بين حسابات الانتخابات والواقع.. إلى أين تتجه مواجهة الفيروس في أميركا؟

Emergency Medical Technicians (EMT) leave with a patient at Hialeah Hospital where the coronavirus disease (COVID-19) patients are treated
بنهاية الأسبوع الماضي أصيب ما يزيد على 6.3 ملايين أميركي بالفيروس (رويترز)

بعد مرور نصف عام على حدوث أول وفاة مؤكدة في الولايات المتحدة بسبب فيروس كورونا لا تزال البلاد تواجه تحدي احتواء الفيروس على الرغم من انخفاض معدلات الإصابة والوفاة خلال الشهرين الأخيرين.

فخلال الأشهر الستة الماضية شهدت الولايات المتحدة معدلات هي الأعلى من بين دول العالم، سواء في عدد الوفيات أو عدد الإصابات، وبنهاية هذا الأسبوع تخطى عدد الوفيات 192 ألف شخص، وأصيب ما يزيد على 6.3 ملايين أميركي بالفيروس.

واعتبر خبراء الصحة العامة أن ما شهدته الولايات المتحدة بمثابة فشل ذريع في مواجهة الفيروس، سواء من حيث الاستعداد له، أو من حيث اتخاذ قرارات الإغلاق، أو من حيث توفير اختبارات الكشف أو المستلزمات الصحية الضرورية من مستلزمات ومعقمات ومطهرات وأجهزة تنفس صناعي.

وعلى الرغم من انخفاض معدلات الإصابة والوفاة خلال الشهرين الأخيرين مقارنة بالمعدلات التي شهدها أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيان فإنه لا يمكن القول بعد إنه تم احتواء انتشار الفيروس في أي ولاية من ولايات أميركا الـ50.

فشل المواجهة الأولى
وصل الفيروس إلى مستويات خطيرة، لكنها ليست الأخطر خلال أغسطس/آب الماضي، فقد وصل معدل الوفيات إلى ما يقارب ألف شخص يوميا، وهو نصف عدد الوفيات التي شهدتها أميركا في أبريل/نيسان الماضي، وهو ما اعتبره البعض تقدما في مواجهة الفيروس.

ومن المرجح أن يُذكر سبتمبر/أيلول الحالي باعتباره نقطة التحول بالنسبة لفيروس كورونا في الولايات المتحدة، وبحلول أكتوبر/تشرين الأول سيتضح ما إذا كان الأسوأ قد مر بالفعل، أم أنه لم يأت بعد.

وتقول 6 ولايات في شمال شرق الولايات المتحدة، وهي فيرمونت، نيوهامبشير، ماساشوستس، نيويورك، نيوجيرسي، كونيتيكت إنها احتوت الفيروس، وسيطرت على معدلات انتشاره، مع وصول نسب اختبار الكشف عنه إلى 1% فقط.

لكن هذا الوضع لا ينطبق على بقية الولايات الأميركية، وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة خلال أغسطس/آب الماضي انخفضت عن الحالات في أبريل/نيسان ومايو/أيار فإن الفيروس لا يزال ينتشر في ولايات جنوبية وغربية، مثل جورجيا ولويزيانا وفلوريدا وأريزونا والكثير من مناطق تكساس وكاليفورنيا.

إرشادات الحماية
ووفقا لمعهد القياسات الصحية والتقييم التابع لجامعة واشنطن، فإن معدل الإصابة الحالي سوف يعود إلى ألفي وفاة يوميا بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ويرى المعهد أن رقم الوفيات سيقل إذا بدأ الأميركيون في ارتداء كمامات الوجه بشكل عام ومنتظم، وهو ما يمكن أن تصل معه نسبة الوفيات لبضع مئات فقط.

وفي الوقت ذاته، يرى المعهد طبقا لنموذجه الإحصائي أن معدل الوفيات سيرتفع ويصل إلى 3 آلاف حالة في اليوم بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني إذا لم يلتزم المواطنون بارتداء الكمامات واتباع الإجراءات الاحترازية والتباعد.

وذكر الأستاذ المساعد في كلية طب جامعة جون هوبكنز الدكتور خالد الشامي أنه "مع غياب إستراتيجية فدرالية واضحة لإعادة فتح الاقتصاد والمدارس فإن نسب الإصابة بالفيروس ونسب الوفيات ستعتمد على كيفية تصرف الناس".

وقال الدكتور الشامي في حديث مع الجزيرة نت "إن العديد من المجتمعات المحلية أعيد فتحها في وقت مبكر جدا في الربيع الماضي وأوائل الصيف، وذلك قبل أن يتم خفض مستويات انتقال العدوى، مما مهد الطريق للمرحلة الحالية من الأزمة، حيث استقر البلد على مستوى عال من الإصابات والوفيات".

وتوقع أنه مع "انتهاء عطلة عيد العمال الذي تبدأ بعده عادة عودة المدارس من العطلة الصيفية سنرى بلا شك ارتفاعا جديدا في الإصابات والوفيات في الكثير من الولايات".

اللقاح والتوقيت
فوجئ المراقبون المتابعون لأزمة انتشار فيروس كورونا قبل يومين ببيان مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وهو الجهة الحكومية الأهم للتعامل مع مواجهة الفيروس صحيا، والموجه لمسؤولي الصحة العامة في الولايات المتحدة بضرورة الاستعداد لتوزيع اللقاح المضاد لكورونا بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

من جانبه، استبعد مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أنتوني فاوتشي أن يكون توقيت توزيع اللقاح المضاد لفيروس كورونا قرارا سياسيا يتعلق بالانتخابات الرئاسية.

وقال فاوتشي في لقاء مع شبكة "سي إن إن" (CNN) "لا أعتقد ذلك، لقد كانت إدارة الغذاء والأدوية صريحة جدا بأنها سوف تتخذ القرار بناء على البيانات فور صدورها، وهناك مجلس مكون من مستقلين يراقبون تلك البيانات عن كثب".

بدورها، قررت شركات أميركية عاملة في مجال الأدوية عدم الإعلان عن أي لقاح مضاد لفيروس كورونا قبل إخضاعه بشكل صارم لمعايير السلامة والفعالية.

وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الهدف من القرار -الذي سيعلن الأسبوع المقبل- هو استعادة ثقة الأميركيين، والتأكيد على أن هذه الشركات لن تعلن إنتاج أي لقاح تجاوبا مع ما يقال عن ضغوط سياسية من قبل الرئيس دونالد ترامب بهذا الشأن.

دور الانتخابات الرئاسية
مع بقاء 8 أسابيع فقط حتى يوم الانتخابات أدخل فيروس كورونا قدرا كبيرا من عدم اليقين تجاهها، سواء فيما يتعلق بطريقة إجرائها، أو طريقة عد وحساب الأصوات أو توقيت الإعلان عن المرشح الفائز، ناهيك عن اعتراف الطرف الخاسر بالنتائج.

نجا ترامب خلال السنوات الأربع الماضية من كل ما تعرض له، وواجه بقوة كل الأخبار السيئة، سواء فيما تعلق بتحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأخيرة، أو تحقيقات عزله بسبب أزمة أوكرانيا، إضافة إلى أزمات سياسية هنا أو هناك تسبب هو فيها أو تسبب فيها مسؤولون سابقون انقلبوا عليه.

وتمنح أغلب استطلاعات الرأي -حتى تلك التي تجريها جهات محافظة كمحطة فوكس الإخبارية- المرشح الديمقراطي جو بايدن تقدما واسعا على الرئيس ترامب وصل متوسطة إلى 11 نقطة منتصف الشهر الماضي.

لكن ترامب نجح في تضييق الفجوة مع بايدن خلال الأسابيع الأخيرة من 5 إلى 7 نقاط فقط، بفضل تأثير التوترات العرقية التي شهدتها الكثير من المدن الأميركية على خلفية قتل رجال شرطة بيض رجالا سودا غير مسلحين، وما صاحبها من أعمال شغب وعنف ونهب.

تحولات ومخاطر
وتركز إستراتيجية ترامب الآن على محاولة تغيير الأوضاع على الأرض من خلال الدفع بضرورة عودة الحياة لطبيعتها، وذلك بإعادة فتح المصالح الاقتصادية والمدارس والجامعات، والإيحاء بأن الأسوأ قد انتهى ومر بالفعل.

لكن ذلك الدفع يحمل معه مخاطر كبيرة في الوقت ذاته، فإذا حدثت إصابات أو وفيات في المدارس أو بين طلاب الجامعات فإنه يمكن حينها أن يلقى باللوم على ترامب وحده وتحميله مسؤولية الفشل في التعامل مع الجائحة منذ بداياتها وصولا إلى اللحظة الراهنة.

ويحاول البيت الأبيض رفع نسبة الموافقة الشعبية عن طريق تحسين نظرة الناخبين إلى طريقة استجابة ترامب لجائحة فيروس كورونا المستجد، مما يعزز فرص إعادة انتخابه من خلال التركيز على انخفاض الوفيات والإصابات بالفيروس.

وخلال نصف العام الأول من هجوم فيروس كورونا المستجد كافحت دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان ونيوزيلندا وفيتنام للحفاظ على عدد الإصابات فيها يقترب من الصفر، في حين لا تزال الولايات المتحدة تسجل أكثر من 40 ألف حالة جديدة في اليوم، وهو ما يعتبره البعض نجاحا وصلت له بعد 6 أشهر من المعاناة.

المصدر : الجزيرة