السياسة تعمّق مأساة آلاف المهاجرين على الحدود البيلاروسية البولندية

عبّر كثير من المحللين عن مخاوفهم من تفاقم أزمة اللاجئين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا خلال الأشهر المقبلة مع زيادة أعداد المهاجرين واشتداد حدة البرد وتشدد أجهزة الأمن في تعاملها مع المهاجرين.

A group of migrants arrested after crossing Polish-Belarus border are held outside the border guard office in Michalowo
مهاجرون بعد اعتقالهم في ميتشالو ببولندا عقب عبورهم الحدود البيلاروسية البولندية (رويترز)

كييف– قدرُ آلاف اللاجئين العالقين على الحدود البيلاروسية البولندية أن يكونوا أدوات ضغط بين دول الممر والوجهة، وعرضة لتقلب السياسات وللحسابات الاقتصادية، بعيدا عن الجوانب الإنسانية التي أجبرتهم على الهجرة.

فعلى الحدود بين الدولتين تقطعت السبل بآلاف المهاجرين من سوريا والعراق واليمن ولبنان وأفغانستان ودول أفريقية في رحلتهم للعبور صوب أوروبا الغربية.

يحدث ذلك في ظل ظروف صعبة مع شدة البرد وانخفاض درجات الحرارة إلى ما دون درجة الصفر الجديد مما أدى إلى مقتل عدد من اللاجئين جوعا وبردا ودفع سلطات بيلاروسيا وبولندا لتبادل الاتهامات بالمسؤولية الأخلاقية عما يحدث.

Latvian army start to build temporary barbed wire fence on the Latvian-Belarus border near Robeznieki
الجيش اللاتفي يقيم سياجا مؤقتا من الأسلاك الشائكة على الحدود بين لاتفيا وبيلاروسيا (رويترز)

تعامل مذل

وفرضت بولندا حالة الطوارئ على طول 3 كيلومترات بحدودها مع بيلاروسيا ومنعت المسؤولين الأمميين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان من دخولها، ونشرت وسائل إعلامية ومواقع التواصل صورا صادمة لتعامل قوات الأمن مع المهاجرين.

وقالت الصحفية الأوكرانية يوليا بوجكو -وهي الناشطة في منظمة "مراسلون بلا حدود"- للجزيرة نت إن المهاجرين تحولوا إلى جدار مساومة بين بيلاروسيا ودول جوارها في الغرب التي-لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى- لم تتوان عن صد المهاجرين بالقوة والإذلال من خلال الضرب، وإطلاق الأعيرة النارية عليهم كما علمنا".

وأضافت "نخشى أن يكون الوضع أسوأ في ظل هذا التعتيم المتعمد، خاصة أن كثيرا من المهاجرين لا يحملون وثائق، ما قد يمكن السلطات الحدودية التعامل مع المهاجرين كمجرد أرقام، دون تحمل أي مسؤولية".

A group of migrants arrested after crossing Polish-Belarus border are held outside the border guard office in Michalowo
المهاجرون على الحدود البيلاروسية البولندية يواجهون البرد والجوع والاعتقالات (رويترز)

لماذا بيلاروسيا؟

محاولات الهجرة عبر حدود بيلاروسيا مع لاتفيا وليتوانيا وبولندا تضاعفت مئات المرات خلال الشهور الماضية، فخلال العام الماضي 2020 فقط اعتقلت ليتوانيا 81 مهاجرا، في حين ارتفع الرقم إلى 4 آلاف منذ بداية العام 2021، وفق وسائل إعلام محلية.

وتقول بولندا إن بيلاروسيا دفعت قبل أسابيع بنحو 10 آلاف مهاجر إلى حدودها؛ فما سر هذا التدفق الكبير صوب الأخيرة كبلد عبور؟

يقول فاديم موجيكو -الخبير في "المعهد البيلاروسي للدراسات الإستراتيجية"- لموقع "راديو الحرية" إن "الرئيس (ألكسندر) لوكاشينكو ينتقم من دول الغرب التي رفضت فوزه بنتائج الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب 2020، ودعمت حراك المعارضة ضده، وهذا ما أعلنه صراحة في يوليو/تموز الماضي، حول السماح بتدفق المهاجرين".

وتابع أن "تدفق المهاجرين على بيلاروسيا ازداد لأن السلطات فيها -ببساطة- سمحت بدخولهم عبر منافذها الحدودية بصورة رسمية، مستفيدة من تحصيل رسوم التأشيرات والإقامة في بعض الفنادق، قبل توجههم إلى الحدود، ولهذا أصبحت بيلاروسيا فجأة وجهة مريحة بعيدة عن مخاطر خوض البحر مثلا".

Polish soldiers patrol Polish-Belarus border near Kuznica Bialostocka
بولندا فرضت حالة الطوارئ  على طول 3 كيلومترات في حدودها مع بيلاروسيا (رويترز)

أزمة تتفاقم

ويعبر كثير من المحللين عن مخاوفهم من تفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة، مع زيادة أعداد المهاجرين، واشتداد حدة البرد، وزيادة تشدد أجهزة الأمن في تعاملها مع المهاجرين، بمنع دخولهم أو عودتهم.

ويعتبر الخبير فاديم موجيكو أن دول المهاجرين الأصلية لا تأبه بمصيرهم، ولهذا فإن مستقبل حياتهم مرهون بمواقف وعوامل سياسية واقتصادية فقط.

ويعتبر أن "الحدود مرشحة لمزيد من التوتر، ولا يستبعد حدوث بعض المناوشات بين قوات الأمن البيلاروسية والبولندية، لاسيما في ظل الاحتقان السياسي، وهذا قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا في صفوف المهاجرين".

ويضيف: "حتى إذا نجح لوكاشينكو بالضغط على بولندا وغيرها، سيكون مصير آلاف المهاجرين صعبا في بيلاروسيا، لأن البلاد ليست مستعدة لبقائهم وتحمل أعبائهم كلاجئين، على غرار دول أوروبية أخرى".

المصدر : الجزيرة