الحريري والجبري.. محمد بن سلمان بين "سعدين"

منذ لحظة تنصيب الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد في السعودية في يونيو/حزيران من العام 2017، أيقن الأمير أن الطريق باتت ممهدة أمامه لحكم المملكة، خصوصا بعد تمكنه من إزاحة أحد أشرس منافسيه على العرش، أي ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف.
هذا الواقع المعزز بصلاحيات مطلقة على مختلف المستويات والملفات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، جعل بن سلمان يتصرف كأنه أصبح "الملك الفعلي"، ولكن ارتكابه لبعض الأخطاء ربما يحول دون تحقيق حلم الأمير الشاب.
ولعل أولى هفوات بن سلمان "الكبيرة والمعلومة" بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2017، عندما أشرف مستشاره السابق سعود القحطاني على احتجاز رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري في الرياض.
فقد كشف تقرير صحفي آنذاك أنه جرى اقتياد الحريري بعيد وصوله إلى أرض المطار إلى إحدى الغرف، حيث قام فريق أمني بالاعتداء عليه بالضرب، قبل أن يقوم القحطاني نفسه بسبه وشتمه، وإجباره على إعلان استقالته من منصبه رئيسا لوزراء لبنان في بيان، بثته إحدى القنوات السعودية.
ونقل التقرير الذي نشرته وكالة رويترز عن أحد المصادر قوله إن القحطاني قال للحريري "ليس أمامك خيار سوى الاستقالة وقراءة هذا البيان". وأضاف المصدر أيضا أن "القحطاني أشرف على استجواب الحريري وسوء معاملته".
صراع مع إيران
وذكرت مجلة "نيويوركر" الأميركية أن علاقة بن سلمان بالحريري الذي نشأ في السعودية، وهو نجل رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري أحد أبرز حلفاء المملكة، تدهورت بسبب الحرب بالوكالة مع إيران.
وأشارت المجلة إلى أن الرياض عولت كثيرا على الحريري لمواجهة حزب الله، نظرا لأنه سني وله خبرة ولديه مخاوف من حزب الله، لكنه ورغم ضغوط بن سلمان عليه لم يكن قادرا على مواجهة الحزب.
ولفتت "نيويوركر" إلى أن ما أشعل غضب بن سلمان هو وصول أحد المسؤولين الإيرانيين إلى بيروت وتصريحه بأن طهران تنوي مواصلة دورها في المنطقة، قبل أن يلتقط الحريري صورة معه وهو يبتسم، ما أثار حفيظة ولي العهد السعودي بشدة.
تدخل فرنسي
وبعد مرور نحو أسبوعين على احتجاز الحريري، أفرج عنه إثر تدخل مباشر من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي وقت لاحق أعلن ماكرون أنه لو لم تتدخل بلاده في أزمة احتجاز الحريري في المملكة لربما كانت هناك حرب في لبنان.
وأضاف الرئيس الفرنسي في حديث في حديث لقناة "بي إف إم تي في" الفرنسية أن توجهه إلى الرياض لإقناع ولي العهد السعودي بحل أزمة الحريري جعل لبنان يخرج من أزمة خطيرة. وفور عودته إلى بيروت، تراجع الحريري عن استقالته دون أن يكشف عن أي تفاصيل عن ظروف استقالته أو احتجازه.
جمال خاشقجي
لم تقف مصائب محمد بن سلمان عند احتجاز الحريري فقط، بل تعدتها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث اتهم بالمسؤولية المباشرة عن جريمة قتل وتقطيع الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.
وأثارت الجريمة ضجة عالمية واسعة، ولطخت سمعة بن سلمان، وعرضت للخطر كل الخطط التي تهدف إلى تنويع اقتصاد السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، وإلى انفتاح المجتمع السعودي.
وبعد جملة بيانات نفي متناقضة في البداية، حملت الرواية الرسمية السعودية المسؤولية عن مقتل خاشقجي لمجموعة من العاملين والمسؤولين الأمنيين، الذين ادعت أنهم تصرفوا من تلقاء أنفسهم، أي من دون الرجوع إلى القيادة.
وقال النائب العام السعودي سعود المعجب إن أحمد عسيري نائب رئيس جهاز المخابرات حينذاك أمر بإعادة خاشقجي إلى السعودية، غير أن رئيس الفريق المكلف بإحضاره أمر بقتله بعد أن فشلت مفاوضات إعادته. كما أفاد المعجب بأن سعود القحطاني قد أطلع الفريق المكلف بإحضار خاشقجي على أنشطته قبل العملية.
سعد الجبري
ورغم كل الغضب العالمي الذي أثارته جريمة قتل خاشقجي، لم تنته متاعب بن سلمان عند هذا الحد، حيث كشفت تقارير صحفية أن مقربين من ولي العهد السعودي حاولوا أكثر من مرة على مدار الأعوام القليلة الماضية اغتيال مسؤول المخابرات السابق سعد الجبري في الولايات المتحدة وكندا.
وتقول أسرة الجبري المقرب من ولي العهد السعودي المعزول والمعتقل حاليا محمد بن نايف إن محمد بن سلمان عمد في الأشهر الأخيرة إلى زيادة الضغط على أقاربه، بما في ذلك اعتقال ابنيه البالغين في محاولة لإرغامه على العودة إلى المملكة.
وذكرت مصادر مطلعة على هذا الملف أن أنظار ولي العهد تنصب على وثائق متاحة للجبري تتضمن معلومات وصفت بالحساسة جدا. وأفادت أسرة الجبري بأن بن سلمان يعتقد أنه بإمكانه استخدام الوثائق الموجودة بحوزة الجبري ضد منافسيه الحاليين والمحتملين على العرش، وضمنهم بن نايف، كما يخشى محمد بن سلمان في الوقت نفسه أن تتضمن هذه الوثائق معلومات إضافية قد تمسه هو ووالده الملك سلمان بن عبد العزيز.
ويقيم الجبري في كندا منذ العام 2017، وشغل منصب وزير دولة، وكان أحد كبار الضباط في الداخلية السعودية، وهو خبير في الذكاء الاصطناعي، وقام بدور رئيسي في معركة المملكة ضد تنظيم القاعدة، والتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة في هذه الحرب.
بيد أن الرجل لم يشعر بالأمان في أميركا تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، خوفا من إبرام صفقة لتسليمه إلى ولي العهد السعودي، وهو ما دفعه إلى تركها عام 2017 موليا وجهه شطر كندا.
دعوى قضائية
ولكن سعد الجبري لم يسر على خطى سعد الحريري في السكوت على ما تعرض له من قبل ولي العهد السعودي، بل انتقل من الدفاع إلى الهجوم، حيث بادر إلى رفع دعوى قضائية في واشنطن ضد بن سلمان يتهمه فيها بأنه أرسل فريقا لاغتياله في أميركا وكندا، سعيا وراء تسجيلات مهمة يملكها. وتتهم الدعوى ولي العهد السعودي بتشكيل فريق لترتيب قتل الجبري من ٣ أشخاص، هم بدر العساكر وسعود القحطاني وأحمد العسيري، وكلهم من كبار مساعدي بن سلمان.
وتؤكد الدعوى القضائية أيضا أن بن سلمان أرسل فريقا لاغتيال الجبري خلال إقامته في مدينة بوسطن الأميركية عام 2017، وأنه حاول على مدى أشهر نشر عملاء سريين في الولايات المتحدة في محاولة لتعقب الضابط السعودي السابق. وبعد فشل كل تلك المحاولات لم يتوان ولي العهد السعودي عن إرسال فريق آخر لاغتيال الجبري في كندا، وذلك بعد أسبوعين فقط على جريمة اغتيال خاشقجي البشعة.
تداعيات القضية
وبعد مرور أيام قليلة على رفع الدعوى، أصدرت محكمة واشنطن الفدرالية يوم الاثنين الماضي أوامر استدعاء قضائية بحق محمد بن سلمان، و13 شخصا آخرين للرد على اتهامات الجبري لهم بمحاولة اغتياله.
وتشمل استدعاءات المحكمة يوسف الراجحي وليلى أبو الجدايل المقيمين في الولايات المتحدة. وطلبت المحكمة الرد على الادعاءات خلال مدة أقصاها 21 يوما، وإلا فإنها ستجد نفسها مضطرة لإصدار حكم غيابي لصالح الجبري.
في تجربته مع السعدين، الحريري والجبري، ربما اعتقد محمد بن سلمان أنه فوق المساءلة القانونية، لاسيما أن ما حصل من احتجاز لرئيس الوزراء اللبناني السابق في السعودية مر مرور الكرام، إذ التزم الحريري الصمت وفضل عدم إثارة القضية لاعتبارات تتعلق بالروابط التاريخية التي تجمع عائلته بالمملكة، إلى جانب تقاطعات سياسية وأخرى مهنية تتعلق بوجود شركاته وأعماله في السعودية.
ولكن هذا السيناريو لم ينطبق على مسؤول المخابرات السعودي السابق، الذي يبدو أنه يعرف تماما كيفية الاستفادة من عوامل الجغرافيا والقانون التي تصب في صالحه، خصوصا أنه يملك أوراقا ومستندات رابحة، قد تمكنه من قلب الطاولة على الأمير الشاب وربما القضاء نهائيا على طموحاته بتولي عرش المملكة.