4 قضايا خلافية كبرى و3 سيناريوهات.. مشروع دستور جديد يثير انقساما واسعا بالجزائر

قوى الحراك الفاعلة رفضت مشروع الدستور الجديد (الجزيرة)

وصلت الأربعاء الحملة الانتخابية لمشروع الدستور الجديد في الجزائر إلى نهايتها في هدوء كامل، لكن على وقع التباين في المواقف من النقيض إلى النقيض.

وسجّلت مسودة الدستور منذ الإعلان عنها أواخر مايو/أيار الماضي تباينا في الآراء بشأنها، بين القبول والرفض والتحفظ، ولا تزال مثار جدل قبل 72 ساعة من موعد الاستفتاء الشعبي عليها (1 نوفمبر/تشرين الثاني).

الوثيقة المذكورة، عرضها الرئيس عبد المجيد تبّون على الجزائريين، بعدما حظيت بمصادقة البرلمان، كأول خطوة للإصلاح السياسي والقانوني في برنامجه الانتخابي.

وفي وقت تؤكد "السلطة الجديدة" أن التعديلات تستجيب لبناء دولة عصرية وفق التحولات العالميّة، وتلبّي مطالب الحراك الشعبي في التأسيس للانتقال الديمقراطي وتكريس التداول على السلطة وإرساء قواعد الحكم الراشد، فإنّ قطاعا واسعا من رموز الحراك وفعالياته منقسم بين الدعوة للمقاطعة الشاملة، رفضا لما أسْموه بمسار النظام السياسي المغشوش منذ رئاسيات 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وبين التعبئة للمشاركة في الاستفتاء لكن بالتصويت ضد مشروع الدستور ليسقط عبر الصندوق.

وفي مقدمة الفريق الأخير الأحزاب الإسلامية، وجناح أساسي كان مؤيدا للانتخابات الرئاسية الأخيرة، بينما يقف اليوم موقف المعارض للدستور الجديد، بحجة عدم مواكبته لتطلعات الشارع الجزائري في التغيير السياسي، فضلا عن المساس بعناصر الهوية.

في غضون ذلك، حشدت الحكومة كل إمكاناتها الرسمية وأنصارها من مؤيدي المشروع، في حملة دعائية، لإقناع المواطنين بالذهاب إلى الاستفتاء من أجل تمرير الدستور الذي يفتح -برأيها- كل أبواب الإصلاح في البلاد.

صورة عامة - جدل جزائري حول مسار مشروع تعديل الدستور
جدل جزائري حول مسار مشروع تعديل الدستور (الجزيرة)

قضايا خلافية

تشكل ما وصفها بعض المنتقدين بـ"الصلاحيات الملكيّة" لرئيس الجمهورية، أهم القضايا الخلافية في مشروع الدستور الجديد.

ويعتبر بعض رافضي المشروع، أنّ تلك السلطات الواسعة الموروثة عن حكم الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة لم يمسّها التعديل، خلاف لمطالب "حراك 22 فبراير".

كما يُعدّ الوضع الدستوري للهيئة المكلفة بالانتخابات، من حيث الاستقلالية والتشكيل والصلاحيات، من أبرز اعتراضات الطبقة السياسيّة، إذ يرونها غير قادرة على الإشراف النزيه على اختيار ممثلي الشعب بكل سيادة.

أمّا ثالث المسائل الدستوريّة محلّ الانتقاد السياسي، فهي تغوّل السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، في مساس واضح بعلاقة التوازن بين السلطات، بحسب المعارضين.

وعلى الصعيد القيمي، يثير وضع الإسلام وحرية المعتقد وأماكن العبادة والعربية والأمازيغية وحياد المدرسة ضمن القواعد الدستورية المقترحة حفيظة التنظيمات المحسوبة على التيار الديني في المجتمع.

سيناريوهات

يطرح مراقبون 3 سيناريوهات تلفّ المشهد الدستوري في سياق العدّ التنازلي نحو الاستفتاء. ويرى البعض أن حظوظ جميع الأطراف (مقاطعة، وتأييد، ورفض) متقاربة في تجنيد المواطنين لصالح موقفها وتقرير مصير الدستور المرتقب.

ورغم التضييق الواضح على المعارضين ميدانيّا في الفضاء العام، فإنّ متابعين يجزمون بقدرتهم على التأثير في الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستغلال المناخ الاقتصادي الناجم عن تداعيات جائحة كورونا.

رغم التضييق الواضح على المعارضين فإنهم يجزمون بقدرتهم على التأثير في الرأي العام حول الاستفتاء (الجزيرة)

الأمر الواقع

يعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة البليدة فاروق طيفور، أنّ النظام السياسي الجزائري يملك كل الأدوات لتمرير مشروع الدستور بشكل إداري وسلس.

وقال إنه يحرص على إخراج سياسي وإعلامي يجعل الرأي العام يقتنع بأن الاستفتاء جرى بطريقة سياسية وقانونية صحيحة، وهو ما تعكسه الحملة الاستفتائية التي تسوّق بطريقة عملاقة لصالح الدستور، على حدّ وصفه.

وأكد للجزيرة نت أن الجدل السياسي حول وثيقة الدستور بين الرافضين والداعمين لم تتوفر له الفرصة لإنتاج حالة الخوف على الاستقرار والأمن الوطنيين، فضلا عن أن الاهتمام الشعبي بالدستور أضعف منه في الاستحقاقات الأخرى.

وما لم يحدث خلل داخل منظومة الحكم أو تدخّل القوى القاهرة أو يندلع حراك شعبي مليونيّ جديد، فإن الدستور المعروض على الاستفتاء أصبح في حكم الأمر الواقع، وفق توقّعات طيفور.

الحد الأدنى

من جانبه، يرى أستاذ القانون كمال قرابة، أنّ "الثابت في المسألة ومن خلال مظاهر الحملة الجارية، هو عدم تغير الأدوات التي تدير بها السلطة المشهد الانتخابي".

ويؤكد للجزيرة نت أنّ رهانها على "الإعلام وجهاز الإدارة والمجتمع المدني الموروث والقاعدة النضالية الوفية لأحزاب السلطة العائدة، وكتلة الأسلاك النظامية، في ظل هيئة تنظيم انتخابات محدودة الاستقلالية في القرار والوسائل".

وهو ما يدفع -بحسبه- إلى تصوّر نتائج -من حيث المشاركة والتوجّه بنعم أو لا- لن تقل عن الحد الأدنى الذي يراه أصحاب القرار كافيا للمضي في ترتيبات مرحلة ما بعد بوتفليقة.

مقاطعة واسعة

من جهة أخرى، يتوقع أستاذ القانون بجامعة الجزائر إسماعيل معراف، مقاطعة كبيرة للاستفتاء على الدستور، لكنّ "سلطة الأمر الواقع ستتجاوز هذه المشكلة كعادتها بتزوير النتائج".

وأوضح أنّ "الشعب الجزائري يعرف أنّ المجنّدين في الحملة الانتخابية مدفوعون من قبل سلطة غير شرعية تعودت على تمرير مشاريعها المشبوهة بالقوة والتزوير".

واعتبر في تصريح للجزيرة نت أن الأحزاب المؤيدة للدستور ليس لها أي تجذر في الساحة، ناهيك عن أن "النظام نفسه يعيش أزمة داخلية، انعكست على أدائه بشكل سلبي، وعودته إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة أكبر دليل".

وراهن معراف بالمقابل على "دور المعارضة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، كونها مقموعة وممنوعة من النشاط"، ومن ثَم فإن الرهان سيكون حتمًا على ما خلّفه الحراك من حالة وعي عالية، وأيضا على حضور بعض الشخصيات المؤثرة، على حد تعبيره.

وانطلاقا من ذلك، يتوقع أن تذهب الأمور في اتجاه غير الذي تريده السلطة، تلك السلطة التي تتوجس خيفة من حراك الشارع الجزائري، مؤكدا أنّ "المقاطعة الفعلية ستؤسس لعودة جديدة للحراك يربك خطط السلطة ويضعها في مأزق حقيقي".

المصدر : الجزيرة