ندرانغيتا.. مافيا إيطالية تسيطر على تجارة المخدرات وتدير 60 مليار دولار سنويا

epa07143343 Francesco Amato (C) is taken into custody by Italian Carabinieri at the end of the post office near Reggio Emilia, Italy, 05 November 2018. Amato was convicted last week in the 'Aemilia' trial on 'Ndrangheta Calabrian mafia infiltration in the Emilia region. Amato received a 19 year jail term at the trial and has been on the run since the sentence, police said. EPA-EFE/ELISABETTA BARACCHI
الشرطة الإيطالية تلقي القبض على أحد زعماء المافيا (الأوروبية)

محمود العدم

دفعت الحملات التي شنتها الشرطة مؤخرا ضد عصابات المافيا في أربع دول أوروبية وسائل الإعلام لتسليط الضوء على عدد من الجوانب المظلمة لهذه العصابات التي تدير -وفق تقارير صحفية- نحو 80% من تجارة المخدرات في القارة العجوز.

وبحسب تقارير للشرطة الإيطالية، فإن مافيا ندرانغيتا التي تنشط في إقليم كالابريا جنوبي إيطاليا، باتت المافيا الأكثر قوة في الوقت الراهن، وهي تسيطر على تجارة الكوكايين.

ورغم أن هذه العصابة كانت هدفاً للحملات من قبل أجهزة الشرطة، وحتى من قرارات وزارة الخزانة الأميركية لأكثر من عقد من الزمان، فإنها رسخت هيمنتها على تجارة الكوكايين، وتمكنت من إقامة روابط مع جماعات الجريمة المنظمة عبر العالم.

نبذة تاريخية
وقبل سبر أغوار وتفاصيل هذه العصابة، لا بد من تقديم لمحة تاريخية عن عصابات المافيا الإيطالية بشكل عام.

ويمكن تعريف المافيا -وفقا لويكيبيديا- بأنها عصابات الجريمة المنظمة التي تمارس الابتزاز في المقام الأول واستخدام الترهيب للاتجار غير المشروع والتلاعب بالنشاط الاقتصادي، كما تمارس أنشطة أخرى مثل الاتجار بالمخدرات والقروض بفوائد مرتفعة والتزوير.

وترتبط هذه العصابات بميثاق شرف، ولا سيما ميثاق الصمت الذي يحمي المافيا من التسللات الخارجية وتدابير إنفاذ القانون.

ونشأت هذه المافيات في الجنوب الإيطالي في القرن الثامن عشر، وأسسها مجموعة من المساجين الخطرين، الذين ما إن خرجوا من سجونهم حتى بدؤوا بكسب نفوذ سياسي في إيطاليا، وانتشرت بعد ذلك في دول أخرى مثل روسيا واليابان والولايات المتحدة وغيرها.

وحافظت العصابات جميعا على الاسم نفسه "مافيا"، الذي اختلف في أصله، لكن ما تم التوافق عليه اصطلاحا ودون الخوض في التفاصيل هو أن هذا الاسم يطلق على هذا النوع من العصابات الإجرامية.

تدمير مبنى بني بشكل غير قانوني في روما تعود ملكيته للمافيا (رويترز)
تدمير مبنى بني بشكل غير قانوني في روما تعود ملكيته للمافيا (رويترز)

أشهر مافيات إيطاليا
انتشر في الجنوب الإيطالي عدد من المافيات من أشهرها مافيا ساكرا كورونا يونيتا، أو التاج الموحد المقدس، والتي نشأت في بوليا جنوبي إيطاليا، وتنشط خصوصا في مناطق برينديزي وليتشي وتارانتو، وتعتبر رابع تنظيمات المافيا في إيطاليا وأقلها شهرة.

مافيا كامورا التي نشأت في مدينة نابولي جنوبي إيطاليا، وعرفها مؤرخون بأنها "مؤسسة شعبية سرية هدفها النهائي إحداث الشر"، ويزيد عدد عناصرها عن سبعة آلاف.

أما الأشهر محليا وعالميا فهي مافيا كوزا نوسترا التي ولدت من رحم عصابات الجريمة التي كانت تنشط في القرن الثامن عشر في جزيرة صقلية بإيطاليا، وشكلت تحالفا حرا من عصابات تجمعها بنية تنظيمية مشتركة وقواعد سلوكية موحدة.

وتفرعت كل عصابات المافيا اللاحقة عن العصابة الأم كوزا نوسترا، وقد ذاع صيتها في الولايات المتحدة، إذ كانت تخوض معارك ضد بعض العصابات الأخرى في شيكاغو ونيويورك ومدن أميركية أخرى في إطار الصراع على النفوذ وتقاسم الضرائب.

ووفقا لتقارير أمنية، فإن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي يقدر عدد أفراد أهم ثلاث عصابات مافيا إيطالية، وهي كوزا نوسترا وكامورا وساكرا كورونا، بنحو 25 ألف شخص، بينما عدد الأفراد المرتبطين بها حول العالم يصل إلى ربع مليون شخص.

لكن، وعلى الرغم من عدم شهرتها خارج البلاد والنظر إليها على أنها عصابة ريفية، فإن ندرانغيتا تمكنت من أن تصبح منظمة الجريمة الأقوى في إيطاليا منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي.

الحملات الأمنية مستمرة على عصابات المافيا في إيطاليا (رويترز)
الحملات الأمنية مستمرة على عصابات المافيا في إيطاليا (رويترز)

60 مليار دولار
وسلط تقرير نشرته شبكة سي أن أن الأميركية الضوء على هذه العصابة، في أعقاب مداهمات قامت بها الشرطة لمعاقلها، أسفرت عن اعتقال العشرات من قادتها وأفرادها. 

وقال التقرير إن "رئيس مجلس إدارة" مجموعة المافيا الأكثر نفوذاً في إيطاليا دومينيكو أوبوتيسانو (80 عاما) كان يتنقل في سيارة فان ذات ثلاث عجلات، وكان يشري حاجاته من السوق بنفسه.

ويقدر مراقبو المافيا أن حجم الأموال التي تديرها هذه العصابة من وراء تجارة المخدرات يتجاوز 60 مليار دولار سنويا، وهو ما يساوي الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل كرواتيا أو بلغاريا.

وتقيم هذه العصابة علاقات مع منتجي المخدرات والموزعين في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، وفي بيرو وكولومبيا والبرازيل.

ويذكر تقرير "سي أن أن" نقلا عن سيسيليا أنيسي -وهي صحفية تحقيق أمضت بعض الوقت في قلب المجموعة- قولها إن جيلا جديدًا من القادة أراد إيجاد طرق لاستثمار العائدات من الاختطاف والحماية. فكان الجواب الكوكايين.

ووصفت وثائق المحكمة الإيطالية الاتجار بالمخدرات بأنه "منجم الذهب الذي تستخدمه" ندرانغيتا من أجل الاستثمار في الاقتصاد في إيطاليا والخارج.

أما الكاتب أنطونيو نيكاسو -الذي ألّف نحو 30 كتابًا عن الجريمة المنظمة- فيقول إن هذه المافيا ضمت "إلى أصولها الريفية ميلا إلى الإبداع"، وأضاف أنها سيطرت على جميع طرق التهريب الرئيسية، بما في ذلك الموانئ في البرازيل وغرب أفريقيا، كما أنشأت وجودًا في الموانئ الأوروبية.

واحتفظت هذه المافيا بحسابات مصرفية في مونتي كارلو وميلانو، وتنقل عملاء إلى كولومبيا وإسبانيا وألمانيا والبلقان وكندا وأستراليا.

ونقلا عن مسؤول أميركي، فإن ندرانغيتا تقوم بغسل العائدات المتزايدة بسرعة من خلال الاستثمارات في السياحة على الريفييرا الفرنسية، والمطاعم والعقارات في إسبانيا، والعقود العامة في شمال إيطاليا، إضافة إلى المقاهي والحانات من دوسلدورف الألمانية إلى جنوب لندن.

إخلاء سكان خلال حملة أمنية على موقع للمافيا بروما (رويترز)
إخلاء سكان خلال حملة أمنية على موقع للمافيا بروما (رويترز)


روابط عائلية
تعتبر منطقة كالابريا التي انطلقت منها ندرانغيتا، منطقة مافيا مثالية، فهي منطقة جبلية نائية وسرية، وتعتبر واحدة من أفقر المناطق في أوروبا، وهي معادية لأي شكل من أشكال سلطة الدولة.

وتهيمن على المنطقة بعض العائلات التاريخية مثل بيلي وروميو وجورجي، ورغم العداوات والثأرات التاريخية بين هذه العائلات التي أسفرت عن عشرات الضحايا على مر السنين، إلا أنها حرصت على ألا تخرج هذه النزاعات للعلن.

وقامت بتشكيل مجلس مديرين لتسوية النزاعات، وتوثيق الصلات بينها وتعزيز الروابط العائلية من خلال الزواج، مما جعل انهيار هذه المافيا أكثر صعوبة من غيرها، حتى أصبح من "شبه المستحيل التمييز داخل عائلة ندرانغيتا بين رابطة الدم والروابط الإجرامية، ويتم تداول المعلومات وفقًا لتسلسل هرمي صارم".

وبينما أصبح الآلاف من أعضاء العصابات الأخرى مخبرين لدى السلطات الأمنية، لم ينقلب سوى العشرات من أعضاء ندرانغيتا، ولم يكن أي منهم من بين الرتب العليا، كما يقول نيكاسو. 

الحملات الأمنية
لم تتوقف الحملات الأمنية التي تشنها الشرطة الأوروبية على هذه المافيا، ومن المؤكد أن موجات الاعتقالات خلال العقد الماضي قد ساهمت في إعاقة عمل المجموعة الإجرامي.

واستفادت الأجهزة الأمنية من التكنولوجيا الجديدة في متابعة تحركات بعض زعماء هذه المافيا، مما أسفر عن اعتقال المئات منهم خلال العقد الأخير، بمن فيهم ضباط في الشرطة.

لكن المخاوف الأمنية تبقى سارية، خصوصا مع تقديرات الخبراء بأن البنية التنظيمية لهذه المافيا قادرة على إعادة هيكلة نفسها بسرعة، وقد وصفها أحد مسؤولي الشرطة الإيطالية "بأنها تشبه الحرباء" بفعل فاعليتها وقدرتها على تغيير طريقة عملها، مع الاحتفاظ بقاعدتها غير المرئية في جبال كالابريا.

ويتابع المسؤول الأمني "لقد اخترقت تماما السياسات المحلية، وهي قادرة على تحويل الانتخابات البلدية لصالح مرشحيها، وهي تستطيع أن تشتري أو تهدد أو تصفي أي شخص يتحداها".

كما أن هذه المافيا تتحكم في مجموعة كاملة من الأنشطة الاقتصادية القانونية مثل التخلص من النفايات، ومشاريع البناء والطاقة المتجددة والزراعة، والسياحة، ودخلت مؤخرا نشاط اللاجئين.

ويقول نيكاسو إن الحملات الأخيرة "خدشت السطح فقط"، في وقت تقول فيه الصحفية أنيسي "إن لدى هذه العائلات القدرة على إعادة تنظيم نفسها في غضون أسبوعين".

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية