الطائرات الورقية.. تسلية للمصريين فكيف تهدد الأمن القومي؟

لطالما كانت الطائرات الورقية تسلية للصغار وربما الكبار في مصر، ولذلك كان طبيعيا أن يلوذ إليها البعض للترفيه في ظل أجواء الحظر التي فرضها فيروس كورونا، لكن ما لم يكن طبيعيا هو أن تصل هذه الطائرات إلى البرلمان المصري عبر شكوى من أحد النواب بشأن مخاطر مزعومة لها على الأمن القومي.

ورغم أن هذه الطائرات مصنوعة يدويا من الأخشاب والبلاستيك وكانت متنفسا لكثير من الأطفال والشباب خلال فترة الحظر فإن النائب كان له رأي آخر، لتتحول لعبة أطفال إلى تهديد قومي، فيما يعتبره مراقبون أمرا مقصودا لخلق فزاعات تبرر للسلطة الاستمرار في فرض إجراءات أمنية مشددة.

ومع شعب يحب التنزه ويبدع في خلق أجواء التسلية انتشرت الطائرات الورقية في سماء القاهرة والمدن المصرية خلال الأسابيع الماضية التي شهدت فرض حظر وقيود على الحركة والمحال التجارية وأماكن الترفيه.

وفوق كوبري عباس الشهير -الذي يمر فوق نهر النيل رابطا القاهرة بالجيزة- كان العشرات من الأطفال والشباب يصطفون مع أسرهم وهم يلهون بطائرات ورقية، في مشاهد ودودة ذكّرت بحميمية جلسات الأسر  قبل عصر انتشار الإنترنت والانكفاء على الألعاب الإلكترونية على شاشات الهواتف والحواسيب.

وقبل ذلك، كانت أسطح المنازل قاعدة الانطلاق لطائرات اللهو الورقية، بعد أن أقعد حظر كورونا سكان المنازل عن اللهو في الشوارع كما اعتادوا.

كما أصبحت هذه الطائرات الورقية مهمة لدى بعض مربي الحمام كما يقول عامر حسن، وهو أحد مربي الحمام في منطقة الجيزة، موضحا أنهم يستخدمونها كي تستدل أسراب الحمام العائدة مساء على أبراجها وأعشاش تربيتها.

وسرعان ما امتد نطاق هذه الهواية لتمتلئ سماء القاهرة في الأسابيع الماضية بمئات من الطائرات الورقية التي يمسك بخيوطها الأطفال والشبان، سواء كانوا فوق أسطح البنايات أو على الجسور المارة فوق النيل، لتشكل لوحة جميلة في سماء المدينة، خصوصا عند المساء، لتعوض بالنسبة للبعض أجواء الرعب التي خلفها تفشي فيروس كورونا وتداعياته.

 

 

تهديد للأمن القومي

لكن على حين غرة وصلت الطائرات الورقية إلى مكان غير متوقع، وهو البرلمان المصري، حيث تقدم خالد أبو طالب النائب والعضو في لجنة الأمن القومي بإحاطة إلى رئيس الوزراء يطلب فيها منع اللعب بالطائرات الورقية  بدعوى "خطرها على الأمن القومي".

وسعى العضو إلى تبرير تصوراته عن خطورة الطائرات الورقية قائلا إنه يمكن تزويدها بكاميرات مراقبة لتصوير المنشآت المهمة والحيوية، ولافتا إلى أن التطور التقني حوّلها من مجرد لعبة للهو إلى أداة لـ"تهديد الأمن القومي لمصر" المهدد من جوانبه الأربعة، حسب قوله.

وبدا خبر طلب الإحاطة مضحكا جدا لوليد، وهو صبي في الـ15 من عمره كان يحاول التحكم في طائرته الورقية المحلقة بعيدا فوق مياه النيل المهدد بالجفاف، فعندما أخبرناه بالأمر وطلبنا منه التعليق قال للجزيرة نت إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تسلية ولهو بريء، ومعظم من يلهون بها أطفال، فكيف يهددون الأمن القومي لمصر؟

لكن صاحبه إياد نبه إلى قيام بعض أقرانه بتثبيت هواتفهم المحمولة في طائراتهم بعد تشغيل الكاميرات الخاصة بهذه الهواتف، ثم إطلاقها لتصوير أنفسهم من أعلى بغية اللهو لا أكثر، مشددا على أنه لا يمكن أن يخطر ببال أحدهم أن يصور شيئا خطيرا لأنه ببساطة يطلقها فوق منزله أو في محيط واسع بمنطقته، متابعا بالقول للجزيرة نت "لا أخشى مصادرة طائرتي، وأظن أن الحكومة غير جادة".

وسخر مغردون من طلب الإحاطة البرلماني، واستدعى بعضهم أغاني قديمة عن الطائرات الورقية، مثل أغنية "قلبي طيارة ورق"، وأغنية "طيري يا طيارة".

وبعيدا عن السخرية من محاكمة الطائرات الورقية في البرلمان، فإن هذه اللعبة لا تخلو من أخطار ومشكلات للأطفال، يبدأ أهونها من محاولة أحدهم مضايقة طائرة الآخر بطائرته، وصولا إلى ما حدث لأحد الأطفال عندما انشغل في ملاحقة طائرته فصدمته سيارة مسرعة في منطقة البساتين جنوب القاهرة، فيما لقي آخر مصرعه صعقا بالتيار الكهربائي عندما حاول إنقاذ طائرته التي علقت على أحد أعمدة الإنارة.

قبلة حياة لحرفيين

وكما أعادت الطائرات الورقية الحياة لعلاقات إنسانية بين أفراد الأسرة الواحدة كادت تحتضر مثلّت أيضا قبلة الحياة لمهن كاد أصحابها يموتون جوعا بسبب انحسار مدخولات تلك المهن والركود الاقتصادي.

ومن هذه المهن النجارة، ويقول عبد الجابر -وهو نجار في منطقة الهرم بالقاهرة- إنه بدأ في نشاط تصنيع الطائرات الورقية بطائرتين لابنتيه ثم لصديقاتهما، ثم لأبناء المنطقة بمقابل مادي يبلغ 30 جنيها للطائرة متوسطة الحجم "الدولار نحو 16 جنيها".

ومثل عبد الجابر بدأ نجارون كثر في تحويل نشاطهم لتصنيع الطائرات الورقية، فالخامات البسيطة من نبات الغاب "البوص" والنايلون والخيوط تسهّل تصنيعها، وهي "لا تحتاج نجارا ماهرا"، كما يقول عبد الجابر للجزيرة نت، بل يمكن لأي فرد صناعة طائرة ببساطة، لكن المشكلة في الحصول على هذه الخامات، لأنها من أكثر من مصدر، ولو حاول الفرد الحصول عليها بنفسه فقد ينفق وقتا أو مالا أكثر.

أنقذت صناعة و تجارة الطيارات الورقية أسراً من العوز
صناعة وتجارة الطائرات الورقية أنقذتا أسرا من العوز (الجزيرة)

ويجلب عبد الجابر كمية من نبات البوص من منطقة جزيرة الذهب الواقعة في النيل عند المنيب، ثم يحضر بكرات الخيوط من بائعي أدوات الصيد بمنطقة قريبة من النيل في شارع البحر الأعظم، أما النايلون فيجلبه من الخيامية، وهي جولة واحدة يقوم بها أسبوعيا لشراء مستلزماته كي يكون الأمر مجديا اقتصاديا.

ووجدت الطائرت الورقية صنّاعا مهرة متخصصين أدخلوا تحسينات على أدائها فزودوها بدوائر إنارة أو صور لمشاهير، أبرزهم لاعب كرة القدم محمد صلاح، أو شعارات لأندية كالزمالك، مما وسع دائرة المتربحين من هذه الصناعة، من حرفيين يحاولون تجاوز أزمة الركود الطاحنة.

وتحول بعض من توقف نشاطهم بسبب كورونا إلى التخصص في تصنيع وبيع الطائرات، فهذا جمال -الذي كان قبل شهور يعمل ليلا على كوبري عباس يحضّر المشروبات ويقدمها لمحبي النزهة البسيطة على رصيف الكوبري- حوّل نشاطه في نفس المنطقة لبيع الطائرات، بعد أن يقوم بمساعدة زوجته في تصنيعها بالمنزل.

ويقول جمال للجزيرة نت إنه يبيع يوميا 10 إلى 20 طائرة ورقية، ويتراوح ثمن الواحدة بين 40 و100 جنيه.

وكان في البداية يكسب 5 جنيهات في الطائرة الواحدة حينما كان يشتريها من مصنّعيها، ثم فكر في مضاعفة مكسبه بتصنيعها بنفسه، فهي بسيطة وقد علم سر الصنعة.

وشمل هواة الطائرات الورقية مشاهير، مثل الممثل الكوميدي علي ربيع الذي نشر على حسابه بموقع إنستغرام مقطعا مصورا وهو يطيّر طائرة ورقية ويستمع في ذات الوقت لأغنية "طيري يا طيارة" للنجمة فيروز، وكتب قائلا "يلا نطيّر طيارة"، دون أن يعبأ بمخاطر ذلك على الأمن القومي للبلاد.

View this post on Instagram

🪂 يلا نطير طياره #علي_ربيع 😃

A post shared by Ali Rabee (@aliirabee1989) on