بعد تلميحها بالتخلي عن حل الدولتين.. هل غيّرت فرنسا موقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

رفض فلسطيني لخطة السلام الأميركية المعروفة بصفقة القرن ومظاهرات تصر على الحرية والاستقلال (الجزيرة)

لم تكن تصريحات السفير الفرنسي لدى تل أبيب حول إمكانية قبول باريس بتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بطرح مختلف عن حل الدولتين جديدة، لكنها أتت عقب التطبيع الإسرائيلي الإماراتي والبحريني، وبتوجه يتناغم مع مواقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يبحث عن صورة إنجاز ودعم لسياسته الخارجية قبيل الانتخابات الرئاسية.

ونسبت تصريحات مماثلة للسفير الفرنسي سابقا، بيد أن باريس اعتبرتها حينها "موقفا شخصيا" أو "بالون اختبار"، لكن هذه المرة علق مراقب دبلوماسي فرنسي على التصريحات بالقول "هناك انزلاق وتحول في الموقف الفرنسي تجاه الموقف الأميركي"، علما أن الرئيس إيمانويل ماكرون، تحدث في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن "مفاوضات حاسمة ستسمح للفلسطينيين بالتمتع بحقوقهم في النهاية"، لكنه لم يذكر حل الدولتين.

ويؤكد باحثون إسرائيليون أنه منذ احتلال الضفة الغربية فإن المستقبل السياسي لهذه الأراضي يلقي بظلاله على أي قضية أخرى بالعلاقات الإسرائيلية الأوروبية، خاصة مع احتدام الخلافات مع الاتحاد الأوروبي، في ظل توقف العملية السياسية الإسرائيلية الفلسطينية، وتصاعد النشاط الاستيطاني.

ووفقا لمختصين ومراكز أبحاث إسرائيلية، فإن الضم وإن كان محدودا، سيعمّق الصدع بين المستويات السياسية العليا بإسرائيل والدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي تخشاه الخارجية الإسرائيلية وتعمل على تفاديه والعودة إلى التناغم في العلاقات والتنسيق بالمواقف مع الحاضنة الأوروبية.

French President Emmanuel Macron and Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu attend a joint news conference at the Elysee Palace in Paris, France December 10, 2017. REUTERS/Philippe Wojazer
إيمانويل ماكرون (يمين) وبنيامين نتنياهو  (رويترز)

قوة وضعف
وأفادت صحيفة "معاريف" نقلا عن مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى في باريس، بأن فرنسا أجرت تحديثات على موقفها من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بحيث لا تستبعد إمكانية حل مختلف عن حل الدولتين.

إعلان

وكُشف النقاب عن بوادر التحول بالموقف الفرنسي خلال مداولات أجرتها منظمة "ألينت"، وهي منظمة تعنى بالترويج لتعزيز العلاقات الإستراتيجية بين أوروبا وإسرائيل.

وقال السفير الفرنسي إريك دانون خلال المداولات "لن نجري مفاوضات نيابة عن الفلسطينيين، فهذه قضية ثنائية، وعليه نقول إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الجديدة التي نشأت والعودة إلى طاولة المفاوضات".

وأضاف دانون "لا أحد يعرف ماذا سيحدث في نهاية المطاف.. (هل الحل) دولة واحدة.. دولتان.. مع القدس أو من دونها (؟) نحن نفضل تنفيذ حل الدولتين، لكن هل معنى ذلك أننا لا نستطيع الموافقة على شيء آخر؟ لا على الإطلاق. يمكننا قبول أي حل يتفق عليه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي".

ويلاحظ أن التغيير بالموقف الفرنسي والانحياز للإسرائيليين أتى عقب تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، حيث قال دانون "قبل 6 أشهر، لم يكن أحد يتخيل أن إسرائيل والإمارات والبحرين ستوقع على اتفاقية إبراهام" (اتفاق التطبيع)، وأضاف "على الفلسطينيين أن يأخذوا بالحسبان وضعهم الضعيف على الساحتين الدولية والعربية".

ميرفت صادق فلسطين رام الله 1 تموز 2020 شعارات تؤكد على وحدة كل الأراضي الفلسطينية في مسيرة برام الله ضد مخطط الضم الإسرائيلي
شعارات تؤكد على وحدة كل الأراضي الفلسطينية في مسيرة برام الله ضد مخطط الضم الإسرائيلي (الجزيرة)

صفقة واتفاقيات
وفي الجانب الإسرائيلي، يعتقد مدير المعهد الإسرائيلي "ميتفيم" المختص بالسياسات الخارجية لإسرائيل والشرق الأوسط، نمرود غورن، أن الكشف عن تفاصيل خطة السلام الأميركية بالشرق الأوسط والمعروفة بـ "صفقة القرن" أعطى دفعة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للترويج لخطة الضم لأجزاء من الضفة والأغوار، ووضع هذه الخطة بقلب الخطاب السياسي في إسرائيل.

وفي ظل براعم التغيير الإيجابي بالعلاقات مع أوروبا على الرغم من سحابة الضم، أوضح غورن أن وزير الخارجية الجديد غابي أشكنازي، اختار قيادة موقف أكثر إيجابية تجاه الاتحاد الأوروبي، مؤكدا في عدة مناسبات بعد توليه منصبه أهمية علاقات إسرائيل مع أوروبا.

وحول إمكانية أن تقود فرنسا الموقف الأوروبي نحو التغيير تجاه حل الدولتين، أوضح غورن أن نوايا الضم هددت بمزيد من التدهور في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إذ أطلق القادة الأوروبيون تحذيرات ضد الضم، ودعوا إسرائيل إلى الامتناع عن أي خطوة من شأنها الإضرار بالاستقرار الإقليمي، والحقوق الفلسطينية، والعلاقات الإسرائيلية الأوروبية.

وحتى لو لم تقم إسرائيل في نهاية المطاف بفرض السيادة على أجزاء من الضفة والأغوار، يقول غورن للجزيرة نت "طالما استمرت بالبناء في المستوطنات والابتعاد عن حل الدولتين، فإن هذا يؤثر سلبا على العلاقات مع أوروبا".

نتنياهو كرّس الضم بالخطاب السياسي الإسرائيلي خلال حملاته الانتخابية (الجزيرة)

سياسي وإستراتيجي
وخلافا لهذا الطرح، يرى المختص في العلاقات الدولية إيمانويل نافون، أن فرنسا يمكن أن تكون لاعبا إستراتيجيا بالشرق الأوسط من خلال مناهضتها لتركيا بصراع شرق المتوسط وتغلغلها في لبنان وحضورها بالصراع في ليبيا، الأمر الذي يشكل فرصة بالنسبة لإسرائيل لتعزيز التعاون والتنسيق الإستراتيجي والسياسي والأمني بالمنطقة.

إعلان

على أي حال، يضيف المختص الإسرائيلي "المواجهة بين فرنسا وتركيا تخلق فرصا لإسرائيل جديرة بالاهتمام بل من المهم اغتنامها، من أجل حوار سياسي إستراتيجي مع فرنسا على أعلى مستوى سياسي، ولتعاون استخباراتي معمق".

وتابع نافون "سيسهم توثيق العلاقات مع فرنسا، العضو الدائم بمجلس الأمن، لتكون باريس مرساة جيوسياسية لمنتدى غاز المتوسط، وهو أمر من شأنه أن يؤدي لخلق منظور مختلف في باريس حول العلاقات مع إسرائيل، ليس رهينا ومستعبدا للقضية الفلسطينية".

عاطف دغلس-الاستيطان بعد انتفاضة الأقصى تصاعد وبقوة-الضفة الغربية- نابلس-مخيم بلاطة- الجزيرة نت3
القادة الأوروبيون أطلقوا تحذيرات ضد الضم (الجزيرة)

أوروبا وبايدن
وفي تقدير موقف للباحثين عوديد عيران وشمعون شطاين، من مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، بعنوان "نية الضم بالضفة تبعد إسرائيل عن أوروبا"، يعتقد الباحثان أن الإعلان عن فرض السيادة الإسرائيلية بالضفة سوف يتبعه إدانة أوروبية، وربما إجراءات عقابية ضد إسرائيل.

ومن المرجح، وفقا للباحثين، أن تصعب التحولات والإجراءات الداخلية في أوروبا -وهي المتغيرات التي تقوض التماسك السياسي للاتحاد الأوروبي- من فرض عقوبات مشددة على إسرائيل بسبب تنفيذ الضم، لكن لا شك أن الانتقاد الشديد لنية الضم هو جوهر الموقف لمعظم الدول الأوروبية.

ويشير تقدير الموقف للباحثين إلى أن تنفيذ خطة الضم قد لا يسبب ضررا كبيرا لإسرائيل، لكن يجب أخذ الموقف الأوروبي بالحسبان وعلى محمل الجد، خاصة أن البيت الأبيض قد يحل به قريبا رئيس ديمقراطي، هو جو بايدن الذي قد يعمل مع بروكسل ضد خطة ترامب.

المصدر: الجزيرة

إعلان