العرب والموقف من حروب الآخرين

أتشرف بأن أباشر الكتابة في موقع الجزيرة نت لما لهذا الموقع من مكانة متميزة في الصحافة العربية الإلكترونية وكثرة المتابعين له، ما يتيح لي التفاعل مع نخب عربية واسعة في أقطارنا العزيزة على امتداد وطننا الغالي الكبير.
بالفعل، وكما قيل فإن الحرب المندلعة اليوم في خليجنا العربي- وإن كانت تشهد حاليا هدنة بين أطرافها لمدة أسبوعين-، هي حرب ليس لنا بها كعرب لا ناقة ولا جمل.. حرب تتطاحن بها قوى إقليمية ودولية، كل منها له مشروعه وله طموحاته المعنوية بل والمكاسب المادية المنتظرة من تلك الحرب.
صحيح أن من بدأ الحرب هم الأمريكان والصهاينة وبحثّ وتشجيع من الأخيرة، لكنها حرب تعكس تاريخيا حالة من العداء المستمر، ومن تضارب المصالح والتقاطع السلبي للأدوار، وبحث كل طرف عن توسيع دائرة نفوذه وهيمنته.
إن العرب جميعا- وفي كل بلدانهم في هذه الحرب- هم في موقع المتفرج، وكأنهم يشاهدون "مونديالا" لكرة القدم، يضم الكثير من الفرق، لكن ليس بينها فريق عربي واحد!، فهناك فريق أمريكي، وآخر إسرائيلي، وكذلك إيراني، وفرق أقل أهمية مثل أوروبا، أما العرب فهم في مدرجات المتفرجين، مع أن الملعب عربي!
ووجه الغرابة أنه إذا ما كان هناك شغب ملاعب، وتعاملت تلك الفرق مع بعضها البعض بخشونة، فإن الدم والدمار يصيبان الجسم العربي. إن التخريب الذي يصيب بلادنا اليوم من هذه الحرب، إنما هو مثال على ذلك، فالأذى يلحق بنا مع أنه لا طائل لنا من هذه الحرب!
فالأذى الكبير يقع على دولنا في الخليج العربي، على قطر، والسعودية، والبحرين والإمارات، والكويت، والعراق، والأردن بما فيها عُمان، رغم أنها لعبت دورا نشطا في محاولة درء خطر اندلاع هذه الحرب إلا إنها لم تسلم!
أما لبنان العربي هذا البلد الجميل فإن ويلات الحروب تقع عليه وعلى شعبه تهجيرا وقتلا ودمارا.
لقد اعتقدنا ولفترة طويلة بأن أخذ دور المتفرج قد يأتي بالسلامة، وتصبح بلادنا آمنة إن اندلعت الحروب بين الآخرين إقليميين ودوليين، إلى أن أثبتت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية اليوم، أن بلادنا العربية هي ميدان لتلك الحرب، وأن مؤسساتنا ومواطنينا أضحوا دروعا بشرية لتلك الحرب، فالوقوف على هامش الأحداث لن يؤدي إلى السلامة المأمولة .
إن العرب إن بقوا على هذه الحالة فسوف تكون مدعاة للضعف والابتزاز، وتكون بلادهم عرضة لنفوذ الآخر وهيمنته، وتكون سيادتهم شكلية، وتكون ثرواتهم نهبا للآخر.
وهو الأمر الذي لا يسر شعوبنا العربية ولا تقبل به قياداتنا ومؤسساتنا الرسمية، إذ لا بد أن تُوضع كل الإشارات الحمراء في العقل العربي، وإجراء مراجعة كلية من شأنها تمتين الحال العربي؛ ليصبح رقما صعبا ومأخوذا برأيه في المعادلتين؛ الإقليمية والدولية.
ومرة أخرى، إن الحرب الأخيرة التي تندلع نيرانها اليوم ليس لنا بها رأي، ولم يكن لنا بها علم، حيث تتطاير فوق رؤوسنا صواريخهم وطائراتهم إلى أن أصبحت بلادنا أهدافا مباشرة، مما أدى إلى انقسامات وحوارات بين النخب العربية، إن كنا مع هذا الطرف، أو ذاك.
مع أن الصحيح والمطلوب أن نكون كعرب مع أنفسنا في موقف صلب واحد يعبر عن المصالح العربية الواحدة. ولاحظوا أن حالة الفوضى السائدة والانقسام غير الموضوعي، مثاله الكبير في العراق، فإيران تقصف العراق، وكذلك الولايات المتحدة تقصف العراق، والمأساة الكبرى أن العراقيين يقصفون بعضهم البعض!
حالة من الفوضى الرهيبة المزمنة التي تنتاب الجسد العربي تتكشف آثارها السلبية عندما تندلع أي حروب بين الآخرين، فيكون صداها ظاهرا للعيان، ذلك الانقسام المؤلم الذي يتضح ويظهر في الصف العربي.
وعلى أي حال، فإن هذا الوضع الاستثنائي الخطير السائد حاليا ينذر بانفجار إقليمي ودولي واسع، يتطلب من العرب في هذه المرحلة ضبط النفس، وعدم الانجرار لنصبح طرفا في هذه الحرب اللعينة، فالحكمة تقتضي تحمّل تبعات ما يجري، وأن تتحرك الدبلوماسية العربية بقوة إلى جانب القوى الخيرة في العالم لوقف هذه الحرب، والاتفاق على ما من شأنه عدم تكرارها.
إن العرب حتى يأخذوا وزنهم الطبيعي ومكانتهم الحقيقية التي يستحقونها في الإقليم، والتي تعكس مكانتهم الحضارية والتاريخية، عليهم أن يفكروا بجدية في ضرورة إحياء نظام دفاعي عربي أمني واقتصادي واجتماعي، بحيث يصبح للعرب كلمتهم على أرضهم، وأن يقطعوا الطريق على كل القوى الإقليمية والدولية التي تعتقد بأن الثروة العربية، والجغرافيا العربية، مباحتان ومستباحتان لهذا الطرف، أو ذاك.
إن النظام الدفاعي العربي المنتظر والمأمول لا بد أن يعيد ترتيب العلاقات البينية بين الدول العربية التي بينها بعض الخلافات- سواء على الحدود، أو الخلافات السياسية- على قاعدة الربح للجميع، وأن تكون من مهمات هذا النظام الدفاعي العربي التدخل بجدية لإنهاء الانقسامات والحروب في هذا البلد أو ذاك.
فلا يجوز أن نبقى منتظرين ممثلا دوليا، أو ممثلا لدولة كبرى ليحل مشاكلنا في السودان، أو في ليبيا، أو في اليمن، أو حتى في فلسطين ولبنان. فالمثل العربي يقول: "لا يحك جلدك إلا ظفرك".
إن النظام الدفاعي العربي المقترح وتدخل العرب في إشكالياتهم الداخلية ليس بالأمر الجديد، فعندما كانت مؤسساتنا العربية فعالة فإنها منعت نظام عبد الكريم قاسم في العراق من احتلال الكويت، بل وأرسلت قوة عسكرية عربية لحماية الكويت ومنع ذلك.
ونتذكر أن العرب قد تمكنوا من تطويق أحداث سبتمبر/ أيلول المؤسفة عام 1970 في الأردن، وتمكنوا من إبرام اتفاق ينهي المواجهات المؤسفة بين الحكومة الأردنية والمنظمات الفلسطينية. أي إن العرب لهم تاريخ في التصدي لإشكالياتهم وحلها في إطار البيت العربي.
وبعدُ، إن على العرب اليوم أن يبرهنوا على أن هذا الجيل قادر على حماية الأمن العربي، بكفاءة ومقدرة بالتصدي لكل التهديدات المحيقة بالأمن العربي، سواء كانت في الخليج، أو في القضية الفلسطينية.
فالعالم في عصر التكتلات لن يكون به مكان للضعفاء أو المشتتين، وأن قوتنا كعرب تكمن في تحالفنا وفي تعاضدنا، خصوصا أن لهذه الأمة قدرات أمنية واقتصادية كبيرة. فقط تحتاج إلى من يوظفها لمصلحة العرب ولمستقبل أجيالهم.
والله ومصلحة العرب من وراء القصد
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
