مع قرب إعلان النتائج النهائية لانتخابات العراق.. تعرف على المسار القانوني لتشكيل الحكومة

بعد أن فاز التيار الصدري بأكثر المقاعد بالبرلمان، حسب النتائج الأولية للانتخابات، عاد الحديث عن الكتلة الأكبر، وذلك مع سعي التيار لتشكيل حكومة أغلبية مقابل محاولات أحزاب الإطار التنسيقي -الرافض للنتائج- لتشكيل تحالف يتفوق بعدد مقاعده على الصدريين.

Employees of Iraq's Independent High Electoral Commission conduct a manual recount at the Green Zone in Baghdad
جانب من عملية إعادة الفرز اليدوي للنتائج المطعون فيها بالانتخابات العراقية الأخيرة (رويترز)

مع قرب إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية العراقية، ستدخل البلاد في مرحلة التوقيتات الدستورية والقانونية لتشكيل الحكومة التي سيسبقها انتخاب رئيس مجلس النواب، فرئيس الجمهورية، ثم تكليف رئيس الوزراء.

"لا دليل قانوني يثبت أن الانتخابات العراقية قد تعرضت للتزوير" بهذه الكلمات أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان ما كانت مفوضية الانتخابات قد أعلنته منذ إغلاق صناديق الاقتراع للانتخابات التشريعية التي جرت في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مما قد يعني بالمحصلة أن المفوضية قد تعلن النتائج النهائية خلال الأيام القليلة القادمة.

التميمي: قانون الانتخابات الجديد يمنع النواب من الانتقال بين الكتل السياسية حتى تشكيل الحكومة (الجزيرة نت)

الكتلة الأكبر

نص الدستور العراقي المقر عام 2006 على أن الكتلة البرلمانية الأكبر هي التي تشكل الحكومة بعد الانتخابات، وهو ما جرى عام 2006 حيث إن جميع الأحزاب والكتل الشيعية كانت منضوية في تحالف واحد وحققت الأغلبية حينها، إلا أنها ذهبت لحكومة توافقية بسبب الوضع الأمني الذي كانت تشهده البلاد آنذاك.

في انتخابات عام 2010، حدث خلاف حاد بين الكتل السياسية مما اضطرها للطلب من المحكمة الدستورية تفسير معنى الكتلة الأكبر، إذ إن ائتلاف الوطنية الذي كان يتزعمه إياد علاوي كان قد حاز على 91 مقعدا، بينما حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على 89 مقعدا، ليأتي تفسير المحكمة في صالح المالكي الذي استطاع الاستمرار في الحكم لولاية ثانية بعد تحالفه مع أحزاب أخرى.

وبعد أن كشفت النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة عن أن التيار الصدري حصد 73 مقعدا مقابل خسارة كثير من الأحزاب التقليدية، عاد الحديث عن الكتلة الأكبر مرة أخرى، في ظل سعي التيار لتشكيل حكومة أغلبية سياسية مقابل محاولات أحزاب الإطار التنسيقي -المناوئ لنتائج الانتخابات الأولية- تشكيل تحالف يتجاوز عدد مقاعده مقاعد التيار الصدري.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير القانوني علي التميمي إن تفسير المحكمة الاتحادية عام 2010 نص على أن الكتلة الأكبر هي تلك التي تتشكل في أول جلسة برلمانية، وهو ما يتناقض مع المادة 45 من قانون الانتخابات الجديد رقم 9 لعام 2020 الذي يمنع النواب من الانتقال بين الكتل السياسية حتى تشكيل الحكومة.

ويتابع التميمي -في حديثه للجزيرة نت- أنه إذا ما استمرت هذه الخلافات، فإن رئاسة الجمهورية قد تلجأ إلى طلب فتوى المحكمة الاتحادية مرة أخرى، مما يعني إضافة مزيد من الوقت لموعد تشكيل الحكومة.

وبخلاف هذا الرأي، يرى الخبير القانوني طارق حرب أنه لا يوجد تناقض بين قانون الانتخابات الجديد وتفسير المحكمة الاتحادية، مؤكدا أن تفسير المحكمة الاتحادية سيظل قائما، لا سيما أن التيار الصدري متجه للتحالف مع تحالف تقدم الوطني برئاسة محمد الحلبوسي ومع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني.

وعن التحالفات القادمة، يرى حرب -في حديثه للجزيرة نت- أن تحالف هذه القوى الثلاث سيجعلها القوة السياسية الأكبر التي ستمكنها من حسم تشكيل الحكومة القادمة بما تضمه من رئاسة ووزراء.

المؤرخ العراقي والخبير القانوني طارق حرب - الجزيرة نت
حرب يرى أن التيار الصدري متجه للتحالف مع "تقدم" ومع الحزب الديمقراطي الكردستاني (الجزيرة نت)

التوقيتات الدستورية

أما عن المدد القانونية التي نص عليها الدستور لتشكيل الحكومة، يؤكد حرب أنه بعد إعلان المفوضية للنتائج النهائية للانتخابات سيكون أمام الهيئة القضائية الانتخابية 20 يوما للبت فيها، ومن ثم الذهاب بها للمحكمة الاتحادية للمصادقة عليها وهو ما قد يتطلب 4 أيام، بحسبه.

ويُفصّل حرب سلسلة الإجراءات الموصلة لتشكيل الحكومة، معلقا "بعد المصادقة على النتائج، يدعو رئيس الجمهورية البرلمان الجديد للانعقاد خلال 15 يوما، وتكون الجلسة البرلمانية برئاسة النائب الأكبر سنا".

وبيّن أن الجلسة الأولى تتطلب انتخاب رئيس لمجلس النواب بأغلبية 165 صوتا من مجموع 329 (مجموع مقاعد البرلمان)، ثم تتجه رئاسة البرلمان لفتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية خلال 15 يوما، وأن اختياره يكون عن طريق تصويت 220 نائبا لصالحه، وفي حال فشل الكتل السياسية في ذلك، يتجه البرلمان لتصويت جديد وأن الحاصل على أعلى الأصوات يكون الرئيس بغض النظر عن عدد النواب الحاضرين أو اكتمال نصاب البرلمان من عدمه، بحسب حرب.

وبالعودة إلى التميمي، يرى أن المادتين (68) و(70) من الدستور العراقي تنصان على أن انتخاب رئيس الجمهورية يتم بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، وفي حال الإخفاق في ذلك، يتم انتخابه بأغلبية الأصوات (165 نائبا) وهو يختلف مع طرح الخبير القانوني طارق حرب.

القاضي منير حداد (الجزيرة 4)
حداد رجح بأن الحكومة القادمة ستكون توافقية شأنها شأن سابقاتها (الجزيرة نت)

اختيار رئيس الحكومة

وعن تكليف رئيس الحكومة، فإن القانون حدد لرئيس الجمهورية المنتخب 15 يوما لتكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا لتشكيل مجلس الوزراء، بحسب التميمي الذي يقول إن المرشح لرئاسة الوزراء يكون أمامه 30 يوما لإنجاز تشكيل واختيار كابينته الوزارية، وفي حال إخفاقه، يكلف رئيس الجمهورية مرشحا آخر مع منحه مهلة 30 يوما جديدة لإنجاز المهمة، وفق ما فصلته المادة (76) من الدستور.

ويتفق هذا الطرح مع رأي الخبير القانوني طارق حرب، إلا أنه يؤكد أن تشكيل الحكومة القادمة لن يكون بتلك الصعوبة التي يروج لها في وسائل الإعلام، سيما أن التيار الصدري هو الكتلة الأكبر انتخابيا وعبر التحالفات.

وعن تصويت البرلمان على الكابينة الحكومية بعد اختيار رئيس الوزراء لها، يكشف حرب عن أن تصويت البرلمان على الكابينة الوزارية يكون عبر ما يعرف بـ"الأغلبية البسيطة" التي تعني أغلبية الحاضرين في الجلسة التي ستشهد تصويت البرلمان على الكابينة الحكومية شريطة اكتمال نصاب البرلمان الذي يكون 165 نائبا في الحد الأدنى، بحسبه.

وعن الكتلة البرلمانية الأكبر، يعتقد القاضي السابق منير حداد -في حديثه للجزيرة نت- أن تفسير المحكمة الاتحادية للدستور عام 2010 سيعتمد في هذه الانتخابات، لافتا إلى أنه لا يوجد تناقض مع قانون الانتخابات الجديد رقم 9 لعام 2020.

من مواقع التواصل الاجتماعي - الباحث في الشان العراقي - غانم العابد
العابد يتوقع سيناريو مشابها لما حدث عام 2018 وهو اتفاق الكتل الشيعية على شخصية رئيس الوزراء (مواقع التواصل)

نوع الحكومة

يتزايد الجدل إذا ما كانت الحكومة القادمة ستكون ذات أغلبية سياسية أم توافقية، وفي هذا الشأن، يعتقد حداد أن الحكومة القادمة شأنها شأن سابقاتها ستكون توافقية، معلقا "ما نراه الآن من صراعات تهدف لزيادة المكاسب ليس إلا؛ لن يدخل الكرد والعرب السنة مع أي طرف شيعي ضد آخر، إذ ليس من مصلحتهما الدخول في صراع لا ناقة لهما فيه ولا جمل، وأن منصب رئيس الجمهورية سيكون للكرد".

على صعيد آخر، ورغم أن الدستور والقوانين تنص على ضرورة التزام الكتل السياسية بالتوقيتات الدستورية لتشكيل الحكومة، فإن الحكومات السابقة منذ عام 2003 لم تلتزم بذلك، وذلك بحسب الباحث في الشأن السياسي العراقي غانم العابد.

ويستشهد العابد على قوله باستذكار الخلافات السياسية عام 2010، عندما استغرق تشكيل حكومة نوري المالكي الثانية نحو عام كامل، لافتا إلى أن شهرا كاملا مضى على إجراء الانتخابات الأخيرة من دون الإعلان عن النتائج النهائية أو المصادقة عليها.

ويتوقع العابد -في حديثه للجزيرة نت- أن العراق مقبل على سيناريو مشابه لما حدث عام 2018، وهو ما يعني أن التيار الصدري والإطار التنسيقي سيتفقان على رئيس وزراء توافقي درءا للخلافات، مما قد يعرض العراق لأخطار جمة.

وعن مستقبل الحكومة المقبلة، يرى أنها ستكون توافقية وستكون حسب ما وصفها "حكومة العام الواحد"، مشيرا إلى أن الخلافات السياسية الكبيرة داخل البيت الشيعي ستفجر أزمات متتالية تقود لاستقالة الحكومة، بحسبه.

حصرية - استاذ االعلوم السياسية في جامعة جيهان - مهند الجنابي
الجنابي استبعد تشكيل حكومة توافقية، مبينا أن البلاد متجهة لحكومة أغلبية نسبية (الجزيرة نت)

على الجانب الآخر، يستبعد أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيهان مهند الجنابي تشكيل حكومة توافقية، مبينا أن البلاد متجهة لحكومة أغلبية نسبية، وأن قوى التيار الصدري وتقدم والحزب الديمقراطي سيتجهون للتحالف مع كتل سياسية أخرى للوصول إلى كتلة تضم ثلثي أعضاء البرلمان، بما يعطيهم أريحية داخل مجلس النواب.

ويتابع أنه في حال استطاعت القوى المناهضة لنتائج الانتخابات الاستمرار في الاحتجاجات وتصعيد الموقف، فإن البرلمان قد يتجه لجلسة برلمانية أولى مفتوحة الوقت، مما قد يضع العراق أمام 4 أشهر في الحد الأدنى لتشكيل الحكومة التي قد تكون الأصعب في البلاد منذ عام 2003.

المصدر : الجزيرة