صلاح نصر.. من وحش المخابرات إلى كبش فداء لخطايا الناصرية

ميدان - صلاح نصر مدير المخابرات العامة في قفص الاتهام بعد نكسة يونيو/حزيران 67
صلاح نصر -أشهر رئيس للمخابرات العامة المصرية- خلّف وراءه تراثا من الجدل والغضب (مواقع التواصل)

في الخامس من مارس/آذار 1982، توفي صلاح نصر أشهر رئيس للمخابرات العامة المصرية، مخلفا وراءه تراثا من الجدل والغضب ومئات الروايات والقصص المرعبة حول التعذيب والتنصت والتجسس وحتى الانحرافات الجنسية.

فهل كان صلاح نصر حقا هو ذلك الوحش المخيف الذي انحرف بالمخابرات عن دورها وأساء استخدام السلطة وورط النظام وتسبب في هزيمة 1967 أمام إسرائيل، كما اتهمه إعلام الرئيس جمال عبد الناصر آنذاك؟ أم كان منفذا ومعبرا عن سياسات النظام وقتئذ، وتحول في النهاية إلى "كبش فداء" لخطايا الحقبة الناصرية؟

من الطب إلى المخابرات
ولد صلاح بن محمد نصر سيد أحمد النجومي يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 1920 في قرية سنتماي مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، وأراد والده إلحاقه بكلية الطب لكنه اختار الكلية الحربية التي دخلها عام 1936، وهناك تعرف إلى صديقه عبد الحكيم عامر الذي أقنعه بالانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، هذه الصداقة التي تحولت إلى شراكة سياسية نجحت لاحقا في الإطاحة بالملك فاروق في 23 يوليو/تموز 1952 بانقلاب عسكري حمل اسم الثورة لاحقا.

هذه الصداقة جعلت من نصر أهم رجال المشير عامر في مقابل رجال عبد الناصر، فكان من الطبيعي أن تؤدي إلى الإطاحة به إثر الإطاحة بالمشير عامر بعد ثلاثين عاما من العمل العسكري والسياسي.

في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1956، استدعاه جمال عبد الناصر وطلب منه أن يذهب إلى المخابرات العامة ليصبح نائبا لمديرها علي صبري، وبعد تعيين صبري وزير دولة، تولى نصر رئاسة المخابرات في 13 مايو/أيار 1957، لتبدأ أكثر فصول حياته إثارة.

عمل صلاح نصر على تأسيس جهاز المخابرات العامة ووضع الإستراتيجية العامة له والتي تمثلت في الأمن الخارجي وجمع المعلومات خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، وأسس في سبيل ذلك عدة شركات تابعة للمخابرات تضمن توفير النفقات الكبيرة للجهاز، وحصل على التمويل من موازنة الجيش ورئاسة الجمهورية؛ هذه الشركات توسعت الآن وأصبحت تسيطر على المفاصل الأساسية للاقتصاد المصري، لكن الحصة الكبرى أصبحت من نصيب الجيش المصري.

رويدا رويدا تحول عمل جهاز المخابرات من الأمن الخارجي إلى الأمن الداخلي، وأصبح أكثر الأجهزة الأمنية إرعابا للمصريين، وانشغل رجال المخابرات عن العدو إسرائيل وأصبح النشطاء والسياسيون والفنانون والمسؤولون هم الهدف الأول لرجال المخابرات، ليستيقظ الجميع على هول الصدمة، حيث دخل الجيش الإسرائيلي سيناء ودمر سلاح الجو المصري في ساعات معدودات في الخامس من يونيو/حزيران 1967، ليتساءل الجميع: أين كانت المخابرات التي تعدّ على المصريين أنفاسهم؟

السقوط مع المشير
بعد نكسة 1967 واحتلال إسرائيل سيناء، تبادل أركان النظام الناصري الاتهامات حول المسؤولية عن الهزيمة، لينتهي المشهد بإقالة قائد الجيش عبد الحكيم عامر والإعلان عن انتحاره في محل إقامته الجبرية، ليسقط صلاح نصر داخل مكتبه في المخابرات صباح 13 يوليو/تموز 1967 مصابا بجلطة دموية.

ولأنه كان الرجل الأقوى في مجموعة المشير عامر، أمر الرئيس الأسبق جمال عبد النصر باعتقال صلاح نصر ومحاكمته، وتمت إدانته وحكم عليه بالسجن 15 سنة في قضية اشتهرت إعلاميا بقضية "انحراف المخابرات"، كما حكم عليه أيضا لمدة 25 سنة في قضية أطلق عليها اسم "مؤامرة المشير عامر".

وشاهد المصريون بعد ذلك صلاح نصر في قاعة المحكمة داخل قفص الاتهام، وتابعوا عبر وسائل الإعلام تحميله كل الخطايا التي أدت إلى الهزيمة العسكرية القاسية، وظن الجميع أن صلاح نصر سيقضي ما تبقى من عمره داخل أسوار المعتقلات التي امتلأت على يديه بآلاف المعتقلين.

لكن الظروف تغيرت بشكل دراماتيكي، حيث توفي عبد الناصر ليخلفه الرئيس أنور السادات الذي عانى من سيطرة رجال عبد الناصر على مفاصل الدولة، وأبرزهم علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف، فقرر السادات الإطاحة بهم فيما عرف بقضية "مراكز القوى"، وزج بهم في السجون، وقرر في المقابل إطلاق سراح صلاح نصر وآخرين في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1974، ليترك نصر مكانه في السجن لسجانيه السابقين.

استخدام النساء
وإذا كان التعذيب والتنصت من أبرز خطايا النظام الناصري، فإن أكثر الانحرافات التي ارتبطت في أذهان المصريين بصلاح نصر كان استخدام النساء -خاصة الممثلات- في التجسس وتجنيد العملاء، وشهدت السينما المصرية عدة أفلام ترصد هذه الظاهرة.

في مذكراته، يدافع صلاح نصر عن أسلوب تجنيد الفنانات بالقول "إن جميع أجهزة المخابرات في العالم تشغّل نسوة في مهمات خاصة فيما يطلق عليه في المهنة: أعمال السيطرة، ومع أن بعض المجتمعات تنظر إلى هؤلاء النسوة نظرة ازدراء، إلا أنني أعلن أنهن أدّين لهذا البلد خدمات تقدر بملايين الجنيهات، لقد استطعن أن يوقعن بأكثر الجواسيس العالميين دهاء، وجمعن معلومات قيمة يعجز أمهر المحترفين عن الحصول عليها".

ورغم اعتراف صلاح نصر باستخدام الفضائح الجنسية في أعمال المخابرات، فإن كتاب "شاهدة على انحرافات صلاح نصر" يظل الأكثر إثارة للجدل حول تفاصيل هذه الأعمال. ورغم تشكيك البعض في صحة هذه الروايات، لكن الكتاب طبع عدة طبعات ولا يزال يُصنَّف على أنه أخطر الكتب المصرية وأكثرها إثارة في القرن العشرين.

الكتاب الذي صدر نهاية الثمانينيات بعد وفاة صلاح نصر، يتضمن حكايات على لسان مؤلفته اعتماد خورشيد التي تقول إنها تزوجت صلاح نصر بالإكراه، وإنهم أجبروا زوجها على أن يكون شاهدا على الزواج، وتروي أنها كانت تعمل في تجنيد أشهر فنانات هذه الحقبة للعمل لصالح المخابرات.

وتحكي اعتماد عما وصفته بـ"حفلات الشذوذ الجنسي التي كان يستمتع بها صلاح نصر"، وتنسب له مقولة مثيرة "أنا بحكم عبد الناصر وبأكله، أنا بقول لعبد الناصر اخرج أو متخرجش، يا 30 مليون حيوان أنا اللي معيشكم وأنا ربنا بتاعكم"، قاصدا الشعب المصري الذي كان يبلغ تعداده آنذاك ثلاثين مليون نسمة.

كبش فداء
في المقابل، يرى سياسيون أن انحرافات صلاح نصر لم تكن سوى انعكاس لسياسات النظام الناصري، وأنه لا يعقل أن يظل منفردا بعمل أخطر الأجهزة السيادية دون علم الرئيس وأعمدة الدولة، خاصة أن قصص انحرافات المخابرات كانت متداولة بين المصريين قبل هزيمة 1967.

هذه التساؤلات دفعت عبد الناصر للإجابة علنا بأن المخابرات هي المنوطة بإبلاغه عن انحرافات أجهزة الدولة، وأنه كان يرى بعض مظاهر الانحراف لكنه لم يكن يتصور أن تصل إلى هذا المستوى، متسائلا بشكل استنكاري "هل كان الحل أن أٌشكل جهاز مخابرات آخر يراقب جهاز المخابرات؟". مؤكدا أن فتح المجال العام بمزيد من الحريات والديمقراطية هو السبيل الوحيد لمواجهة انحرافات الأجهزة السيادية، معلنا سقوط ما وصفه بدولة المخابرات.

من جهته، يدافع هاني نجل صلاح نصر عن أبيه بأنه لم يستخدم الجنس في الحصول على المعلومات إلا مع قليل جدا من الفنانات، وكان ذلك تطوعا منهن، مشيرا إلى أن عبد الناصر هو من اقترح ذلك.

وفي مذكراته التي أثارت ضجة واسعة، يقول شمس بدران وزير الحربية الذي أطاح به عبد الناصر مع صلاح نصر، إن عبد الناصر كان يعاني من تأثيرات مرض السكر على حياته الجنسية، وكان في سنواته الأخيرة يستعين بشرائط فيها مشاهد جنسية لعدد من الفنانات الشهيرات، كان يزوده بها صلاح نصر.

كما يهاجم هاني صلاح نصر في عدة تصريحات صحفية المؤلفة اعتماد خورشيد، ويصفها بأنها "سيئة لأقصى درجة"، وأنه تم استخدامها للتشهير بوالده من قبل شخصية لم يكشف عنها، كما هاجم الكاتبَ الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل الذي قال إن صلاح نصر كان يعاني من "كبت جنسي".

بدوره، يعتبر عمرو نجل المشير عبد الحكيم عامر أن صلاح نصر هو المؤسس الحقيقي لجهاز المخابرات العامة، ويقول إنه إنجاز يضاهي إنجاز السد العالي، مضيفا أنه تعرض للظلم والافتراء.

ونقل موقع اليوم السابع عن منشور لعمرو عامر على فيسبوك أن المخابرات العامة تعلم دوره جيدا، مدللا على استقامته باضطراره لبيع سجاد منزله وبأنه مات فقيرا، رغم أنه كان يتحكم بملايين الجنيهات خلال فترة عمله.

ويلخص شمس بدران وجهة النظر التي ترفض تحميل صلاح نصر خطايا عبد الناصر، بقوله "عبد الناصر تحول من ثوري نقي إلى دكتاتور، فقد حمّل المسؤولية العسكرية للمشير عبد الحكيم عامر عن هزيمة 67، والشق السياسي للهزيمة حمله لصلاح نصر فيما أطلقوا عليه انحرافات جهاز المخابرات، بينما خرج هو من الهزيمة دون مسؤولية".

المصدر : الجزيرة