رحيل عادل سليمان.. جنرال مصري رفض تدخّل الجيش في السياسة والاقتصاد

المحلل العسكري اللواء عادل سليمان،
اللواء عادل سليمان شارك في حرب أكتوبر وحصل على أرفع وسام عسكري مصري (الجزيرة)

فجّرت وفاة اللواء عادل سليمان، أحد الضباط البارزين في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، تعاطفا واسعا بين معارضي نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأمر الذي يشير -برأي مراقبين- إلى أن المصريين على درجة من الوعي للتفريق بين تمجيد الجيش بوصفه مؤسسة لحماية البلاد، وبين سلوك وسياسات بعض القادة العسكريين سواء فيما يتعلق بالسياسة أو بالاقتصاد.

وبعد أيام قلائل من الذكرى 47 لحرب أكتوبر، رحل اللواء عادل سليمان، الذي شارك في هذه الحرب رائدا بسلاح المشاة، وأبلى خلالها بلاء حسنا، وحصل على تقدير من المؤسسة العسكرية لدوره فيها وتم تكريمه بـ"نجمة سيناء"، أرفع وسام عسكري في مصر.

وعبر تدوينات بمنصات التواصل الاجتماعي، أشاد معارضون بارزون بمواقف اللواء سليمان تجاه ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 ومعارضته بعد ذلك الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع في صيف 2013، انطلاقا من ضرورة إبعاد الجيش عن الشأن السياسي وضرورة تفرغه فقط لدوره المنوط به كباقي جيوش العالم.

ونعت جماعة الإخوان المسلمون الفقيد، ووصفه بيان المتحدث باسم الجماعة بأنه "من أصحاب المواقف المتزنة المتسقة مع الضمير العربي والإسلامي، والمدافعة عن هوية الأمة، وهو من أبطال حرب أكتوبر، ومن أبرز المحللين في الشؤون العسكرية والإستراتيجية من منظور وطني صميم".

وقال الكاتب والمحلل السياسي سليم عزوز إن اللواء سليمان "فخر القوات المسلحة، وهو يرحل بعد سنوات من فرض الحكم العسكري الغشوم الصمت عليه".

وتابع عزوز في منشور له على صفحته في فيسبوك "عرفته عن قرب مثالاً للوطنية الخالصة والاستقامة السياسية في زمن الفتن، ومثّل امتدادا لقيم ضباط سلاح الفرسان الذين رفضوا الانقلاب الأول، وخرجوا يطالبون بعودة الجيش لثكناته وعودة الحياة النيابية، في وقت كانت فيه رموز مدنية مع الحكم العسكري"، وقال "رحم الله جنرالا وطنيا لم يلبس وطنيته بخيانة أو تفريط".

 

 

 

 

وشغل اللواء عادل سليمان منصب رئيس منتدى الحوار الإستراتيجي لدراسات الدفاع والعلاقات المدنية العسكرية، عقب وقف نشاط إدارة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية التابع للجيش، والذي تولى إدارته قبل إغلاقه في 2012.

إعلان

ومع الرثاء الواسع للراحل بين أوساط معارضي النظام، جاء التجاهل التام للرجل وسيرته لدى مؤيدي النظام، الأمر الذي فسره الباحث بالشؤون الأمنية والإستراتيجية أحمد مولانا بأن المسألة تتعلق بتقدير كبير بين معارضي النظام لشخصه ومواقفه الوطنية ورفضه سيطرة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية والنشاط الاقتصادي للدولة، نافيا في حديثه للجزيرة نت أن يكون التعاطف بمثابة دعم للجيش، فمن الصعب اختزال مؤسسة في شخص لم يكن قائدا لها أو ذا تأثير كبير فيها، برأيه.

وبعد اعتقال اللواء سليمان عام 2014 لمدة قصيرة ثم إخلاء سبيله، لم يدل الراحل بتصريحات أو كتابات في الشأن العام، مما فسره مراقبون بأنه ربما تعرض لتهديد ما أو أسرته كما جرى لمعارضين آخرين وأيضا لقادة جيش كبار سابقين أبدوا مواقف على غير هوى السيسي، حيث تعرضوا للتنكيل مثل رئيس وزراء مصر الأسبق والمرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق، الذي أصر على خوض انتخابات الرئاسة الأخيرة فجرى ترحيله من الإمارات لمصر وتحديد إقامته في القاهرة، فلم يظهر بعدها إلا ممارسا لرياضة المشي حول منزله شرق القاهرة.

أما رئيس الأركان الأسبق الفريق سامي عنان فاعتقل عقب إعلانه في مقطع مصور عن نيته خوض انتخابات الرئاسة الأخيرة ذاتها، وواجه تهما تتعلق بخرق قواعد المؤسسة العسكرية، وحوكم وأدين على إثرها بالسجن، ثم أخلي سبيله لاحقا قبل أقل من عام.

ولم يخل الإعلام الرسمي والمقرب من النظام من توجيه الاتهامات بالتخوين لسليمان كما جرى مع رفاقه من أبطال حرب أكتوبر، إذ تواصلت الحملات الإعلامية ضده رغم انتمائه للجيش.

ولم يتجاهل سليمان تماما الأحداث الكبرى المؤثرة، وظل يتواصل سرا مع معارضي التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بحسب شهادة الباحث الأكاديمي تقادم الخطيب، الذي قدم عام 2016 ـ لمحامين قاضوا الحكومة ضد التنازل عن الجزيرتين- وثائق تثبت أنهما مصريتان، مؤكدا أن الراحل بادر بالتواصل معه قائلا له "لقد زادت محبتك (مصر) أضعافا في قلبي، وأصبحت لك مكانة تضاهي مكانة أبنائي".

تقادم الخطيب قال للجزيرة نت "فقط القطاع الداعم للتحول الديمقراطي بين المصريين هو الذي نعى الراحل وحزن لرحيله، لأنه رجل عسكري من جيل أكتوبر، هادئ وصاحب فكر حقيقي وإستراتيجي عميق ومثقف، وهذا ما يجعله مختلفا تماما عن قادة الجيش الحاليين".

وتابع الخطيب أن سليمان كان صوتا مختلفا من حيث مناداته بوجوب بُعد الجيش عن السياسة، وهذه مسألة نادرة داخل المؤسسة العسكرية، ومن نادوا بهذا قلائل جدا، ومنهم قائد حركة الضباط في يوليو/تموز 1952 اللواء محمد نجيب والفريق سعد الدين الشاذلي، وكانوا يمثلون توجها داخل المؤسسة العسكرية يدعو لتخلي الجيش عن السياسة، مؤكدا أن "أصحاب هذا التوجه يتعرضون للتهميش والتنكيل، كما جرى مع نجيب والشاذلي واللواء عادل سليمان".

وبالرجوع إلى حساب اللواء عادل سليمان على تويتر وفيسبوك، كانت آخر كلماته المسجلة عليه هي جملة "صباح على الخير، على مصر ومن يحبونها بجد بجد"، ودأب على تكرارها طوال أعوام حتى قبيل رحيله بأيام عقب اعتقاله ثم الإفراج عنه، مكتفيا بها دون الخوض في الشأن المصري إطلاقا باستثناء تعليقات عابرة عن الشؤون العسكرية لما يجري على الساحة الليبية أو ما يتصل بالقضية الفلسطينية.

وتمثل 2014 سنة فارقة في مسيرة حياة الرجل، حيث كان قبلها دائم الظهور على قنوات عربية وعالمية وخاصة قناة الجزيرة، متحدثا فيها عن رأيه فيما يدور بالبلاد، فضلا عن أنه كان قبل انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 ضيفا دائما على الفضائيات المحلية بمصر، والتي أحجمت لاحقا عن استضافته كخبير عسكري في فترة ما بعد الانقلاب قبل أن يضطر الرجل نفسه للصمت على ما يبدو عقب فترة اعتقاله في 2014.

إعلان

وتلخص تصريحات الراحل ترحيبا بثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وأنها "ستخلق وضعا مختلفا ومبشرا"، كما انتقد الانتهاكات التي جرت في فترة حكم المجلس العسكري للبلاد عقب الثورة، وحمّل المجلس العسكري مسؤولية الانتهاكات التي وقعت في فترة حكمه، ثم عارض الانقلاب العسكري الذي عزل الرئيس الراحل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، قائلا في تصريحات صحفية إن "انقلاب 2013 جرى التخطيط له في 2011 عقب عزل الرئيس الأسبق حسني مبارك".

وقبل الانقلاب بأيام، ذكر في تصريحات صحفية أن السيسي قال إن "إرادة الشعب المصري هي التي تحكمنا ونرعاها بشرف ونزاهة، ونحن مسؤولون مسؤولية كاملة عن حمايتها ولا يمكن أن نسمح بالتعدي عليها"، وعلق سليمان وقتها بالقول "الحقيقة أنني لا أعرف طريقة أخرى غير الانتخابات هي التي تعبر عن إرادة الشعوب، التي يتعهد الجيش بحمايتها".

وجاء في معرض انتقاده تدخل الجيش في السياسة والاقتصاد قوله إن "القوات المسلحة تحمي الشعب ولا تحكمه"، ورفض الحل الأمني وحده في سيناء، مطالبا بتنمية شاملة.

ورغم ذلك كانت توجهات الراحل هي الحديث بفخر عن النظم والقواعد الحاكمة للمؤسسة العسكرية، مطالبا بتطبيقها كما يجب، ونافيا صحة فكرة الطاعة العمياء بالمؤسسة، وأكد أن الأدق هو الطاعة القانونية للقواعد.

 

المصدر: الجزيرة

إعلان