سؤال وجواب.. هل ستدافع أميركا عن تايوان إذا شنت الصين الحرب عليها؟

تعد تايوان آخر ساحة للتنافس بين الصين وأميركا، ورغم أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بموجب معاهدة للدفاع عن تايوان، فإن الهجوم الصيني سيكون اختبارا للقوة العسكرية الأميركية وهيمنتها الدبلوماسية والسياسية

Chinese, Taiwanese flags and military airplanes displayed in this illustration
بكين تعتبر تايوان مقاطعة ضالة يجب إعادتها إلى الحظيرة بالطرق السلمية أو بالقوة إذا لزم الأمر (رويترز)

واشنطن – وصفت مجلة "إيكونوميست" (The Economist) البريطانية الشهيرة يوليو/تموز الماضي تايوان بأنها "أخطر مكان على وجه الأرض"، لما تمثله من معضلة كبيرة للصين وللولايات المتحدة معا.

وتبعد جزيرة تايوان عن الأراضي الصينية بأقل من 200 كيلومتر، وتعتبرها بكين مقاطعة منشقة يجب عودتها للبيت الصيني الواحد، في حين تدعم واشنطن تايوان عسكريا وتمدها بأحدث ما لديها من أسلحة لردع الصين.

ولأكثر من 7 عقود، هدد الحزب الشيوعي الصيني بغزو تايوان، وتتزايد الآن المخاوف بين المحللين والمسؤولين والمستثمرين من تنفيذ الحزب تهديده خلال السنوات القليلة المقبلة، مما قد يؤدي إلى اندلاع حرب مع أميركا.

وبسبب التوترات المرتبطة بتايوان التي تضاعفت عقب توتر العلاقات بين واشنطن وبكين، يخشى كثير من المراقبين سيناريو كارثيا يتمثل في غزو الصين للجزيرة، واضطرار الولايات المتحدة للتدخل، وهو ما يهدد بإشعال حرب بين القوتين الكبريين في عالم اليوم، وهو سيناريو يصعب معه تخيل وجود طرف منتصر في نهايته.

في سؤال وجواب، تتناول الجزيرة نت كل الجوانب المتعلقة باحتمال غزو الصين لتايوان، والموقف الأميركي المتوقع في هذه الحالة.

بايدن أكد أن الولايات المتحدة ستدافع عسكريا عن تايوان إذا شنت الصين هجوما عليها (رويترز)

هل ستدافع الولايات المتحدة عن تايوان إذا غزتها الصين؟

الأسبوع الماضي، خلال لقاء مع شبكة "سي إن إن" (CNN)، تطرق الرئيس الأميركي جو بايدن إلى أكثر القضايا حساسية من بين جميع القضايا ذات الصلة، قائلا بشكل لا لبس فيه إن أميركا سوف تتحرك إذا هاجمت الصين تايوان.

وردا على سؤال حول إذا ما كانت بلاده ستتدخل عسكريا حال شنت الصين هجوما على تايوان، رد بايدن بالقول "نعم، لدينا التزام بالقيام بذلك".

وأوضح البيت الأبيض -في وقت لاحق- أن "الرئيس لم يكن يعلن عن أي تغيير في سياستنا، وليس هناك أي تغيير في سياستنا".

ما سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان؟

على مدى 30 عاما بعد استيلاء الحزب الشيوعي على السلطة في الصين عقب حرب أهلية مع منافسه الحزب القومي، لم تعترف واشنطن به بوصفه حكومة شرعية للصين، وبدلا من ذلك، كان لها سفارة في تايبيه، حيث أقامت بقايا جمهورية الصين -التي كان يديرها القوميون- دولة بعد فرارهم إلى تايوان عام 1949.

ومع التحولات الجيوإستراتيجية في سبعينيات القرن العشرين، أرست واشنطن وبكين الأساس للتقارب بينهما لمواجهة الاتحاد السوفياتي. وفي بداية عام 1979، اعترفت الولايات المتحدة اعترافا دبلوماسيا رسميا بجمهورية الصين الشعبية التي يديرها الشيوعيون، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع تايوان، لكنها احتفظت بعلاقات قوية ومتينة معها.

وبذلك اعترفت واشنطن بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة القانونية الوحيدة للصين، كما اعترفت بموقف بكين من أنه لا توجد سوى صين واحدة وأن تايوان جزء منها.

غير أن الولايات المتحدة لم تؤيد مطلقا ادعاء الحزب الشيوعي بأن جمهورية الصين الشعبية تتمتع بالسيادة على تايوان، ويعرف هذا باسم "سياسة الصين الواحدة"، وتعتبر بكين الجزيرة التي تضم نحو 24 مليون نسمة مقاطعة ضالة يجب إعادتها إلى الحظيرة، ويفضل أن يكون ذلك بطرق سلمية، أو بالقوة إذا لزم الأمر.

Taiwan Air Force's F-16 fighter jets fly during the annual Han Kuang military exercise at an army base in Hsinchu, northern Taiwan, July 4, 2015. REUTERS/Patrick Lin
طائرات "إف-16" (F-16) تايوانية في أحد التدريبات العسكرية (رويترز)

هل لواشنطن سياسة معلنة للدفاع عن تايوان إذا غزتها الصين؟

تتبع واشنطن سياسة "الغموض الإستراتيجي"؛ إذ ترك قانون العلاقات مع تايوان موضوع الدفاع عنها غامضا، ولم يتحدث إلا عن توفير "موارد وخدمات دفاعية" من دون تحديد خطوط حمراء واضحة للتدخل.

وباعت الولايات المتحدة تايوان أسلحة متقدمة، وتساعد في تدريب جنودها، ولكن على مدى 42 عاما، تبنت الإدارات الأميركية المتعاقبة مبدأ "الغموض الإستراتيجي"، ويعود ذلك إلى سببين:

أولا: عدم وضوح ظروف التدخل الأميركي الذي يحرم المخططين العسكريين الصينيين من معرفة واضحة بحدود المناورة مع الولايات المتحدة. وقد أجبر الغموض الإستراتيجي بكين على افتراض تورط أو تدخل واشنطن حال شن هجمات أو محاولة غزو تايوان.

ورغم أن ميزان القوى في منطقة مضيق تايوان يتغير لصالح الصين، فإن الخبراء يعتقدون أن الصين لا تزال بعيدة عن امتلاك قوات متقدمة تمكنها من النجاح في الاستيلاء على تايوان.

ثانيا: يشكل الغموض الإستراتيجي كذلك رادعا ضد أولئك الذين قد يميلون إلى إعلان الاستقلال داخل تايوان؛ فواشنطن تدعم الحكم الذاتي لتايوان فقط، ولكن من المؤكد أن إعلان تايوان استقلالها رسميا من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع أزمة.

ومع عدم وجود ضمان واضح بالمساعدة الأميركية في صد القوات الصينية، من المحتمل أن تكون التكاليف أعلى لإعلان كهذا من جانب تايوان.

هل يردع الصين وجود قوات أميركية في تايوان؟

يتوقف هذه الأمر على طبيعة وأعداد هذه القوات، وقد أعلنت رئيسة تايوان تساي إنغ ون -في حديث لها مع "سي إن إن" قبل أيام- لأول مرة وجود قوات أميركية على الأراضي التايوانية، وذلك في سياق أن التهديد القادم من الصين يتزايد كل يوم.

وبذلك تكون إنغ ون أول مسؤولة تايوانية في هذا المنصب الرفيع تعترف بوجود قوات أميركية في بلادها. ولم تتحدث عن أعداد هذه القوات، وأشارت إلى أنها موجودة لأغراض التدريب.

وكان في تايوان وجود عسكري أميركي لسنوات طويلة حتى غادرت آخر حامية أميركية رسمية الجزيرة عام 1979، وهو العام الذي حولت فيه واشنطن الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بالصين من تايبيه إلى بكين.

وأشارت يون صن، خبيرة شؤون شرق آسيا والمحيط الهادي بمعهد ستيمبسون، إلى أنه لا يوجد جديد بخصوص الإعلان عن وجود عسكريين أميركيين على الأراضي التايوانية، وأقرت أن "الجميع يعلم بوجود قوات أميركية في تايوان منذ سنوات حتى بعد إنهاء معاهدة الدفاع المشترك بين الطرفين، والجانب الصيني يعرف دائما ذلك، وما جرى ليس جديدا".

وقالت إن "الجديد هو اعتراف أميركا العلني بذلك، وتأكيد تايوان ذلك، بدلا من الحفاظ على الهدوء. اليوم لا يمكن إنكار هذه الحقيقة ولا إحاطتها بقدر من الغموض، لقد أصبحت حقيقة معلنة في العراء؛ لا يمكن إنكارها، ولا يمكن عكسها بسهولة".

وأضافت الخبيرة أن هذا الإعلان يعد "رسالة ردع مفادها أن أي هجمات صينية ستضر بشكل مباشر بالعسكريين الأميركيين في تايوان، مما يصعد من عواقب الهجمات بشكل كبير لأنه لن يضر فقط بالتايوانيين، ولكن أيضا بالأميركيين".

"تأكيد تايوان للرسالة الأميركية يشكل مصدر إزعاج أكبر بكثير من الاعتراف الأميركي المباشر في وقت سابق. فبوسع الصين أن تتقبل بيانا هجوميا من واشنطن، لكن تسامحها مع تصريحات مماثلة من جانب تايوان أقل من ذلك بكثير".

ما الذي يحكم ويحدد علاقات واشنطن مع تايوان؟

بعد أن قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الرسمية مع تايوان، أقر الكونغرس تشريعا يعرف باسم "قانون العلاقات مع تايوان" ووقعه الرئيس جيمي كارتر آنذاك، ومنذ ذلك الحين، تعززت العلاقات الأميركية مع الجزيرة. وأسهم قانون العلاقات مع تايوان في تثبيت نقطتين رئيسيتين:

الأولى: تعزيز علاقات واشنطن غير الرسمية والقوية مع تايوان، وإنشاء منظمة تقوم بمهام السفارة العملية في تايبيه، وأطلق عليها المعهد الأميركي في تايوان.

الثانية: إعلان أن الاعتراف الدبلوماسي ببكين "يعتمد على توقع أن مستقبل تايوان سيتحدد بالوسائل السلمية". وأشار القانون إلى أن أي خروج عن هذا الترتيب سيكون "مصدر قلق بالغ" للولايات المتحدة بشكل حاسم، وأضاف أن "الولايات المتحدة ستوفر لتايوان موارد وخدمات دفاعية بالكمية الضرورية لتمكينها من الحفاظ على قدرة كافية للدفاع عن النفس".

Chinese President Xi Jinping applauds after the parliament passed a constitutional amendment lifting presidential term limits, at the third plenary session of the National People's Congress (NPC) at the Great Hall of the People in Beijing, China March 11, 2018. REUTERS/Jason Lee
شي جين بينغ تعهد بتحقيق "إعادة التوحد" مع تايوان (رويترز)

هل هناك احتمالات قريب لهجوم عسكري صيني على تايوان؟

خلال الأسابيع الأخيرة، أرسلت بكين 150 طائرة عسكرية إلى منطقة الدفاع الجوي المحاذية للمجال الجوي لتايوان، وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ -في وقت لاحق- إنه سيكمل "المهمة التاريخية" المتمثلة في إعادة توحيد الجزيرة مع الصين، "بالطرق السلمية"، إلا أن شي رفض في وقت سابق استبعاد القيام بعمل عسكري.

هل تتوقع واشنطن غزوا عسكريا صينيا لتايوان؟

مارس/آذار الماضي، قال الأدميرال فل ديفيدسون، الذي يرأس قيادة منطقة المحيطين الهندي والهادي، للكونغرس إنه قلق من هجوم الصين على تايوان بحلول عام 2027.

وستكون الحرب كارثة، ليس فقط بسبب إراقة الدماء في تايوان وخطر التصعيد بين قوتين نوويتين، بل لتبعات ذلك على الاقتصاد العالمي.

وتعد تايوان آخر ساحة للتنافس بين الصين وأميركا، ورغم أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بموجب معاهدة للدفاع عن تايوان، فإن الهجوم الصيني سيكون اختبارا للقوة العسكرية الأميركية وهيمنتها الدبلوماسية والسياسية.

وإذا فشل الأسطول السابع الموجود في جنوب شرق آسيا في الصمود، فإن الصين سوف تصبح بين عشية وضحاها القوة المهيمنة في آسيا، وهو ما سيهز ثقة حلفاء واشنطن الذين يعتمدون على المظلة الأمنية الأميركية سواء في أوروبا أو شرق آسيا أو الخليج العربي.

المصدر : الجزيرة