لجمًا للاستيطان.. كيف أخرجت الناقورة من الصخر زرعا وعمرانا؟

في أرض لم تكن يوما إلا أكواما من الحجارة والصخور ينكش الفلسطيني عناد سليم (53 عاما) بفأسه فيها ويزرعها بالأشجار التي قفزت فوق 100 وبأنواع مختلفة من الزيتون واللوزيات وأشجار الزينة، فالمكان سيصبح قريبا منتجعا سياحيا ومزرعة.

لم تكن هذه حال جبل "الصير" في قرية الناقورة قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية حيث أرض المواطن سليم ولا سلسلة الجبال الملاصقة له قبل أن تصلها عملية التعمير التي أطلقها المجلس القروي في السنوات القليلة الماضية، في محاولة لفرض الأمر الواقع واستباق خطوة المستوطنين باحتلاله.

عاطف دغلس- طريق التفافي يستخدمة الاحتلال للتنقل بين مستوطنة شافي شمرون ومعسكر للجيش في جبل عيبال بنابلس ويقطع اراضي قرية الناقورة-الضفة الغربي-
طريق يستخدمه الاحتلال يقطع أراضي قرية الناقورة (الجزيرة نت)

تمتد مساحة أرض المواطن سليم إلى 14 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) وهي قطعة من أراض كثيرة يملكها أهالي قريته في الجبال والتي وضعها المستوطنون نصب أعينهم وبدؤوا بالتسلل إليها محاولين احتلالها قبل أن يقطع المواطنون الطريق عليهم ويعمروها.

قبل التعمير لم يكن الوصول لأرض المواطن سليم سهلا، فالتضاريس جبلية وصخرية، والأرض وتعميرها يتطلبان جهدا ومالا لا يقدر المواطنون عليه، وهنا كان التدخل سريعا من المجلس القروي في خدمات البنية التحتية من طرق وماء وكهرباء.

يقول سليم بعد أن توقف للحظات عن العمل "أثرت حفيظة الاحتلال باستصلاح أرضي، حيث استدعاني وحقق معي حول ذلك"، ويضيف "التعمير للجبل يزعجهم لكنه أفضل مشروع أقدم عليه خاصة وأن سعر الأرض ارتفع أضعافا".

عاطف دغلس-قلعة الشيخ شعلة يونانية قديمة كانت تستخدم كحلقة اتصال اعاد مجلس الناقورةترميمها-الضفة الغربية- نابلس-مدخل الناقورة-الجزيرة نت13
قلعة الشيخ شعلة يونانية قديمة كانت تستخدم كحلقة اتصال أعاد مجلس الناقورة ترميمها (الجزيرة نت)

مشاريع ضخمة
ليس مشروع سليم فقط ما قادنا له رئيس مجلس قروي الناقورة أحمد أبو حشيش، فالجبال الخمسة التي تحيط بالناقورة كقلاع حصينة نفذت بها مشاريع عدة لحمايتها من شبح الاستيطان كان آخرها ترميم مقام إبراهيم الأدهم الديني وقلعة "الشيخ شعلة"، وهي قلعة يونانية رومانية قديمة، فضلا عن بناء مدرسة ثانوية وملعب لكرة القدم وخزان جمع المياه ومشاريع أخرى.

إعلان

ونحن في الطريق نتنقل بين الجبال رفقة أبو حشيش، كان المواطنون يتجولون بين أراضيهم بينما نسمع صوت مطارق عمال البناء وهم يضربون فوق ألواح الخشب معلنين استكمالهم للطابق الأخير من المدرسة الثانوية وشروعهم في بناء خزان المياه، وعلى الجهة المقابلة كان بعض الشبان يعتلون سطح قلعة الشيخ شعلة.

قبل ثماني سنوات تولى أبو حشيش رئاسة المجلس القروي للناقورة، حينها كان الاحتلال الإسرائيلي يغلق مدخل القرية الرئيسي ويجبر سكانها على سلك طرق التفافية تزيد في بعدهم عن نابلس وترهقهم ماليا.

ومن شرفة منزله، يطالع أبو حشيش كل يوم غول الاستيطان في مستوطنة "شافي شمرون" وكيف تبتلع مزيدا من أراضيهم، فالمستوطنة التي أقيمت أساسا فوق أنقاض معسكر للجيش الأردني لم تتجاوز مساحته 250 دونما، تجثم الآن فوق ألف دونم نصفها لقريتهم.

كل هذا دفع أبو حشيش للعمل وبكل الطرق لوقف زحف سرطان الاستيطان، فاتجه شرقا حيث بدأ المستوطنون يستهدفون المكان الإستراتيجي للقرية وجبالها التي تُطل على بعضها بمشهد بانورامي يقل نظيره.

عاطف دغلس-مستوطنون يقتحمون جبال الناقورة اول امس-الصورة من رئيس المجلس القروي-الضفة الغربية- نابلس-الجزيرة نت20
مستوطنون يقتحمون جبال الناقورة أول أمس (مواقع التواصل الاجتماعي)

صراع وجود
بزيه الفلسطيني التقليدي وعصا وسبحة بألوان العلم الفلسطيني يحملها بيده، يتنقل أبو حشيش بين مشاريع البناء ويتفقدها باستمرار، ويترصد أي توغل للمستوطنين وجنود الاحتلال لتلك الجبال خاصة قلعة الشيخ شعلة الأثرية.

شكلت قلعة الشيخ شعلة ولموقعها الإستراتيجي نقطة اتصال بين قلاع مشابهة كجبل "بايزيد" شمالا و"عماد الدين" جنوبا عبر إشعال النيران لبعث رسائل بعينها.

يقول أبو حشيش إن المستوطنين اقتحموا المكان مرات عدة وسرقوا حجارة من القلعة، مما دفعه للإسراع في تنفيذ مرحلة الترميم الأولى لها، ويستعد لإكمال الترميم للقلعة والمقبرة المحيطة بها لتحويلها لحديقة تاريخية خاصة بعد أن تم وضعها على مسار إبراهيم عليه السلام السياحي.

يستغل المستوطنون وبدعم حكومي المقامات الدينية والمواقع الأثرية وعيون المياه المنتشرة في المناطق الفلسطينية لتحويلها إلى أماكن مقدسة يمارسون فيها طقوسا تلمودية يهدفون عبرها لوضع أيديهم عليها.

في الجبال المقابلة لقلعة الشيخ شعلة، يواصل العمال وآليات الحفر عملهم في شق الطرقات ومد شبكات المياه والكهرباء التي توسعت 20 ألف متر لتشجيع الزحف العمراني، فالمخطط الهيكلي للقرية المقدر بـ400 دونم لم يعد يسمح بالبناء داخلها والاحتلال يصادر عبر استيطانه وطرقه الالتفافية أكثر من ألفي دونم من أصل خمسة آلاف دونم هي كل مساحة القرية.

عاطف دغلس- البناء توسع وارتفع بعد تعمير الجبال في الناقورة وقطع المواطنون الطريق على المستوطنين-الضفة الغربية- نابلس- مدخل الناقورة- الجزيرة نت6
البناء توسع وارتفع بعد تعمير الجبال في الناقورة فقطع المواطنون الطريق على المستوطنين (الجزيرة)

سباق مع الزمن
وبشعاره "بتغدي فيهم قبل ما يتعشوا في" يسير أبو حشيش في تعمير الجبال قبل أن يحتلها المستوطنون، لهذا لا تجده يكترث لتقسيمات الاحتلال للأرض وفق اتفاق أوسلو "إيه وبي وسي" (A-B-C) بل يعمل على تسهيل الحصول على رخص للبناء وكل ما يحتاجه المواطنون.

سعت إسرائيل أواخر سبعينيات القرن الماضي وبصفتها الاحتلالية كوريث للحكم الأردني إلى تطويع مختلف القوانين لمصادرة أراضي الفلسطينيين خاصة في رؤوس الجبال التي تحوي الكم الأكبر من "أراضي الدولة" للبناء الاستيطاني الذي تصاعد بتلك الفترة.

إعلان

يؤكد أبو حشيش أن أكثر من 90% من أهالي الناقورة انتفعوا من تعمير الجبال خاصة وأن سعر الأرض ارتفع عشرة أضعاف عما كان عليه قبل سنوات قليلة فقط، فعملية الاستصلاح طالت جبال القرية الخمسة وبكلفة فاقت 4 ملايين دولار أميركي.

عاطف دغلس- الطريق الالتفافي الذي يقطع اراضي الناقورة ويتسخدمه جيش الاحتلال الاسرائيلي للتنقل بين مستوطناته ومعسكراته-الضفة الغربية- نابلس- مدخل
أراضي النافورة بعد تعميرها ويظهر وسطها الطريق الالتفافي للاحتلال (الجزيرة نت)

ويقول إن ما نفذه في قريته ليس مستحيلا، وإن كل قرية بإمكانها الإقدام على تعمير جبالها خاصة التي يتهددها الاستيطان، ويدعو لتغيير الصورة النمطية بأن رؤوس الجبال الفلسطينية أصبحت تقتصر على المستوطنات.

شدَّ هذا الجمال الأخَّاذ والتوسع العمراني والترميم للمواقع الأثرية في الناقورة الزوار من شتى بقاع الضفة الغربية كما هي حال الشاب قضي الطويل الذي جاء من مدينة الخليل جنوبا رفقة أصدقاء له ليكتشف المكان بنفسه، ويقول "هذه الأماكن يجب أن توضع على الخارطة السياحية الفلسطينية وإلا فقدناها أمام تغوُّل المستوطنين وصلفهم".

بجاذبيته وحضوره الذي يتمتع به، يستغل رئيس مجلس الناقورة أحمد أبو حشيش علاقاته الواسعة كأحد نشطاء المقاومة الشعبية في رفد قريته بأي مشاريع تساهم في نهوضها وتلجم أطماع المستوطنين فيها.

المصدر: الجزيرة

إعلان