حلم لم يتحقق.. التقدم التكنولوجي يعزز الحكم الاستبدادي بدل الانفتاح

ميدان - هاكينغ هكر تجسس اختراق

يقول ثلاثة كتاب أميركيون إن البشرية -بنهاية الحرب الباردة وانتصار الديمقراطية الليبرالية- كانت مفعمة بالأمل في نهاية الدولة البوليسية من العالم، لكن التطورات التكنولوجية التي ظهرت عند بداية الألفية الحالية أثبتت أن ذلك كان أملا ساذجا. 

وأوضح الكتّاب: أندريه كيندال تايلور، وإيريكا فرانتز، وجوزيف رايت -في مقال طويل مشترك بمجلة فورين أفيرز- أنه مع بداية القرن الحادي والعشرين، كانت التكنولوجيات الجديدة -بما فيها الإنترنت والهواتف الذكية- تعد بالسماح للأفراد بالحصول على المعلومات بحجم لم يسبق له مثيل، وبإمكانية إنشاء علاقات تواصل بينهم وبناء مجتمعات جديدة.

لكن بدلا من ذلك، وفّرت هذه التكنولوجيات للحكام طرقا جديدة للحفاظ على السلطة، تنافس تلك التي استخدمتها دول الستار الحديدي (الاتحاد السوفياتي وتوابعه من دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى إبان الحرب الباردة).

وقالوا إن أساليب المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي -على سيبل المثال- تتيح للحكام الطغاة حاليا مراقبة تلقائية وتعقبا لمعارضيهم، بطرق أقل تدخلا وتطفلا بما لا يُقارن مع أساليب المراقبة التقليدية، وأقل كثيرا في تكلفتها واستخدامها للقوى البشرية، وأكبر كثيرا في مردودها.

خيبة أمل الثورات
وأضافوا أن التقنيات الجديدة تمكن السلطات من قراءة الرسائل النصية والرسائل في وسائل التواصل الاجتماعي وتتبع تحركات المعارضين، وبمجرد أن يعلم المواطنون أن كل هذه الأشياء تحدث بالفعل، فإنهم يغيرون سلوكهم دون أن يلجأ النظام إلى القمع الجسدي.

"تو توك" تطبيق إماراتي يتجسس على الهواتف ويسرب الصور والتسجيلات والعلاقات(الصحافة الأميركية)

وذكر المقال أن هذه الصورة المقلقة تتعارض بشكل صارخ مع التفاؤل الذي صاحب انطلاق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات الجديدة منذ عام 2000، وقد بلغ هذا الأمل ذروته في أوائل عام 2010، حيث سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي لأربعة من شعوب العالم الإطاحة بأطول الحكام الدكتاتوريين حكما في العالم (حكام: مصر وليبيا وتونس واليمن).

لكن من الواضح الآن أن التكنولوجيا الجديدة لا تدعم بالضرورة الذين يسعون للتحرر من الاستبداد، فالأنظمة الاستبدادية -في مواجهة الضغط والخوف المتزايدين من شعوبها- تحتضن التكنولوجيا لإعادة تشكيل وسائل الاستبداد في العصر الحديث.

ويمضي المقال ليقول إن ما أسماه بـ"الأنظمة الاستبدادية الرقمية" بقيادة الصين، تستخدم اليوم التكنولوجيا الحديثة لتعزيز أساليب بقائها العتيقة، إنها تستغل ترسانة جديدة من الأدوات الرقمية لمواجهة ما أصبح التهديد الأكبر للاستبداد، وهو القوة المادية والبشرية للاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومات.

شبح الاحتجاجات
لقد غيّر العصر الرقمي السياق الذي تعمل فيه الأنظمة الاستبدادية، فقد أزالت التقنيات الحديثة حواجز الاتصال أمام مساعي التنسيق، وجعلت من السهل على المواطنين العاديين أن يحشدوا ويهددوا الحكومات التي تقمعهم ولا تستجيب لمطالبهم.

وقالوا إن 60% من الدكتاتوريات واجهت -بين عامي 2000 و2017- احتجاجا واحدا على الأقل يضم خمسين مشاركا أو أكثر، مضيفين أنه وعلى الرغم من أن العديد من هذه المظاهرات كانت صغيرة ولا تشكل تهديدا يذكر للنظام، فإن تواترها الواضح يؤكد الاضطرابات المستمرة التي كانت تواجهها العديد من الحكومات الاستبدادية.

وقد أطاحت هذه الاحتجاجات في هذه الفترة بعشرة أنظمة استبدادية، أو 23% من الأنظمة السلطوية الـ44 التي سقطت خلال هذه الفترة، بينما فقد 19 نظاما استبداديا آخر السلطة عن طريق الانتخابات.

انحسار الانقلابات
وأشاروا إلى أن الانقلابات كانت هي الخطر الأكبر على الحكومات الدكتاتورية في الفترة من 1946 إلى 2000، حيث تغير بواسطتها ثلث عدد الحكومات الاستبدادية التي أُطيح بها في العالم (مجموعها 198)، بينما غيّرت الاحتجاجات 16% منها فقط.

أما خلال الفترة من 2001 إلى 2017، فقد أطاحت الاحتجاجات بضعفي عدد الحكومات التي أطاحت بها خلال الفترة الأولى.

وإزاء ذلك، يقول الكتاب الثلاثة إن الحكومات -وخاصة المستبدة منها- زادت قيودها على الحريات السياسية والمدنية وركزت على تقييد قدرة المواطنين على الاحتجاج، وذلك باستخدام التقنيات الرقمية.

‪‬ فورين أفيرز: القمع الرقمي الحكومي الحالي ينذر بنكوص الديمقراطيات الهشة(مواقع التواصل)
‪‬ فورين أفيرز: القمع الرقمي الحكومي الحالي ينذر بنكوص الديمقراطيات الهشة(مواقع التواصل)

وقالوا إن أبحاثهم -التي غطت 202 دولة في العالم- أظهرت أن الأنظمة الاستبدادية التي تستخدم القمع الرقمي تواجه مخاطر أقل من الاحتجاجات مقارنة بالأنظمة التي لا تستخدمه، وقالوا أيضا إن الأنظمة التي تزيد من قمعها الرقمي تزيد أيضا من قمعها العنيف الملموس في الحياة الواقعية، خاصة التعذيب وقتل المعارضين.

ولفت المقال الانتباه إلى أنه لا توجد دولة في العالم استغلت الذكاء الاصطناعي لقمع المعارضين أكثر من الصين، التي ظلت تجمع سلسلة واسعة من البيانات عن جميع المواطنين مثل عوائد الضرائب وكشوف الحسابات من البنوك وأنماط الاستهلاك والسجلات الجنائية والطبية وغير ذلك، لمعرفة معارضي نظامها حتى بين المسؤولين، ومعرفة أمثل الطرق لتأديبهم وإخضاعهم، وكذلك لمعرفة الموالين للنظام ومكافأتهم.

موجة نكوص عن الديمقراطية
وتبيّن التجربة الصينية كيف يمكن للقمع الرقمي أن يعزز القمع المادي الملموس. ففي مقاطعة شينجيانغ، احتجزت السلطات الصينية أكثر من مليون من مسلمي الإيغور في معسكرات "لإعادة تأهيليهم".

ولدى الصين برامج تحدد من يُسمح له بالمرور في الطرق، ومن سيُحتجز، وجمعت قدرا كبيرا من البيانات عن سكانها من الإيغور، بما في ذلك معلومات الهاتف النقال والبيانات الوراثية ومعلومات عن الممارسات الدينية.

وأصبحت الصين نموذجا يُحتذى به في القمع والاستبداد، إذ نجد دولا مثل روسيا وأخرى بأفريقيا وأميركا اللاتينية تستعين بالتكنولوجيا والأساليب الصينية لقمع معارضيها وتعطيل بث رسائلهم للجمهور، وتشويه صورة المعارضة وبرامجها باستخدام ما يُسمى بـ"البوتات"، أو الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، و"الديب فيك" أي التزييف العميق. 

وقدم المقال أرقاما تثبت أن الدول الاستبدادية التي تستخدم التكنولوجيا الرقمية أطول عمرا من التي لا تستخدمها، وقالوا إن التكنولوجيا تساعد حاليا في نشوء موجة من النكوص عن الديمقراطية وسط دول الديمقراطيات الهشة.

المصدر : فورين أفيرز