المصلى المرواني.. روحية عتيقة يتهددها الاحتلال

المصلى المرواني الغني بعبق التاريخ في جدرانه وأروقته وأعمدته
المصلى المرواني الغني بعبق التاريخ في جدرانه وأروقته وأعمدته (الجزيرة)

أسيل جندي – القدس

ما إن يدخل الزائر المصلى المرواني في المسجد الأقصى المبارك، حتى يبهره هذا البناء الذي يعدّ من أقدم المباني في العالم.

بُني المصلى المرواني في العهد الأموي تحت الأرض على مساحة 4.5 دونمات، وكان يسمى قديما بالتسوية الشرقية، لأن الهدف من بنائه كان تسوية سطح الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى تمهيدا للبناء عليه.

أُطلق على "المصلى المرواني" هذه التسمية بعد ترميمه وفتحه للصلاة تكريما للخليفة الأموي مروان بن الحكم والد الخليفة عبد الملك بن مروان الذي كان له ولأبنائه هشام وسليمان والوليد من بعده، دور كبير في إعمار المسجد الأقصى المبارك.

يتكوّن المصلى المرواني من 16 رواقا مسقوفا، ليشكل بذلك أكبر مساحة مسقوفة من مساحات المسجد الأقصى. كما يتميز بسقفه وأرضيته المكوّنين من الحجر، ويحتوي على مائة عمود حجري بداخله، ويتسع لأربعة آلاف مصل يدخلون إليه عبر بوابتين عملاقتين.

بوابات المصلى المرواني التاريخية الكبيرة (الجزيرة)
بوابات المصلى المرواني التاريخية الكبيرة (الجزيرة)

ورغم وفرة الأماكن التي يمكن للمصلين أداء صلاتهم فيها داخل المسجد الأقصى المبارك فإن كثيرين يفضلون الصلاة بالمصلى المرواني لما فيه من روحانية وطقوس مميزة.

يقول الحاج نافذ يغمور "أداوم على الصلاة بالمصلى المرواني لأنه هُجر لفترة من الزمن، وتعمدت التردد عليه والصلاة داخله، حتى شعرت أنني أتعلق به تلقائيا وأُفضل الصلاة به عن غيره من الأماكن داخل الأقصى، ونحن نريد أن نوصل رسالة إلى الاحتلال مفادها أن كل بقعة داخل المسجد هي ملك للمسلمين وللمسلمين فقط".

ليس بعيدا عن ذلك تقول السيدة آمال رملاوي "أسكن في البلدة القديمة بالقدس ولا أجد مكانا للذهاب إليه أفضل من المسجد الأقصى، وأمكث في المصلى المرواني لتعلم أحكام التجويد والفقه، كما تتوجه نساء البلدة إليه لتسميع القرآن الكريم في حلقات علمية. كما أنه من أكثر الأماكن داخل الأقصى تميزا في شهر رمضان المبارك حيث تقام فيه حلقات ذكر مميزة".

إعلان

التقينا أثناء تجولنا داخل المصلى المرواني بغزّي يبلغ الأربعين من العمر ويزور الأقصى للمرة الثانية في حياته. يقول حسام نصر "أنا مندهش من العمق والاحتراف في إنشاء هذا المصلى الذي يعجز الإنسان عن القيام ببناء مثله في وقتنا الحاضر، فرغم الإمكانيات البسيطة التي توفرت في الفترة الأموية فإننا نشهد بناء فنيا معماريا أصيلا، وفيه أجواء روحانية عالية يعجز الإنسان عن وصفها".

استخدم المصلى المرواني إبان الغزو الصليبي كإسطبل للخيول، حيث تم حفر حلقات كبيرة في جدران المصلى لربط الخيول بها. وفي الفترة العثمانية أهمِل المصلى، لينتعش من جديد في الفترة المملوكية التي استخدم فيها كمدارس، حتى دخل الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأت أطماعه لاحقا في المصلى، وبالتالي تنبهت الأوقاف الإسلامية إلى ضرورة ترميمه، فمنذ عام 1996 بدأ الترميم وتم الانتهاء من ترميم عشرة أروقة، والستة الباقية قيد الترميم، ولكن العملية بطيئة وتواجه العديد من المعيقات الاحتلالية.

يقول رئيس أكاديمية الأقصى للعلوم والتراث المسؤول عن ترميم المصلى المرواني ناجح بكيرات إن العديد من التحديات تواجه المصلى المرواني، أبرزها التصريحات الإسرائيلية المستمرة بأن الصعود إلى جبل الهيكل المزعوم يجب أن يتم من جهة المصلى، الأمر الذي دفع الجهات الرسمية إلى تكثيف الحفريات أسفله، وبعض الأنفاق تحاول المرور تحته.

الفتحات التي تم حفرها بالحجر لربط الخيول بها في عهد الاحتلال الصليبي للقدس (الجزيرة)
الفتحات التي تم حفرها بالحجر لربط الخيول بها في عهد الاحتلال الصليبي للقدس (الجزيرة)

ومن التحديات أيضا حسب بكيرات، التضييق الشديد على إدخال المواد اللازمة لترميم المبنى القديم، وتركيز الاحتلال على نشر دعاية بأن المبنى متهالك وآيل إلى السقوط ويشكل خطرا على حياة المواطنين، في محاولة لإثارة الرعب في قلوب المسلمين من الوصول إلى المصلى المرواني.

وعن مستقبل المصلى، أشار بكيرات إلى أن الحكومة الإسرائيلية بكل أذرعها تستهدف المسجد الأقصى ككل، ولكنها تسعى للسيطرة على المصلى المرواني بشكل أساسي. ولمواجهة ذلك -يضيف- لا بد من وضع خطة واضحة لحمايته تتمثل بالتواجد البشري اليومي في المصلى وعمارته وترميمه ليعج بالمصلين، والعمل المستمر لضمان إدخال المواد لإتمام الترميم، وإنشاء حلقات تعليمية بداخله، ومنع كل الاعتداءات والحفريات التي تحيط به.

ومن المهم أيضا -حسب بكيرات- تعريف الناس بهذا المصلى وأهميته التاريخية، إذ إن معظمهم لا يعرفون أنه كان هناك درج يصل من الصخرة المشرفة إلى أسفل المصلى المرواني، بمعنى أن المصلى كان يشكل جزءا هاما في حادثة الإسراء والمعراج، وبالتالي هذه الروحانية يجب أن تعاد إلى المصلى كي لا يتحقق هدف الاحتلال بعزله عن الأقصى.

المصدر: الجزيرة

إعلان