويتر- "هذا الدعم الإنساني صفعة على وجه كل أولئك الذين سعوا بإخلاص إلى تسوية سلمية". في إشارة إلى اتهامات سابقة وجهتها أوكرانيا لروسيا، بنقل العتاد والسلاح والجند إلى الانفصاليين الموالين لها، عبر "شاحنات المساعدات".

هذا بالإضافة إلى تعزيز روسيا حجم تواجد قواتها في مناطق شمالية قريبة من أوكرانيا، بعد اختتام مناورات "زاباد 2021" (الغرب 2021) المشتركة مع بيلاروسيا؛ ولا تخفي موسكو أن ذلك "لضمان أمنها، على خلفية الإجراءات العدوانية لحلف شمال الأطلسي".

حقيقة التصعيد

مع ذلك، ورغم الكثير من التصريحات الرسمية المشككة بالنوايا، والمحذرة من خطورة التصعيد وتداعياته، تبرز أصوات معبرة عن وجهات نظر مغايرة، وإن كانت خافتة. إذ لا يرجّح الكاتب والمحلل السياسي ديمتري فورونكوف "سيناريو الغزو الروسي"، كما سمّاه، "رغم أنه يمكن توقع أي شيء من روسيا".

ولتحقيق أهدافها ضد أوكرانيا والغرب، يوضح فورونكوف للجزيرة نت، أن روسيا تستطيع دعم الموالين لها، وإثارة نزاعات داخلية وحدودية، واستخدام أسلحة الهجمات السيبرانية والهجرة، وغيرها؛ "أما خيار الحرب الشاملة، فأعتقد أنه لا معنى له بالنسبة لبوتين، ولا يحتاجه".

ويضيف المحلل "إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أوكرانيا أنكرت قبل أيام وجود حشود عسكرية روسية جديدة على الحدود، ثم انتقلت فجأة إلى التحذير منها، لا يمكن استبعاد أن ما يحدث هو أزمة مصطنعة مسرحها أوكرانيا، واستفزاز متعمد لروسيا تدفع إليه واشنطن، لخلق توتر معين، يبدو أنه يصب في مصلحتها".

وعلى حد رأي فورونكوف، ربما يريد الأميركيون تقويض ثقة الأوروبيين بروسيا، وخاصة في برلين. وبالتالي، قد تكون هذه فرصة للضغط أكثر على روسيا، والحيلولة دون زيادة نفوذها والتحالف مع الصين، من خلال تشديد العقوبات، وتجميد خط "نورد ستريم 2" (Nord Stream 2) لفترة معينة، بالتزامن مع زحف الناتو أكثر فأكثر صوب حدودها.

المصدر : الجزيرة