الحصاد لا يكفي قوت الفلاحين.. تحقيق مثير يكشف أسباب أسوأ أزمة جفاف تضرب العراق

مستوى تدفق المياه في أنهار العراق تناقص إلى أقل من 10 أضعاف، فبعد أن سجل في عام 1920 تدفقا بـ1350 متر مكعب/ثانية، بات أقل من 150 متر مكعب/ثانية في عام 2021.

فلّاحون في شمال العراق يهجرون أرضهم بسبب الجفاف An general view shows dry and cracked soil at Zawita Dam, located about 20 km from the northern Iraqi city of Dohuk in the autonomous Kurdish region, on November 12, 2021. (Photo by Ismael ADNAN / AFP)
فلاحون في شمالي العراق يهجرون أرضهم بسبب الجفاف (الفرنسية)

أوصد المزارع خميس عبّاس أبواب داره، وترك أرضه في قريته في محافظة نينوى شمالي العراق، ليقطن مع أهله في حيّ شعبي في مدينة الموصل حيث يقاسي البطالة، فبذور الحنطة لم تنبت بفعل الأمطار الشحيحة هذا، حاله هي حال العديد من فلاحي تلك الأرض الخصبة تاريخيا ممن يعانون جراء الجفاف الناجم عن التغير المناخي.

ويقول خميس (42 عاما) من إحدى مقاهي المدينة إن "زراعة القمح والشعير باتت الآن أشبه بلعبة اليانصيب"، إذ إنها "تعتمد على الأمطار التي إذا توفرت سنجني ثمار الأرض".

فلّاحون في شمال العراق يهجرون أرضهم بسبب الجفاف - الفرنسية A farmer checks soil compacted by drought on a parcel of agricultural land, on the outskirts of the town of Tel Keppe (Tel Kaif) north of the city of Mosul in the northern Iraqi province of Nineveh, on October 26, 2021. - For centuries, the province's "Fertile Crescent" was the bread basket of Iraq with its 6,000 square kilometres of arable land, said a spokesman for the agriculture ministry, but experts have warned that the dry spell and record low precipitation, compounded by climate change, are threatening social and economic disaster in the war-scarred country. (Photo by Zaid AL-OBEIDI / AFP)
المزارع خميس ترك قريته بسبب الجفاف وذهب إلى المدينة حيث يعاني البطالة (الفرنسية)

وكان الجفاف هذه السنة قاسيا وشديدا إلى حدّ غير مسبوق على مزارعي نينوى، التي تعدّ سلة خبز العراق كونها تضم مساحات زراعية شاسعة تبلغ 6 ملايين دونم وتعتمد الزراعة فيها على مياه الأمطار.

وتشرح سماح حديد من منظمة المجلس النروجي للاجئين غير الحكومية أنه مع "الانخفاض القياسي في منسوب الأمطار، وتراجع تدفق المياه" من نهريه التاريخيين دجلة والفرات إثر بناء إيران وتركيا المجاورتين سدودا، بات العراق "يواجه أسوأ أزمة جفاف في عصره الحديث".

فلّاحون في شمال العراق يهجرون أرضهم بسبب الجفاف An aerial view shows dry and cracked soil at Zawita Dam, located about 20 km from the northern Iraqi city of Dohuk in the autonomous Kurdish region, on November 12, 2021. (Photo by Ismael ADNAN / AFP)
العراق يواجه أسوأ أزمة جفاف في عصره الحديث (الفرنسية)

وعاما بعد عام، تزداد أزمة المياه في العراق مع تراجع معدلات هطول الأمطار وتمدّد الجفاف، إلى أن بات العراق البلد "الخامس في العالم" الأكثر تأثرا بالتغير المناخي بحسب الأمم المتحدة.

إلى الشمال في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، تسبّبت قلة الأمطار في جفاف سدّ زاويته كاملا، مما أدّى إلى تلف محاصيل التين والرمان في الحقول المجاورة، وألحق ضررا كبيرا بنحو 25 فلاحا مثل بهجت بازيد يوسف.

ويقول الرجل الذي يزاول الزراعة منذ 21 عاما، "بسبب جفاف السد تعرضت مزرعتي لضرر مادي كبير، فقد تلفت غالبية أشجار التين وجفت قرابة 5 إلى 6 آلاف دالية عنب".

ويعتمد السدّ على مياه الثلوج والمطار، لكن مدير الري في محافظة دهوك هيزا عبد الواحد يشرح أن "الأمطار كانت قليلة جدا الموسم الماضي".

بحيرة ساوة الشهيرة
بحيرة ساوة التاريخية جنوبي العراق تعاني انخفاضا في منسوب المياه (الجزيرة)

كثرة الزلازل

وجنوبي البلاد، جعلت الزلازل والهزات الارتدادية -التي باتت تضرب العراق منذ عامين نتيجة اختلال الطبقات الأرضية- مخزون الآبار والبحيرات ينخفض إلى مستويات خطيرة، كالانخفاض المتسارع لمنسوب بحيرة ساوة التاريخية في صحراء محافظة المثنى. فالبُحيرة الآخذة بالجفاف تغذيها مكامن مياه جوفية تمتد تحت المنطقة الغربية.

ويُفسر مدير بيئة محافظة المثنى يوسف سوادي جبار ندرة المياه في بحيرة ساوة بأن "الهزات الأرضية أدت إلى غلق القنوات والمجاري الجوفية والعيون المائية التي تغذي البحيرة"، فضلا عن "التبخر الناتج عن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة"، لذا باتت "البحيرة معرّضة للجفاف الكلي".

فمحافظة المثنى تعاني من شح مائي مزمن، ولأن غالبية سكان المنطقة يعتمدون على الزراعة، تسببت الندرة المائية في جعلهم تحت خط الفقر الوطني، لذا بدأت مجموعات ريفية تنزح عن المنطقة، بعد أن سَجل 22 موقعا في المحافظة نقصا مائيا في المناطق الأكثر نشاطا وزراعة، حيث نزحت في العام 2019 وحده 132 عائلة عن المنطقة.

ويعلّل محافظ المثنى أحمد منفي هذا الوضع بقوله "يضربنا الجفاف وقلة سقوط الأمطار منذ 10 أعوام، لذا أصبح مزارعونا عاطلين عن العمل، ولأن الدولة لم تنجح في توفير مياه كافية، ارتفعت نسبة الأمية والبطالة، وباتت مؤشرات الفقر تصل إلى 52%، وهي الأعلى بين محافظات العراق".

أما مكتب وزارة التخطيط في المثنى فيشير إلى أن نسبة بطالة الريف قد بلغت 75%، في حين انخفضت في المدينة إلى 23%، مع ارتفاع معدل حجم الأسرة الواحدة في المحافظة إلى 8 أفراد.

ومن أبرز الاعترافات على الكارثة المستقبلية ما أقرّ به رئيس الجمهورية برهم صالح بأنه "سيتضرر 7 ملايين عراقي فعليا من الجفاف والنزوح الاضطراري" جرّاء التغيرات المناخية.

ومن المفارقة أن يحتفل العراق هذا العام 2021 بمرور قرن على تأسيس دولته الحديثة بالتزامن مع تحديات بيئية تهدد وجوده، فخلال مئة عام فقط باتت منظومته البيئية على وشك الانهيار، وتناقص مستوى تدفق المياه في أنهاره التاريخية إلى أقل من 10 أضعاف، فبعد أن سجل في العام 1920 تدفقا بـ1350 متر مكعب في الثانية، بات أقل من 150 متر مكعب في الثانية في العام 2021.

وتناقصت تدفقات المياه إلى العراق على نحو متسارع ما بعد 2003، أي منذ شروع تركيا وإيران في احتكار المصادر الهيدرولوجية، فتقلصت المساحات الخضراء وتوسعت الأراضي المتصحّرة، مما أسفر عن ارتفاع عدد العواصف الغبارية في عموم البلاد والتي باتت تمتد إلى 220 يوما في السنة.

A policeman is seen at West Qurna-1 oil field, which is operated by ExxonMobil, in Basra
الميثان ينتشر في أجواء العراق بسبب الاستخراج غير النظيف للنفط (رويترز)

التلوث يُسرّع الجفاف

ولا تعترف المؤشرات البيئية الحكومية بأن العراق يسهم في مشكلة احترار المناخ العالمي، بخلاف ما تقوله وكالة الطاقة الدولية بأنه مسؤول عن حوالي 8% من انبعاثات غاز الميثان العالمية الناتجة عن استثمار النفط والغاز.

وغالباً ما تَتَجول سحب من الميثان في أجواء العراق بسبب الاستخراج غير النظيف للنفط. ففي يوليو/تموز 2021، كشفت شركة "كايروس" (Kayrros) التي تتخذ من باريس مقرا لها والتي تحلل بيانات الأقمار الصناعية لوكالة الفضاء الأوروبية لتعقب الانبعاثات، أن حقلا في غرب البصرة أطلق الميثان بمعدل 73 طنا في الساعة، عقب انبعاثين آخريْن للميثان أواسط يونيو/حزيران الماضي بمنتصف المسافة بين البصرة وبغداد، بمعدل 181 و197 طنا في الساعة. ومن أجل توضيح الأمر، فإن إطلاق 180 طنا من الميثان/الساعة يوازي احتباسا حراريا يُحدثه متوسط الانبعاثات السنوية لأكثر من 200 ألف سيارة في المملكة المتحدة، وفقاً لتعليق "بلومبيرغ" (Bloomberg) على الحادث.

وتؤكد وزارة البيئة أن البلاد تقع في قلب التأثيرات العنيفة للظاهرة التي ستؤدي في العقدين المقبلين إلى تدمير البيئة العراقية وجعلها غير قابلة للحياة بسبب الزيادة المفرطة بدرجات الحرارة، وقلة الأمطار، ونقص المياه السطحية والجوفية، واشتداد حِدة العواصف الترابية، والتصحر، وتعرية التربة، وفقدان التنوع البيئي. ويعني هذا كله تراجعا في المساحات الزراعية وتحطما لسلاسل الأمن الغذائي.

الجفاف يضرب الأهوار جنوبي العراق (الجزيرة)

هدر للثروة المائية

ويستهلك العراق ما يفوق 63% من موارده المائية على الزراعة دون أن يسد حاجته المحلية من المحاصيل، ويعتمد غالبا على الاستيراد من الخارج، مما يعني أن ثمة هدرا مائيا لا تقابله وفرة إنتاجية.

ويُشدد رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب العراقي سلام الشمري على أن تقنيات الزراعة في العراق بدائية، حيث لم تستخدم وزارتا الزراعة أو الموارد المائية التقنيات الحديثة للرّي من أجل ترشيد الاستهلاك، لذا هناك هدر كبير في المياه مع ضعف في الناتج الزراعي.

وتشكل الزراعة نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وتسهم بنحو 20% من سوق العمل، غالبا في الأرياف. وبسبب تأثيرات المناخ وتناقص المياه واشتداد النزاعات المسلحة، انخفض الإنتاج الزراعي بنحو 40% منذ العام 2014. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ثلثي مُزارعي العراق كان بوسعهم الوصول إلى مصادر الريّ قبل ذلك العام، لكن بعد 3 أعوام، انخفضت هذه النسبة إلى 20% فقط، مما تسبب أيضا في فقدان 75% من الثروة الحيوانية كالأغنام والماعز والجاموس.

وزيادة على الهدر الزراعي، يخسر العراق سنويا نتيجة التبخر لارتفاع درجات الحرارة نحو 14.7% من مخزوناته المائية، وهو معدل مرتفع جدا قياسا إلى معدلات الاستهلاك الأخرى. فبحيرة الثرثار في محافظة الأنبار غربي البلاد -وهي الخزان المائي الصناعي الأعظم في العراق- تهدر تبخرا أكثر من 50% من مياهها المخزونة. أما منطقة الأهوار وهي أكبر مسطحات مائية طبيعية وأراض رطبة تراثية في الشرق الأوسط، فيهدر منها التبخر نحو 75 متر مكعب بالثانية يوميا.

وفقاً للإدارة المحلية لقضاء سوق الشيوخ جنوب الناصرية مركز محافظة ذي قار التي احتسبت ضياع 4.5 مليارات متر مكعب من المياه جرّاء التبخر وارتفاع الحرارة في صيف 2017 فقط.

قطعان الجاموس تمشي عبر ممر مائي ضيق في منطقة الجبايش جنوبي العراق وآثار الجفاف ظاهرة للعيان (الجزيرة)

الجواميس في طور الانقراض

ويُعد الجاموس إحدى أهم الثروات النادرة لسكان الأهوار، لكنهم باتوا اليوم على وشك فقدانها إلى الأبد. فبسبب الملوحة وارتفاع درجات الحرارة، نفقت أعداد كبيرة منه. وبحسب آخر التقديرات الحكومية، فقد انخفض عدد الجواميس من 1.2 مليون رأس إلى أقل من 200 ألف.

وكافح العراق طويلا من أجل إدراج الأهوار التاريخية على لائحة التراث العالمي في 2016. ربما كانت تلك وسيلة ناعمة لضمان أكثر تدفق للمياه لحماية موقع أثري من الاندثار، لكن يبدو أن هذه المنطقة الموغلة بالقدم باتت اليوم على حافة الموت. فقد وصلت نسبة الملوحة في أنحاء مختلفة من الأهوار إلى "مستوى خطير من التلوث الفتاك نتيجة الجفاف"، مما أدى إلى "تسجيل هجرة واسعة للسكان المحليين في الأهوار الوسطى، وبات حيوان الجاموس عُرضة للانقراض"، بحسب جاسم الأسدي الاستشاري في منظمة طبيعة العراق المعنية ببيئة الأهوار.

المصدر : أوريان 21 + الفرنسية