أزمة تخدش صورة المؤسسة الأعرق في العالم.. هل نجح الفساد في اختراق البرلمان البريطاني؟

بعد تهم تضارب المصالح التي تلاحق حزب المحافظين في مجلس النواب يتجه التحقيق حول شبهات بيع الحزب المقاعد في مجلس اللوردات، وهو ما يضع الحزب ورئيسه بوريس جونسون في مواجهة عاصفة سياسية أدت لتراجع شعبيته بشكل كبير مؤخرا

رئيس مجلس العموم البريطاني يرفض التصويت على اتفاق البريكست مجددا
مجلس العموم البريطاني يشهد أزمة سياسية تخدش سمعته كمؤسسة عريقة بعيدة عن شبهة الفساد (الجزيرة)

لندن – "البلد لا يتم تسييره بالفساد" بهذه الكلمات وقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أمام الصحفيين للدفاع عن نزاهة وشفافية النظام السياسي في بلاده، وذلك بعد فضيحة تضارب المصالح واستغلال المنصب للعمل في "لوبي" لصالح مؤسسات خاصة تفجرت داخل البرلمان البريطاني.

ولم يكن لأزمة مثل هذه أن تمر دون إحداث الكثير من العواصف السياسية لما للبرلمان البريطاني من رمزية، فهو المؤسسة الديمقراطية الأعرق في العالم، مما جعل شعبية رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون تتهاوى لأدنى مستوياتها على الإطلاق، بسبب ما بدا أنها محاولة للدفاع عن برلماني من حزب المحافظين تورط في الاشتغال مع شركات والضغط من أجل مصالحها داخل البرلمان.

ما القصة؟

تفجرت القصة عندما قررت لجنة المعايير داخل البرلمان البريطاني أن النائب المحافظ أوين باترسون خرق ضوابط العمل البرلماني، وذلك عندما تقاضى مبالغ مالية مهمة مقابل الترافع لصالح شركتين بريطانيتين داخل البرلمان البريطاني.

وسبق للنائب البرلماني أن شغل منصب وزير البيئة في عهد حكومة ديفيد كاميرون، وحسب التحقيقات فإن باترسون حصل سنويا على مبلغ 120 مليون جنيه إسترليني من كل شركة مقابل الدفاع عن مصالحهما داخل البرلمان.

وقالت لجنة التحقيق إن النائب وبغرض خدمة هاتين الشركتين فقد التقى بمسؤولين عن وكالة المعايير الغذائية البريطانية ووكالة التعاون الدولي من أجل الضغط والترويج للشركتين.

كما فشل النائب المحافظ في تبرير استخدام مكتبه البرلماني في أعمال أخرى لا ترتبط بالوظائف النيابية، ولم يعلن صراحة عن توفيره الاستشارة للشركتين خلال اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين، وهو ما اعتبرته اللجنة "خرقا جديا للقوانين والقواعد"، ذلك أن القانون يمنع تضارب المصالح أو العمل ضمن "لوبي" لأي شركة.

Britain's Prime Minister Boris Johnson signs the Brexit trade deal with EU
تراجعت شعبية بوريس جونسون بعد محاولته التغطية على تورط نائب من حزبه في قضية تضارب مصالح (رويترز)

ثم ماذا بعد؟

بعد هذه الإدانة الصريحة قرر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن يدعم تصويتا داخل البرلمان لتغيير قواعد لجنة المعايير، وإضافة بند يسمح لأي نائب برلماني بالرد على الخلاصات التي تصل لها هذه اللجنة المختصة، وهو ما اعتبره كثيرون محاولة من جونسون للتغطية على زميل له في الحزب.

بعد هذا القرار سيمر البرلمان البريطاني بساعات كارثية وغير مسبوقة ظهر فيها حزب المحافظين وكأنه يريد حماية نائب له تورط في فضيحة سياسية.

وأمام حالة الغضب السياسية والإعلامية سيقرر جونسون التراجع عن قراره وكذلك حزب المحافظين صاحب الأغلبية المطلقة داخل البرلمان، بعد إعلان البرلماني المعني عن قراره تقديم الاستقالة وإصراره على أنه لم تتح له الفرصة للرد والدفاع عن نفسه.

ورغم تراجع جونسون عن قراره فإن صورته تأثرت بشكل كبير شعبيا، حيث أظهر استطلاع رأي أنجزته مؤسسة "ذا أوبزيرفر" (The Observer) تراجع شعبيته إلى -20، وهو أدنى مستوى يحصل عليه منذ وصوله للحكومة.

ماذا عن بقية البرلمانيين؟

يتعامل الرأي العام البريطاني مع نزاهة البرلمانيين بالكثير من الحساسية، مما جعل قضية البرلماني أوين باترسون تفجر نقاشا كبيرا حول مداخيل البرلمانيين في البلاد، ليظهر أن هذا الملف يخفي مداخيل كبيرة يتلقاها البرلمانيون وإن كانت بطرق "قانونية".

وأظهر تحقيق لصحيفة غارديان (The Guardian) أن أكثر من 30 برلمانيا ستتأثر مداخيلهم بشكل كبير في حال تم منعهم من ممارسة وظائف أخرى مثل تقديم الاستشارات، ذلك أن القانون يسمح للبرلمانيين بتقديم خدمات استشارية مقابل التصريح بها لدى المصالح الضريبية والمالية، وعدم الدخول في أي "لوبي" لصالح المؤسسات التي يقدمون لها الاستشارات.

وحسب التحقيق، فإن أغلب هؤلاء البرلمانيين ينتمون لحزب "المحافظين"، ومن بين الأعلى دخلا هناك برلماني يتقاضى ما مجموعه 220 ألف دولار سنويا مقابل تقديمه الاستشارات لصالح شركتين.

وهناك تحذيرات من وجود خيط رفيع بين تقديم استشارات لهذه الشركات وبين الضغط لصالحها، ولهذا فقد دعا وزير الخزانة ريشي سوناك البرلمانيين إلى مزيد من الحذر أثناء ممارسة وظيفة أخرى، أما زعيم حزب العمال كير ستارمر فقد أعلن في 2017 قراره عدم ممارسة أي وظيفة أخرى تجنبا لأي شبهة.

مجلس اللوردات: لا مانع من تسليم بينوشيه لإسبانيا 1998/11/25
تهم الفساد تلاحق حزب المحافظين باستخدام نظام التكريم لتعيين شخصيات في مجلس اللوردات (الجزيرة)

هل فتحت ملفات جديدة؟

كشف تحقيق لصحيفة "صنداي تايمز" (The Sunday Times) البريطانية عن اتهامات لحزب المحافظين بإساءة استخدام نظام "التكريم" الذي يسمح بتعيين شخصيات معينة في مجلس اللوردات.

وأظهر التحقيق أن الحزب يعمد وبشكل منهجي إلى منح مقاعد "اللوردات" لمجموعة من كبار المانحين للحزب الذين يدفعون أكثر من 3.5 ملايين دولار له.

ويتجه التحقيق إلى كون حزب المحافظين يبيع المقاعد في مجلس اللوردات بهذا المبلغ، وحسب معطيات هذا التحقيق فإنه خلال الـ20 سنة الماضية عرض الحزب على جميع أمناء الخزانة الـ16 الذين مروا على المحافظين مقعدا في مجلس اللوردات، بعد أن تبرعوا بمبالغ تصل إلى ما قيمته 4 ملايين دولار.

وقد سبق أن تم توجيه اتهامات لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بأنه يحابي أصدقاءه في التعيين في مجلس اللوردات، ومن بينهم بيتر كروداس الذي يعتبر من كبار المانحين لحزب المحافظين، رغم النصائح الرسمية بعدم اقتراحه لهذا المنصب.

المصدر : الجزيرة