اللاعبون تحت طاولة القدس

أنت لا تملك في هذا الزمن العربي الأردأ من الرديء إلا حواسك الست، وبعضاً من بطولات فردية هنا وهناك، حتى إن بعض حواسك قد اعترتها كثرة الاستعمال، وصرتَ بحاجة إلى منشطات لها تساعدك على ألا تمرّ حكاياتُ العرب الأقزام عليكَ وأنت فاغرٌ فاك كأنك أحد أبطال فيلم عربي قديم، يضحكون عليه عياناً بياناً ويأخذون كل عقاراته وأرصدته بتوكيل لفتاة ليل باسم الحبّ وتحت قاعدة "مش أنا وأنت واحد يا حبيبي؟".
لا لسنا واحداً، فالذين ما زالوا يصرّون على تخليص كل قضايانا المصيرية العالقة في حلوق عروشهم بلعبة في كازينو أو سباق "تشلّح"، لسنا واحدا معهم في صفقة "قرنهم" لأننا عشنا من أجل الكرامة والحرية، ومن أجل إنسانية الإنسان، ولم "نُركّب قرونا" بعدُ كي نسوق مقدساتنا في أسواق النخاسة، وندلل عليها بالمجان، ونطلب خفض السعر من أجل ديمومة عرشٍ أو الحصول عليه، أو الوصول إلى أرصدة أكبر في بنك العهر السياسي!
| كل مشكلة العرب في المئة سنة الأخيرة هي الطاولة التي رفض السلطان عبد الحميد الثاني الجلوس حولها، فشوهوا تاريخه وانتزعوا ملكه وطردوه عن سلطانه |
ومن عجائب اللاعبين تحت الطاولة أنهم ينادون بالشفافية ولا يملكون منها سوى العتمة المطبقة على كل تفاصيلهم، ويتبجحون بمحاربة الفساد عبر بيع الأوطان ومحاربة الفساد بالفساد، فالقدس في خطابهم العام هي أولى القِبلتين، بينما تحت الطاولة هي أولى القُبلتين (بضم القاف) لأنهم يعطون القُبلة الأولى تحت الطاولة كعربون اتفاق على ما سيجري لاحقاً، والقُبلة الثانية مؤجلة إلى حين "سلّمْ واستلمْ".
كل مشكلة العرب في المئة سنة الأخيرة هي الطاولة التي رفض السلطان عبد الحميد الثاني الجلوس حولها، فشوهوا تاريخه وانتزعوا ملكه وطردوه عن سلطانه، بينما ركض العرب المترفون بالبلاهة وجلسوا تحتها لا حولها، وجرى تحتها ما جرى من وعد بلفور إلى وعد ترمب، وما بين الوعدين كانت الطاولة تتنقل لترسم أهم خرائطنا للتيه، وترسم معها هزائم بأيدينا حوّلها الأبطال المزيّفون إلى انتصارات بقوة المخابرات والسجون، وحوّلوا شعوبهم إلى آلات تجيد التصفيق على الكبسة بدون حرارة مهما كان صوت التصفيق عالياً. بذاك استطاع اللاعبون تحت طاولة الخديعة ضمان بقائهم لأكبر فترة ممكنة إلى حين انتهاء مفعولهم واستبدالهم بغيرهم باسم فلسطين والقدس أولى القبلتين.
ذات يوم وقبل أكثر من 25 عاماً قال لي مفاوض سياسي كبير حين جادلته بجدوى الطاولة مع الإسرائيليين: ابني الآن عمره عشرون يوماً.. أريده بعد عشرين سنة أن يمسك الاتفاق الذي وقعته مع الإسرائيليين ويمزقه بيديه، ويبدأ حرب التحرير من جديد، ولكن دعونا الآن نضمن لنا موطئ قدم في فلسطين.
| للطاولة سحر عند من لا يثقون إلا بمن يحققون لهم مصالحهم الشخصية ولو على حساب أوطان تنزف كل يوم أوجاعاً لا تنتهي من لعب الأقزام تحت الطاولة |
أسكتني حينها وبالذات حينما أكد لي أنه سيكون سعيداً حين يقول ابنه القادم: إني أتبرأ مما فعل والدي! ماذا حدث الآن وبعد خمسة وعشرين عاماً لا بعد عشرين؟ لم يحظ المفاوض السياسي الكبير بموطئ قدم فحسب، بل بفلل وشركات ومشاريع وتاهت قدماه الصغيرتان بكثرة المواطئ، وتاهت معه قضيته المركزية.
أما ابنه ذو الخمسة والعشرين ربيعاً فلم يلتحق بالمقاومة وصار يدافع عن الاتفاق الذي كان يُفترض أن يمزقه بيديه، وجلوسه بفلسطين هو جلوس الضيف الذي يبحث عن وليمة عند هذا ودعوة عند ذاك! أرأيتم ما فعلته الطاولة بنا؟ للطاولة سحر عند من لا يثقون إلا بمن يحققون لهم مصالحهم الشخصية ولو على حساب أوطان تنزف كلّ يوم أوجاعاً لا تنتهي من لعب الأقزام تحت الطاولة.
ولكن، ورغم إغراءات الطاولة ورغم التجهيزات الفندقية الفخمة تحتها، ورغم كثرة الساعين إليها، فإن الوجوه التي لعبت جميعها ما عادت تحظى بأي هالة وطنية، ولم تعد قادرة على تمرير أو تبرير أي مشروعٍ "مشبوه"، لأنهم أصبحوا كالأغنام الموسومة (التي عليها وسم صاحبها)؛ يعرف الجميع: هذا يشتغل لصالح من ومن أجل من؟ وهذا لماذا يقول هذا الآن والآن بالذات؟ وهذا لماذا يهدّد ويزبد ويعربد ولمصلحة من؟ وهذا لماذا يريد استبدال هالة القدس العظيمة تاريخياً ومن آلاف السنين بـ"أبو ديس" و"رام الله" وغيرهما على مكانتها الوطنية، ولكن لا يمكن مقارنة هالة مقدسة بهالة مصطنعة ولو كانت جزءاً من الوطن!
| الشعوب التي تقدّم كل هذا الدم وهي تصرخ كل ساعة: حريّة حرية؛ لن تستسلم للاعبين مهما صفّق منها من صفّق، ومهما كانت الرياح سيئة |
ما لا يدركه اللاعبون تحت الطاولة، أو لا يريدون أن يدركوه؛ أنهم مكشوفون، وكل ألاعيبهم تحت الضوء مهما أنكروا ومهما أخرجوا أفلاماً محروقة وسيناريوهات كاذبة لتصرفاتهم.. مكشوفون للحد الذي باتوا كجحا الذي كذب الكذبة وصدقها، وإنهم ليصدِّقون أكاذيبهم وضاعت الحقيقة من أيديهم، وليس بين بطانتهم رشيدٌ صاحب جرأة وقّادة يصرخ فيهم: اخرجوا من تحت الطاولة وتعالوا نلعب على المكشوف.
في النهاية.. صحيح أن الطاولة صنعت هزائم كبيرة لا حدّ لها، وبعثرت أحلام الشعوب العربية وما زالت.. وصحيح أن الطاولة في آخر المطاف هي مائدة اللئام، إلا أن الشعوب التي تقدّم كل هذا الدم وهي تصرخ كل ساعة: حريّة حريّة؛ لن تستسلم للاعبين مهما صفّق منها من صفّق، ومهما كانت الرياح سيئة، ومهما تناسلت الطاولة وصار في كل حارةٍ عربية طاولة مشابهة، فإن الأمم تنتصر بالتراكمات.