في قلب الخليل.. غابة بنادق تحمي العنصرية

عوض الرجوب-الخليل
غابة بنادق وأسلاك شائكة وبوابات إلكترونية وحواجز عسكرية تفصل بين أناس يعيشون حياة القرن 21 بكافة كمالياتها، وآخرين يكافحون للحفاظ على نمط حياة لا تتجاوز منتصف القرن العشرين.
هنا شارع الشهداء الذي كان يعتبر "شريان قلب الخليل". هنا بيوت أجبر أصحابها الفلسطينيون على هجرها ومحلات تجارية مغلقة بالأكسجين.
هنا عائلات تسكن في بيوت يزيد عمرها على مئة عام ويمنعون من أي ترميم أو إضافة، ويجاورهم قسرا مستوطنون أقاموا حياة متكاملة في أملاك استولوا عليها بالقوة وطردوا أصحابها.
هنا العنصرية وشريعة الغاب. هنا الأفضلية للمستوطنين: يسرحون ويمرحون ويضربون ويعتدون وينكلون دون حسيب أو رقيب. وهنا أيضا فلسطينيون ملاحقون حيث يخضع حتى رغيف خبزهم للتفتيش، ويمنع ضيوف من زيارتهم، وحتى سيارات الإسعاف لا تصلهم.
حصار طويل
تعيش نحو 170 أسرة فلسطينية بمنطقتي شارع الشهداء وتل الرميدة حصارا مشددا منذ مجزرة المسجد الإبراهيمي في 25 فبراير/شباط 1994، وزادت حدة معاناتهم مع هبة القدس عام 2015.
ويفصل حاجز عسكري إسرائيلي شديد التحصين بين شارع الشهداء المغلق بمنطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية من الخليل، ومنطقة باب الزاوية الحيوية والخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية.

الحاج مفيد الشرباتي وأسرته المكونة من خمسة أفراد يعيشون بمنزل قديم ومتهالك لا تزيد مساحته على 45 مترا مربعا ورثه عن والده، ويمنع من أي إضافة أو تعديل على المنزل الذي يؤدي بابه مباشرة إلى شارع الشهداء.
وبينما يتجول المستوطنون بسياراتهم بكامل الحرية وتتوفر لهم الخدمات على مدار الساعة، لا يستطيع الحاج الشرباتي الدخول إلى منزله إلا عبر بوابات إلكترونية أو من خلال أسطح ومنازل الجيران.
ومن بين نحو 1600 محل تجاري تغلقه سلطات الاحتلال في قلب الخليل، فإن نصيب شارع الشهداء نحو 640 محلا لم يتمكن أصحابها من فتحها منذ 26 عاما -كما يؤكد الشرباتي- ليس هذا فحسب بل أغلق الاحتلال أبواب كثير من المنازل المسكونة وأجبر أصحابها على فتح أبواب بديلة لا تؤدي إلى شارع الشهداء.
أفضلية السجن
يصف الحاج الشرباتي حياتهم بالسجن، مع أفضلية للسجن على وضعهم الحالي "ففي السجن يعرف الأسرى مواعيد زياراتهم من أهاليهم وأقاربهم، أما نحن فنحرم من كل الزيارات ويمنع حتى أقرب الناس من الوصول إلينا".
يوضح المواطن الخمسيني أكثر فيقول "منذ اندلاع هبة الأقصى عام 2015 وحتى فترة قريبة ماضية حصنّ الاحتلال الحاجز المقام على مدخل شارع الشهداء، وفي خطوة غاية في العنصرية فرض على السكان التعامل مع الحاجز بالأرقام وأجبرهم على حفظ أرقامهم بالقوائم الموجودة مع الجنود، ومن ينسى رقمه يمنع من الدخول".
وللتغلب على قائمة الأرقام، يضيف الشرباتي "اضطررنا لسلوك طرق غير معتادة للوصول إلى بيوتنا إما عن طريق التنقل في بيوت الجيران من بيت إلى بيت أو التنقل على أسطح المنازل".

كان الشرباتي شاهدا على ارتقاء عدد من الشهداء قرب منزله، ووثق عددا منها ومن بينها الشهيدة هديل الهشلمون عام 2015 التي يؤكد أنها قتلت بدم بارد ودون مبرر، وتعرضت عائلته للتهديد والملاحقة المتكررة من قبل الجيش والمستوطنين بسبب ذلك، مما حول حياة السكان إلى جحيم.
تفتيش الخبز
على الحاجز العسكري، يجد الشرباتي وسكان تل الرميدة وشارع الشهداء أنفسهم أمام وقائع تزيد حياتهم صعوبة، ففي كل مرة يريدون العودة إلى منازلهم عليهم اجتياز بوابة حديدية (معاطة) وأخرى إلكترونية، وإبراز هوياتهم ومن ثم الدخول.
أما عن الأغراض والأمتعة فلا شيء يمر دون تفتيش حتى لو كان رغيف الخبر، حسب الشرباتي الذي أضاف أن منع دخول السيارات يضطرهم لنقل أمتعتهم على مراحل وفي عربات يدوية وإخضاعها للتفتيش.
أما الأغراض التي يصعب حملها على الحاجز كأسطوانات الغاز، فحكايتها مختلفة، إذ يتطلب إدخالها تنسيقا مسبقا مع قوات الاحتلال التي توجد وتقوم بتفتيشها وتسجيلها ثم السماح بإدخالها.
ويصف الشرباتي ما يجري بأنه حرب نفسية نجحت في إجبار بعض السكان على هجرة بيوتهم رغم البرامج المقدمة من السلطة للبقاء والإقامة بهذه المنطقة.
الأيام القاسية
أشد أيام الأسبوع صعوبة على السكان هي الجمعة والسبت حيث باتت أياما مفضلة لاعتداء المستوطنين على السكان، ولا زال الشرباتي يذكر تلك الليلة التي هاجم فيها المستوطنون السكان والأهالي وداهموا البيوت وتعالت فيها مكبرات الصوت لنجدتهم.

من على سطح منزله -الذي تمكنت الجزيرة نت من الوصول إليه- يشير الشرباتي إلى أكياس من الإسمنت التالفة ويقول "عام 2017 حاولت عمل ترميمات في بيتي إلا أن المستوطنين والجيش هاجموني وضربوني مما تسبب في كسور في خمس فقرات من عمودي الفقري".
ويتوسط منزل الشرباتي بؤرة الدبوية الاستيطانية والمعهد الديني وبيت هداسا ونقطة عسكرية (شرق) وبؤرة تل الرميدة (غرب) وجميعها تتوفر فيها كافة الخدمات وأقيمت ونمت سريعا على حساب أصحاب العقارات الأصليين.
وعلى سطح منزله يضع أكواما من النفايات الصلبة ومنها كراسي وأثاث، ويؤكد أنه لا يستطيع التخلص منها رغم مطالباته المستمرة بذلك.
حملة عالمية
بالتوازي مع صمود السكان، أخذ تجمع "شباب ضد الاستيطان" على عاتقه حماية طلبة المدارس من خلال مجموعات الكفاح للحماية، كما يواصل التجمع حملته السنوية للمطالبة بفتح شارع الشهداء.
وقال مؤسس التجمع عيسى عمرو إن فعاليات نظمت وستنظم للعام العاشر على التوالي في 150 مدينة حول العالم بالشراكة مع متضامنين أجانب وناشطين في مجال حقوق الإنسان.
أما محليا، فذكر أن الأسبوع الحالي سيشهد زيارة وفد من برلمان الاتحاد الأوروبي إلى الخليل يوم غد، ومظاهرة حاشدة يوم الجمعة القادم رفضا لاستمرار إغلاق الشارع.