صدمة الطلاب وانتقاد "الدكاكين الأكاديمية".. أقساط الجامعات أحدث ضحايا أزمة الدولار بلبنان

حفظ

احتجاج على رفع الرسوم الجامعية ومخاوف من عدم القدرة على إكمال تعليمهم (الجزيرة)

"لم أصدق أن يرتفع قسط جامعتي 160%، من دون مراعاة ظروف عائلاتنا الصعبة التي تتقاضى رواتبها بالليرة" بهذه الكلمات تحدث علي سليم (21 عامًا) الطالب في السنة الرابعة بكلية الطب وعضو المجلس الطلابي بالجامعة الأميركية في بيروت.

ويصف سليم للجزيرة نت ما اعتبره مفاجأة له وزملائه بقرار الجامعة بدء احتساب أقساطها وفق سعر صرف جديد للدولار، وهو 3900 بدل 1500 ليرة، بعد أن تخطت تداولاته بالسوق السوداء عتبة 8700 ليرة.

وقبيل الإقفال العام الذي فرضته السلطات لمواجهة الارتفاع الكبير في أعداد المصابين بفيروس كورونا، شارك علي في مظاهرةٍ طلابية أطلقت الصرخات ضدّ رفع الأقساط وما أطلق عليه "دولرتها" مما قد يهدد مستقبل آلاف الشباب والشابات في بلد يرزح تحت وطأة أزمات غير مسبوقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

ورفع الطلاب الغاضبون شعارات عدّة من بينها "التعليم حقّ مش سلعة" في مشهدٍ أحيا الحراك الطلابي، لكنّ علي بدا يائسًا من قرار جامعته "الذي فرضته كعلٍ وخبر" وفق تعبيره للجزيرة نت.

وقال إن والده، الذي يعمل طبيبا للأسنان، ما زال دخله بالليرة وفق سعر الصرف الرسمي 1500، كما أن البنك يحتجز مدخراته كحال آلاف اللبنانيين.

شعارات طلابية أثناء مظاهرة ترفض رفع الرسوم الجامعية (الجزيرة)

100 مليون ليرة دفعة واحدة
ويدفع طلاب الطبّ في الجامعة الأميركية سنويا نحو 40 ألف دولار، كانت تساوي نحو 60 مليون ليرة (وفق سعر الصرف 1500) لكنها ارتفعت لنحو 160 مليون ليرة، مع قرار احتساب الدولار بـ 3900 ليرة، وفق علي.

وقال إنه شعر بتهميش لصوت الطلاب في حين لا أحد كان يتوقع رفع الأقساط 100 مليون دفعة واحدة.

ويتجه بعض طلاب الجامعة الأميركية للإضراب عن دفع الأقساط بهدف الضغط على الإدارة للتراجع عن قرارها، بحسب علي.

طالبٌ آخر (22 عاما) -تحفظ عن كشف هويته- وصف قرار رفع الأقساط بالصاعق عندما تبلغ به والده الذي كبّده الانهيار الاقتصادي خسائر فادحة بعمله.

إعلان

وقال للجزيرة نت إنه بدأ يفتش عن جامعة بالخارج للهجرة "لأنه لا مستقبل لنا في بلد سيصبح فيه التعليم طبقيا أو محصورا بحاملي العملة الصعبة فقط".

الجامعة الأميركية رفعت رسوم الطب من 60 مليون ليرة سنويا إلى 160 مليونا (الجزيرة)

امتداد الانهيار
عمليا، تعد أزمة القطاع التربوي واحدة من أوجه الانهيار الذي يعصف لبنان، إذ إنّها بنيوية ترتبط بالمصارف والاقتصاد وحتى بالاعتبارات السياسية والطائفية، وهو ما أكده مصدر أكاديمي للجزيرة نت، والذي لفت إلى أن بعض الجامعات، التي تسيطر عليها الأحزاب أو لديها ارتباطات سياسية بالداخل والخارج، جمدت رفع أقساطها مرحليا، تفاديا لردة فعل شعبية ليست بأوانها.

وحتى الآن، أقدمت رسميا على خطوة التعامل بالسعر الجديد للدولار كل من الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) والجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، وتفيد معلوماتنا أنّ جامعات مرموقة أخرى تستعدّ لرفع أقساطها مطلع خريف 2021، أي مع بدء العام الدراسي 2021-2022.

لكن الوكيل المؤقت للشؤون الأكاديمية بالجامعة الأميركية زاهر ضاوي اعتبر أن رفع الأقساط يهدف لضمان الاستمرارية، ولأن معظم مصاريف الجامعة الأميركية يجري تسديده بالعملات الصعبة.

وقال للجزيرة نت "نتفهم موقف الطلاب لكن الأقساط ما زالت أقلّ من قيمتها الفعلية نتيجة انهيار العملة، والزيادة تهدف للحفاظ على المستوى الأكاديمي الذي جاؤوا للجامعة من أجله".

ويلفت ضاوي إلى أن الجامعة رفعت بالمقابل سقف المنح الطلابية، وأن رفع الأقساط لن يترافق مع تصحيح لرواتب الأساتذة الذين تآكلت قيمة أجورهم "بسبب العمل على سد العجز المتراكم".

"الدكاكين" الأكاديمية
ولبنان يضمّ -إلى جانب الجامعة اللبنانية الرسمية- 48 جامعة ومعهدا خاصا في التعليم العالي، بحسب أرقام وزارة التربية.

وعانت البلاد السنوات الأخيرة من طفرة الجامعات الخاصة، التي يشبهها بعض الأكاديميين بـ "الدكاكين" نظرا لعملها التجاري الذي يهدف للربح فقط.

لذا، تتزايد المخاوف من تنشيط عمل هذا النوع من الجامعات، وأن تنجح باستغلال الأزمة عبر تقديم عروض مغرية للطلاب الهاربين من الأقساط المرتفعة.

هذا ما يخشى منه رئيس رابطة جامعات لبنان (تضم 19 من كبرى الجامعات) الأب سليم دكاش، وهو رئيس جامعة القديس يوسف (USJ).

وقال للجزيرة نت إن الجامعات "التاريخية" تعاني من صعوبات كبيرة من بينها عقود العمل مع بعض الأساتذة بالدولار، وتسديد فواتير المختبرات والتجهيزات والبحوث والمكتبات الرقمية، وهو الذي يكون إما بالدولار أو اليورو.

وفي السياق، يلفت الأب دكاش أن جامعته جمّدت رفع الأقساط، بفعل استمرار التعلم عن بُعد، ولأن معظم الأهالي غير قادرين على تسديدها.

وقال رئيس الرابطة "معظم الجامعات تواجه تحدي الحفاظ على طلابها، لأن نسبة كبيرة لم تكمل عامها الدراسي بعد قبول طلب هجرتها، كما تراجع الإقبال على الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) باعتبارها صارت ترفا لجيل يسارع للبحث عن فرصة عمل".

من جهته، يعتبر عضو لجنة التربية البرلمانية، النائب أنطوان حبشي، أن إشكالية الأقساط الجامعية يجب مقاربتها بعيدًا عن الخطابات الشعبوية.

إعلان

واعتبر أن الجامعات الخاصة كطلابها تدفع ثمن الانهيار، وقال للجزيرة نت إنّها أمام خيارين: إما رفع الأقساط، أو تخفيف الخدمة التربوية.

وبرأي النائب فإن الغائب الأكبر هو الدولة التي سمحت للمصارف باحتجاز ودائع الجامعات، وأن قطاع الجامعات الذي لطالما كان رائدا بالشرق الأوسط بات يخوض معركة وجودية.

الطلاب لوحوا بالإضراب ومنهم من أكد أنه لن يتمكن من إكمال الدراسة بسبب قرار رفع الرسوم (الجزيرة)

أين الجامعة الرسمية؟
ورغم أن الانهيار دفع نحو 55% من اللبنانيين نحو خطّ الفقر، وفق آخر تقديرات البنك الدولي، تغيب الأرقام الرسمية عن نسبة الطلاب النازحين من الجامعات الخاصة.

ومع ذلك، لا يبدو أن الطلاب يتجهون للجامعة اللبنانية الحكومية، نتيجة عوامل مختلفة وفي طليعتها ضعف قدرتها الاستيعابية.

وهنا، يصف باسل صالح -ناشط سياسي وأستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانية-، وضع الجامعة الحكومية بـ "المأزوم" على المستوى اللوجستي، ويتحدث عن ضعف بنيتها التحتية وحرمان نحو 80% من أساتذتها من الأمان الوظيفي، إلى جانب غياب الرقابة وسوء الإدارة.

وبالتالي، لن تقدر الجامعة اللبنانية أن تكون بديلًا لطلاب الجامعات الخاصة، وفق صالح، ويعتبر في تصريح للجزيرة نت أن أزمة التعليم انفجرت بفعل سياسيات ضرب المؤسسة الأمّ (أي الجامعة الرسمية) عبر استباحتها أكاديميًا ووظيفيًا بقوة طائفية وحزبية، مقابل تقليص موازنتها لدعم سيطرة القطاع الخاص على حساب مستقبلها التعليمي ومستواها.

ويربط صالح "الغضب الطلابي" بالانتفاضة التي بدأت بـ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، ويرى أن الشعار الأكثر واقعية مع ارتفاع مستويات الفقر واتساع رقعة البطالة هو المطالبة بـ "مجانية التعليم" عبر تخفيض الأقساط تدريجيًا بدل المطالبة ببقائها وفق سعر الصرف 1500 ليرة.

لكن، ما دامت "مجانية التعليم" حلمًا صعب المنال، بحسب الأكاديمي، فستستمر المخاطر تحدق بمستقبل الطلاب في لبنان، في ظل غياب وزارة للتخطيط ترعى الشؤون الأكاديمية تماشيًا مع سوق العمل الذي تعبث به الفوضى.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان