حين تتحدث طهران عن الثقة وتُلمح إلى هرمز

الدخان يتصاعد في منطقة الفجيرة للصناعات البترولية، جراء حطام ناتج عن اعتراض الدفاعات الجوية لطائرة مسيرة في الفجيرة بالإمارات، وفقا لمكتب الفجيرة الإعلامي، يوم 14 مارس آذار 2026
دخان يتصاعد في منطقة الفجيرة للصناعات البترولية بالإمارات، جراء هجوم إيراني سابق (رويترز)

يكتب الدكتور محمد جواد ظريف في مقاله المنشورفي الجزيرة نت بعنوان "دروس من الحرب: دعوة إلى إعادة تقييم إستراتيجي في غرب آسيا" بلسان رجل دولة، لكنه يُحاكم الوقائع بعقل محام محترف. كل جملة في مقاله مصممة لإدارة السردية لا لمواجهة الحقيقة.

وهنا تكمن المشكلة: حين يبدأ التحليل من افتراض أن طرفا واحدا هو الضحية الكاملة، والآخر هو الجاني المطلق، فإننا لا نقرأ تحليلا سياسيا بقدر ما نقرأ لائحة اتهام مصقولة.

لنتناول حججه بالترتيب، من دون مجاملة ومن دون تجنّ.

أولا: من الذي بدأ زعزعة الاستقرار الإقليمي؟

يصف المقال الرد الإيراني بأنه كان "متزنا وحازما" و"محسوبا ومقيدا"، ويقول: "ولم يكن أمام إيران خيار آخر". هذه صياغة مريحة سرديا، لكنها تبتر السياق عمدا.

المشكلة الأساسية أن السياسة الإيرانية في المنطقة، على مدى العقود الأربعة الماضية، لم تكن سياسة حيادية أو دفاعية. فدعم الحرس الثوري لمليشيات في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، لم يكن مجرد رد على تهديدات وجودية، بل كان توسعا إستراتيجيا منهجيا بالوكالة.

وعندما تنطلق صواريخ الحوثيين نحو الرياض وأبوظبي، وعندما تتعرض منشآت أرامكو لهجمات عام 2019 التي أصابت جزءا كبيرا من الطاقة الإنتاجية السعودية، وعندما تعرقل الجماعات الموالية لإيران في العراق طرق الإمداد وتستهدف المصالح الخليجية، فهذه ليست ردود فعل دفاعية؛ إنها بنية ضغط إقليمي صُنعت بعناية ومُوِلت بسخاء.

واللافت أن ظريف نفسه، بوصفه وزيرا للخارجية لسنوات طويلة، كان جزءا من الغطاء الدبلوماسي الذي مررت عبره هذه السياسة. لذلك فإن حديثه اليوم عن "الحسابات الخاطئة" لدى الآخرين، من دون ذكر أن كثيرا من هذه الحسابات وُلدت في ظل سياسة إيرانية هجومية واضحة، ليس مجرد إغفال؛ بل هو تحريف انتقائي للمقدمات.

ثانيا: "الجانب الخاطئ من التاريخ".. أي تاريخ؟

إعلان

يتهم المقال دول مجلس التعاون بأنها وقفت "على الجانب الخاطئ من التاريخ" لخمسة عقود، ويضمن ذلك دعما لصدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية. وهذه مقاربة تحتاج إلى سياق حقيقي لا إلى حكم أخلاقي مجرد.

فدعم بعض دول الخليج للعراق آنذاك لم يكن تعبيرا عن عداء للشعب الإيراني، بل جاء في سياق قلق مشروع من موجة "تصدير الثورة" التي أعلنتها الجمهورية الإسلامية صراحة كهدف إستراتيجي.

وعندما رفعت طهران شعار تصدير الثورة، وارتبط ذلك بدعم حركات وكيانات دينية متطرفة أو مسلحة في أكثر من ساحة خليجية وعربية، فإن المخاوف الخليجية لم تكن وهما ولا دعاية، بل كانت استجابة لتهديد سياسي وأمني ملموس.

والأهم أن ظريف يُحاضر عن أخطاء الجيران في الاصطفافات القديمة، بينما يتجاهل تماما أن إيران نفسها بنَت جزءا كبيرا من سياستها الإقليمية على تقويض سيادة دول مستقلة من الداخل، في لبنان وسوريا والعراق واليمن. لذلك، فإن الحديث عن "الجانب الخاطئ من التاريخ" يحتاج إلى مرآة أوسع من تلك التي يلوح بها ظريف.

ثالثا: نقد نموذج الأمن المستورد.. حجة في الإطار الخطأ

هنا يطرح المقال نقطة تبدو، في ظاهرها، ذات وجاهة. فالنموذج الأمني القائم على الاعتماد الكامل على القواعد الأجنبية والمظلة العسكرية الخارجية قد تكون له عيوبه الهيكلية، وربما أثبت هشاشته في أكثر من سياق.

لكن دول الخليج ليست أمامها خيارات مفتوحة على الطاولة بالبساطة التي يفترضها هذا الطرح، ففي ظل موقعها الجيوسياسي، وثقلها الطاقوي، وحقيقة أن أمنها وأمن الإقليم يُنظر إليهما باعتبارهما مسؤولية دولية أيضا، بسبب التهديدات المتكررة التي تطال أمن الطاقة، أي شريان الاقتصاد العالمي.

غير أن هذه النقطة تُطرح في الإطار الخطأ تماما. فحين يقول ظريف: "تخلوا عن الأمن المستورد"، فالمقصود ضمنيا هو: "استبدلوه بمنظومة أمنية إقليمية تقودها إيران". وهذا هو جوهر "مبادرة هرمز للسلام" التي طرحتها طهران في أكثر من مناسبة.

لكن المشكلة التي يتجاهلها المقال هي السؤال البديهي: لماذا ينبغي على العرب أن يثقوا بمنظومة أمن إقليمي تقودها إيران؟ بأي سجل؟ وبأي ضمانات؟

فإيران التي سلحت الحوثيين لضرب السعودية وباب المندب، والتي تمسك بمفاصل القرار السياسي في لبنان عبر حزب الله، والتي ساهم حضورها العسكري في سوريا في تفكيك الدولة وتهجير الملايين، والتي تدعم فصائل مسلحة في العراق تقوض سلطة الحكومة وتخترق مؤسساتها. هي نفسها التي تطلب من جيرانها أن يشاركوا في منظومة أمنية مشتركة.

الثقة لا تُبنى بالمقالات ولا بالشعارات، بل بالسلوك المتراكم عبر الزمن. وسلوك إيران الإقليمي لا يقدم حتى الآن أساسا صلبا لهذه الثقة.

رابعا: مضيق هرمز ورسالة التهديد المُقنّعة

يتناول ظريف مضيق هرمز بلغة تبدو تحليلية، لكنها في جوهرها تحمل تهديدا مغلفا. فهو يقول إن: "ممارسة إيران ضبط النفس لفترة طويلة للغاية خلقت انطباعا خاطئا" بأن المضيق مفتوح للجميع. والرسالة الضمنية واضحة: إيران تملك مفتاح هذا الممر الحيوي، وقد تستخدمه متى شاءت.

وهنا تتكشف مفارقة لافتة: ظريف يطالب دول الخليج بالتخلي عن (الأمن المستورد)، والانخراط في منظومة إقليمية قائمة على حسن الجوار، بينما يلوح في الوقت نفسه بقدرة إيران على خنق الشريان البحري الأهم لاقتصادات تلك الدول. وحسن الجوار الذي يُرفق بتذكير دائم بقدرته على إغلاق الممر الملاحي ليس دعوة إلى الشراكة، بل هو أقرب إلى عرض قوة سياسي مموه.

إعلان

خامسا: الموقف من التطبيع وإسرائيل

يرى المقال أن التطبيع مع إسرائيل كان تضحية "بالاستقلال طويل الأمد من أجل تحقيق مكاسب قصيرة الأجل". وهذا موقف سياسي يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حوله، لكنه يقدمه كحقيقة نهائية لا كخيار قابل للنقاش.

الدول التي طبعت، مثل الإمارات والبحرين، رأت في ذلك توسيعا لخياراتها الإستراتيجية، لا تفريطا في سيادتها. ويمكن نقد هذا الخيار بجدية، ومناقشة كلفته وحدوده، لكن ظريف يعرضه بوصفه خيانة مكتملة الأركان، بينما تعاملت إيران نفسها مع قوى دولية وإقليمية – بما فيها إسرائيل – وفق منطق المصلحة والفرصة لا وفق المبدأ الذي تعظ به الآخرين.

سادسا: في أصل رواية إشراك الخليج في الحرب

ترديد المزاعم القائلة إن بعض دول الخليج شجعت الولايات المتحدة على حرب إيران، أو دعمت خيار الحرب، ليس سوى إعادة تدوير لروايات لا تقوم على دليل ثابت.

وغالبا ما تستند هذه المزاعم إلى مصادر منحازة، وتحديدا إلى سرديات إسرائيلية تريد الإيحاء بأن هذه الدول ليست فقط على تماس مع الحرب، بل هي جزء من مناخها السياسي، أو قريبة من الانخراط فيها.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات الإيرانية لا تسعى إلى طمأنة دول الخليج وإبعادها عن منطق المحاور، بل تذهب أحيانا إلى تبني روايات إسرائيلية توظف لإدخال الدول العربية في معادلة الحرب، ودفع المنطقة إلى تقاسم القلق مع إسرائيل في مواجهة "الخطر الإيراني".

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بدلا من بناء الثقة مع الجوار العربي، يُعاد إنتاج سرديات تزيد الشكوك وتعمق الاستقطاب، ثم يُطلب من دول الخليج أن تتعامل مع هذه السرديات كما لو أنها مجرد سوء فهم عابر.

سابعا: ما الذي يغيب عن المقال؟

يغيب عنه اعتراف واحد بسيط وضروري: أن إيران مسؤولة، بصورة مباشرة أو مشتركة، عن الوضع الذي وصلت إليه المنطقة. ليس الغرب وحده، وليس "الجيران الخاطئون" وحدهم، كما يلمح ظريف. فإيران، بسياستها التوسعية بالوكالة، وبخطابها الثوري الذي يُصنف المخالف كعدو، وبامتناعها لعقود عن بناء علاقة ندية حقيقية مع جيرانها، هي شريك رئيسي في إنتاج هذا المأزق.

مقال ظريف يبدأ من هدف نبيل هو "إعادة بناء الثقة"، ثم يقضي معظم مساحته في تعداد أخطاء الجميع، ما عدا إيران. وهذا ليس بناء للثقة، بل إعادة تدوير للسردية في مرحلة ما بعد الأزمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان