مغامرة فاشلة واستفاقة متأخرة.. هل تنجح مصر في كبح حفتر والإمارات في ليبيا؟

مدونات - خليفة حفتر والسيسي
السيسي (يمين) ومحمد بن زايد ثم حفتر (رويترز)

بعد سنوات من الانحياز لمشروع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تحوّل الدور المصري في ليبيا -على ما يبدو- نحو الحياد الإيجابي والوساطة بين طرفي الصراع، حيث اتخذت القاهرة مؤخرا عدة خطوات للأمام في هذا الصدد.

وتقدم مصر دعما سياسيا وعسكريا للواء المتقاعد خليفة حفتر، وصل ذروته الصيف الماضي، بالتلويح بالتدخل العسكري لصالح حفتر، بعد أن مُني بهزائم متلاحقة انتهت باستعادة قوات حكومة الوفاق -المعترف بها دوليا- السيطرة على الغرب الليبي بأكمله، بدعم تركي سياسي وعسكري.

ولاعتبارات إقليمية ودولية وتوازنات على الأرض، شهدت الأزمة الليبية في الأشهر الأخيرة تهدئة وسط مساع لاستمرار وقف إطلاق النار.

ووفق مراقبين، فإن تحول القاهرة في التعاطي مع الملف الليبي يعود إلى عدة متغيرات؛ أبرزها ضغوط المجتمع الدولي خاصة الأميركي نحو تسوية سياسية، وتضارب المصالح المصرية الإماراتية، والتنسيق المخابراتي مع تركيا، وفشل مشروع حفتر وتحديه وفاق الشعب الليبي، إضافة إلى المصالح الأمنية والاقتصادية المصرية؛ خاصة العمالة المصرية في السوق الليبي، والثروة النفطية، ومشاريع إعادة الإعمار.

مصالح مصرية

تعززت فرص التحول المصري في المشهد الليبي بعد حراك دبلوماسي شهدته القاهرة وطرابلس، والذي تكلل بزيارة وفد مصري رفيع المستوى إلى العاصمة الليبية الأحد الماضي، قبل مباحثات هاتفية جمعت بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره بحكومة الوفاق محمد طاهر سيالة.

كما جاءت زيارة الوفد المصري بعد ساعات من زيارة قام بها وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى طرابلس، وذلك بعد نحو أسبوع من زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل لمدينة بنغازي (شرق)، ولقائه حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح.

ويرجع الدافع الأكبر لتدخل مصر في الأزمة الليبية إلى تأمين حدودها المترامية مع جارتها الغربية، والتي مثَّلت تهديدا مباشرا للعمق المصري.

كما تمثل مدينة سرت الواقعة بين الشرق والغرب الليبي أهمية إستراتيجية واقتصادية كبيرة لمصر، ووجود حكومة ليبية على وفاق مع القاهرة سيمثل دافعا لتسهيل استيراد النفط، خاصة أن المدينة تعد المدخل الأهم للهلال النفطي الليبي.

واقتصاديا، كانت ليبيا من أكثر الأسواق جذبا للعمالة المصرية على مدار عقود، قبل أن تتضاءل أعدادها بحكم الأزمة الراهنة، في حين تسعى مصر إلى استعادة هذه المكانة مع تحول دول الخليج إلى بيئة طاردة للعمالة، خاصة بعد تفشي وباء كورونا.

مشروع حفتر

أظهرت معركة طرابلس ضعف قدرات قوات حفتر العسكرية، وغياب الحاضنة الشعبية له، إضافة إلى سرعة الحسم العسكري من قبل قوات الوفاق بدعم تركي كبير، بجانب زعزعة ثقة الليبيين في مصداقية الدول الراعية له.

وفي هذا الصدد، أكد أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق عبد الله الأشعل أن فشل مشروع حفتر على رأس أسباب تغير الموقف المصري، الذي تعزز باللقاءات الأخيرة مع ممثلي المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، والحديث عن عودة العلاقات الدبلوماسية.

وأكد الأشعل -في تصريحات صحفية- أن مشروع حفتر فشل -رغم دعمه بكل الطرق- بسبب التدخل التركي، وهو ما يعد خسارة لمصر، مشيرا إلى أن أحد أسباب التغير المصري يعود إلى تحدي حفتر للوفاق الأخير الذي يجمع شرائح الشعب الليبي.

واتفق مع طرح الدبلوماسي المصري السابق، المحلل السياسي والباحث في العلاقات الدولية طارق دياب، الذي أوضح أن القاهرة كانت لديها نية منذ فترة بعيدة في الانتقال من مربع الانحياز إلى الحياد الإيجابي والوساطة؛ لحفظ مصالحها، في حين مثَّل تغير موازين القوى وحدوث التوازن العسكري مع فشل حفتر دافعا لتغيير المسار المصري.

الموقف الدولي

ويأتي على رأس الموقف الدولي الدور الأميركي الذي يرفض الوجود الروسي في ليبيا، خاصة مع زيادة التنسيق بين القاهرة وموسكو وأبو ظبي لصالح حفتر.

ورأى الأشعل أن كل الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي "تأتمر بأمر أميركي دون اللجوء لمنطق أو أبعاد أمنها القومي، وبالتالي تستمع كل الأطراف للتعليمات الأميركية بالتهدئة".

وشدد على أن المجتمع الدولي يتجه نحو تسوية سياسية وليست عسكرية في ليبيا، وبالتالي مصر لن تشذ عن هذا التوجه، وستنصاع له، وهو ما مثل أيضا لطمة على وجه حفتر.

بدوره، اعتبر دياب أن الموقف الأميركي الضاغط نحو الحل السياسي في الملف الليبي يهدف -أساسا- إلى احتواء الدور الروسي المتصاعد.

الإمارات وتضارب المصالح

وأسهم البعد الإماراتي في تغير الموقف المصري، وفق دياب، مع تباين مشروعي القاهرة وأبو ظبي، خاصة مع تطبيع الأخيرة مع إسرائيل، واحتمالات تأثيراته الجيوسياسية السلبية على مصر في أكثر من ملف.

وأوضح دياب أن صانع القرار المصري يبدو أنه أدرك ضرورة أن يكون هناك تباين وتمايز مع الإمارات، ولو بشكل نسبي، وأن التطابق في كل ملفات الإقليم لم يعد ضروريا وملحا، خاصة مع الخط المستقيم الذي بدأت تتخذه أبو ظبي بشكل يؤثر سلبًا على المصالح المصرية.

وقال إن ذلك المتغير قد يكون سببا في أن يدفع مصر للتفكير بشكل مستقل نسبيا؛ لأن التحالف بين البلدين لا يزال قويًّا جدًّا ويصعب تفكيكه.

وذكر أن كلا الطرفين كانا يدعمان مشروع حفتر، لكن خلافهما جاء بسبب السيطرة والأدوات، مشيرا إلى أن مصر كانت ترفض المعارك الصفرية لاستحالة ذلك، على خلاف الإمارات.

وقبل يومين، نقل موقع "مدى مصر" الإخباري عن مصادر -لم يكشف عنها- أن زيارة الوفد المصري رفيع المستوى للعاصمة الليبية طرابلس كانت لها عدة أهداف؛ أبرزها رغبة مصر في "استباق المزيد من التحريض الإماراتي على مغامرة عسكرية".

وفي السياق ذاته، رأى الباحث المصري في معهد الدوحة للدراسات العليا سيف الإسلام عيد أن تضارب المصالح بين مصر والإمارات ليس فقط في المسألة الليبية، لكنه أعمق من ذلك بكثير.

وأشار إلى أن الإمارات سعت إلى التقزيم المتعمد للدور المصري في السياسة الخارجية، وظنت أنها عرّاب التطبيع في المنطقة، خلافًا للاتفاقيات التجارية مع إسرائيل، التي ستضر الموارد المالية المهمة التي يتغذى عليها نظام السيسي.

 

تنسيق تركي

ورغم التأييد التركي الكبير لحكومة الوفاق، فإن أنقرة -وفق مؤشرات ومراقبين- لا تفضل الدخول في مواجهة مباشرة مع القاهرة، وسعت إلى تحييد الدول المؤيدة لحفتر، كما تمكنت من تعزيز التأييد الأميركي الرافض للأعمال العسكرية في مواجهة التمدد الروسي.

واعتبر المحلل السياسي طارق دياب أن التهدئة في ليبيا بدعم مصري -كحد أقصى- ستؤدي إلى تهدئة التوتر مع تركيا وتحجيم الخلافات معها، حتى لا تصل إلى مستوى أعلى، استنادا إلى كونهما قوتين إقليميتين، وليس من مصلحتهما أن يصل الخلاف إلى حدود خارجة عن السيطرة.

لكنه رأى أنه من غير المرجح أن يؤدي التنسيق السياسي في المشهد الليبي على المدى القصير -على الأقل- إلى تحسين العلاقات المصرية التركية، وقد يتم البناء عليه مستقبلا إذا عادت العلاقات مستقبلا.

من جانبه، أكد عيد أن التنسيق على المستوى المخابراتي مع مصر قائم حسب تأكيدات الجانب التركي في أكثر من مرة، مشيرا إلى أن هناك اتجاها حقيقيا نحو التهدئة في ليبيا، بعد أن قلب التدخل التركي المعادلة لصالح حكومة طرابلس.

تصعيد عقيلة

وعلى صعيد الترتيبات السياسية داخل ليبيا، يرى دياب أن فكرة تصعيد رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح على حساب حفتر، من المؤشرات الواضحة على تراجع دور حفتر وانتهاء مشروعه، لكن ذلك لا يعني انتهاء دوره تماما، حيث لا يزال له نفوذ عسكري على الأرض.

في حين توقع سيف الإسلام عيد عدم استمرار النظام في دعم حفتر كما كان في السابق، أما ما يتعلق بدعم عقيلة فاعتبره "مختلفا تماما؛ لأنه دعم لمصالحة بين رئيس مجلس النواب وبين الحكومة الحالية، وهو موقف متوازن، أما دعم جنرال حرب فلم يكن يمثل سوى خروج عن الشرعية الدولية، ومحاولة إشعال حرب أهلية حقيقية".

 النظام وليس مصر

ويذهب سيف الإسلام عيد إلى القول إن تغير خطاب القاهرة تجاه الملف الليبي "ينبع من تغير مصلحة النظام وأمنه، وليس أمن الدولة المصرية ذاتها، التي هي أكبر وأوسع من نظام السيسي، والتي من الممكن أن تتضاد مصالحهما أحيانا".

وأوضح أن النظام المصري فهم متأخرا أن مساندة جنرال الحرب في ليبيا عملية خاسرة للنظام ولحفتر في آن واحد، وأن الإمارات تقامر بذلك بعيدا عن حدودها، وبعيدا عن تهديد أمنها الداخلي والحدودي.

 

المصدر : الجزيرة