الظهير الشبابي للسيسي.. ماذا تعرف عن تنسيقية شباب الأحزاب؟

بات الطريق ممهدا أمام "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين" للدخول إلى مجلس النواب المصري، عبر قائمة ضمت 26 مرشحا لخوض انتخابات مجلس النواب المقبلة، ضمن ما يعرف بـ "القائمة الوطنية من أجل مصر"، فما هذه التنسيقية وما قصتها وأهدافها؟
عندما أتى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بعد أن قاد انقلابا عسكريا في يوليو/تموز 2013 أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، كان له مؤيدون من الجيش وقوى سياسية ورجال أعمال، لكن لم يكن له ظهير سياسي حزبي على غرار الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان الداعم الأساسي للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك خلال سنوات حكمه الطويلة.
ولم يكن مبارك فقط من اعتمد على حزب سياسي كبير، حيث سبقه أنور السادات بحزب مصر ومن قبله الاتحاد الاشتراكي الذي تأسس في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
أما السيسي فبعد فترة من التردد استقر على حزب مستقبل وطن الذي بات يتعامل ويُعامل على أنه حزب السلطة حتى لو لم يكن السيسي رئيسا له، وشهدت انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة هيمنته على المشهد، حيث قاد ما أطلق عليه القائمة الوطنية التي دخلت الانتخابات دون منافس، اعتمادا على القانون الجديد الذي جعل ثلثي مقاعد الشيوخ تحسم مناصفة عبر التعيين من جانب الرئيس والقائمة المغلقة التي تدعمها السلطة.
لكن حزب مستقبل وطن المدعوم من الأجهزة الأمنية التي أصبحت لها كلمة عليا في عهد السيسي، ليس وحيدا في مجال الدعم السياسي والحزبي والتحشيد للسيسي، حيث جرت أيضا محاولات للحشد الشعبي بدأت قبل نحو عام بما أطلق عليه "تمكين الشباب" عبر تعيين 6 من أعضاء تنسيقية شباب الأحزاب كنواب للمحافظين، ثم أصبح الأمر أكثر وضوحا عندما حصلت التنسيقية على 5 مقاعد في انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة ضمن تحالف "القائمة الوطنية" الذي قاده حزب "مستقبل وطن".
وجهان لعملة واحدة
يرى سياسيون ومحللون أن ترشح "شباب التنسيقية" على قوائم حزب "مستقبل وطن"، وعدم ترشحهم على المقاعد الفردية، يدحض ادعاءات التنسيقية بأنها ليست محسوبة على أي جهة أو حزب، وأنها تعبر عن الشباب من خلال خليط من الأحزاب "المؤيدة للنظام المصري".
وحسب مصادر تحدثت للجزيرة نت فإن نظام السيسي لا يكتفي بالاستناد إلى حزب "مستقبل وطن" كظهير سياسي، وإنما يسعى إلى تكوين ظهير شبابي للرئيس، يتمثل في التنسيقية.
المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، أوضحت أن الحزب والتنسيقية باتا وجهين لعملة واحدة، بعد أن هيمن جهاز "الأمن الوطني" على الاستحقاقات الانتخابية، والأحزاب والكيانات السياسية.
التنظيم الطليعي الجديد
ولعب وزير الشباب والرياضة السابق، خالد عبد العزيز، أحد أكثر الوزراء الذين احتفظوا بحقائبهم الوزارية منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، وحتى مجيء حكومة مصطفى مدبولي في منتصف عام 2018، دورا رئيسيا في إنشاء وتكوين "التنسيقية".
وتبدو هذه التجربة أقرب إلى تجربة "التنظيم الطليعي" في حقبة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، التي أفرزت من أصبحوا لاحقا من "صناديد السياسة" المصرية في عهد مبارك من أمثال أحمد فتحي سرور الذي رأس مجلس الشعب، وصفوت الشريف الذي تولى وزارة الإعلام ثم رئاسة مجلس الشورى، وفاروق حسني الذي عمل وزيرا للثقافة على مدى سنوات طويلة، وغيرهم.
وظهرت التنسيقية رسميا على وجه الحياة السياسية في يونيو/حزيران 2018، وهو الشهر المفضل لدى الرئيس السيسي للكشف عن "إنجازاته القومية"، وتشكلت من 25 حزبا سياسيا (مؤيد ومعارض)، ونحو 11 من الشباب السياسيين، وترفع شعار "تحيا مصر".
اجتماعات بمقرات المخابرات
قبل تاريخ 20 فبراير/شباط 2020 لم يكن يوجد لدى تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين أي مقر، حتى افتتحت أول مقر رسمي لها بالعاصمة المصرية القاهرة في ذلك التاريخ، دون أن توضح مكانه تحديدا، فأين كان يجتمع شباب "التنسيقية" طوال العامين الماضيين؟
مصدر مطلع شارك في تأسيس "التنسيقية" أكد أن الاجتماعات كانت تعقد في مكانين؛ الأول في وزارة الشباب والرياضة، والآخر في مقرات جهاز المخابرات العامة، حيث كان يشرف عليهم المقدم أحمد شعبان الذي يتردد أنه الذراع الأيمن لمدير المخابرات المصرية عباس كامل، خصوصا فيما يتعلق بشؤون الإعلام وتوجيهه.
وأوضح المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن شعبان كان مهندس سياسة التنسيقية، وعلى اتصال دائم باجتماعاتها، ويشرف بنفسه على اختيار وترشيح أعضائها للمناصب التنفيذية، أو لمقاعد الشيوخ والبرلمان المقبل، رغم تداخل جهاز الأمن الوطني في إدارة "التنسيقية" من خلال حزب "مستقبل وطن" الذي يهيمن على الحياة الحزبية والسياسية في مصر.
وكشف أن غالبية المرشحين للنواب هم من وجوه الشباب المألوفين، الذين تصدروا المشهد السياسي قبيل مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 وما بعدها من أمثال مؤسسي حركة "تمرد"، محمد عبد العزيز، ومحمود بدر، وطارق الخولي، إضافة إلى أميرة العادلي، وهي صحفية بالأهرام ومن أكثر الأصوات حضورا في التنسيقية ومقربة من جهاز المخابرات.
يتكون مجلس النواب الجديد من 568 عضوًا، يُنتخبون بالاقتراع العام السري المباشر بواقع 284 مقعدًا بالنظام الفردي، و284 مقعدًا بالقوائم المغلقة المطلقة، ويحق لرئيس الجمهورية تعيين نسبة لا تزيد عن 5% من الأعضاء.
كشف المستور عن "التنسيقية"
وقد عزز من حديث هذه المصادر، قيام الأمن قبل يومين بالقبض على المحامي طارق جميل سعيد، وإحالته لنيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه 15 يوماً، رغم أنه وأباه المحامي الشهير من المقربين من دوائر السلطة، حيث وجهت إلى طارق تهم تكدير السلم العام ونشر شائعات وأكاذيب وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان طارق انتقد في "فيديو" حذفه لاحقا، سياسة اختيار حزب "مستقبل وطن" وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين التابعين للمخابرات العامة لمرشحيهم في انتخابات مجلس النواب.
وعن سوء اختيارات أعضاء مجلس النواب قال "قعدوا يقولوا الدولة والشباب والكوتة والبنات، كذب، هتدفع كام؟ معاك كام؟".
"كفاية بزرميط".. المحامي طارق جميل ينفجر غضبًا من توزيع كراسي مجلسي النواب والشيوخ لمن يدفع أكثر pic.twitter.com/OlvobsXfH1
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) September 29, 2020
لعبة التعيينات
وسبق طارق في الكشف عن بعض المستور، الصحفية بموقع "الدستور" دعاء خليفة، وهي عضو سابق بحركة "تمرد" حيث نشرت مقاطع مصورة، في سبتمبر/أيلول الماضي، شنت فيه هجوما حادا على ضابط المخابرات العامة، أحمد شعبان، مسؤول ملف الإعلام في مكتب اللواء عباس كامل مدير المخابرات العامة المصرية.
واتهمت دعاء شعبان بابتزازها وتعمد الإساءة لها، والتسلط والسعي من أجل تعيين المقربين منه بمجلس الشيوخ والنواب دون اعتبارات للكفاءة، قبل أن تعود وتحذف الفيديو بعد تعرضها لهجوم كبير متزامن من جميع وسائل الإعلام المحلية التابعة للسلطة، ووصل الأمر إلى اتهامها بسوء السمعة.
وكشف مصدر مطلع أن دعاء فاض بها الكيل بعد المماطلة بمنحها منصبا تنفيذيا، أو مقعدا برلمانيا أسوة بزملائها في حركة "تمرد"، وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وكانت تأمل في الحصول على منصب نائب محافظ الدقهلية، مسقط رأسها الذي ذهب لصالح زميلها "هيثم الشيخ".
وأضاف المصدر، في حديثه للجزيرة نت، أنها كانت تمني نفسها، بعد الوعود الجديدة، بمقعد في مجلس الشيوخ من خلال الدفع باسمها على قائمة حزب "مستقبل وطن"، لكن ذلك لم يحدث، وظلت ترتيبات تنسيق مقاعد مجلس النواب الأمل الأخير لها قبل أن تفاجأ باستبعادها.
مصادر تمويل مجهولة
زاوية أخرى تعزز الشكوك حول طبيعة دور "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين" وتتمثل في عدم الكشف عن مصادر تمويل برامجها السياسية والاجتماعية، وما تعقده من ندوات ومؤتمرات ومحاضرات واجتماعات، وكيفية الإنفاق على مرشحيها.
وعقب تعيينه نائبا لمحافظ الدقهلية، (شمال الدلتا)، نفى هيثم الشيخ، أحد أعضاء تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أن يكون حصوله على هذا المنصب التنفيذي المهم مجرد أمر شكلي، وأكد في تصريحات صحفية أنها "مناصب حقيقية"، مشيرا إلى أن "أصحابها يتمتعون بصلاحيات تنفيذية، وليست صلاحيات ورقية أو وهمية، وتهدف لتمكين الشباب"، على حد قوله.
تنسيقية أمنية لا وطنية
في معرض تعليقها، قالت الناشطة السياسية نانسي كمال "بخصوص ما يسمى بتنسيقية الأحزاب والشباب السياسيين (التي تضم أعضاء مؤيدين ومعارضين) وبدء إقحامهم في مناصب تنفيذية ومنحهم مقاعد برلمانية كان آخرها 5 مقاعد بالشيوخ و 26 مرشحا بالانتخابات المرتقبة لمجلس النواب، فهذا يكشف زيف ادعائهم بأنهم شباب وطنيون غير مؤدلجين".
ودللت على حديثها بالإشارة إلى ترشحهم على قوائم حزب مستقبل وطن الذي يعلم الجميع أنه حزب السيسي الذي أنشأته الأجهزة الأمنية، ليكون ظهيره السياسي في الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة (البرلمان، الشيوخ، المحليات).
وفي تصريحات للجزيرة نت، استبعدت نانسي حقيقة مزاعم التنسيقية بأنهم جيل يسعى لتحقيق التغيير، قائلة إن هؤلاء مختارون على أعين الأجهزة الأمنية، ويبحثون عن مصالحهم الشخصية، ولا علاقة لهم بثورة 25 يناير، ولا مبادئها ولا أهدافها التي جاءت لإعلاء كلمة الشعب والتحرر من الفساد والطغيان.